سلام محمد العامري

سلام محمد العامري

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بعد تكاثر المبادرات  التي قدمت من مختلف الكتل, لحلحلة الانسداد السياسي, والتي لم تنتج شيئا لحد الأن,  وسط حراك سرعان محموم احينا ويبرد أحيانا, لكن النتيجة  سرعان ما يتحول, لمهاترات تراكمت أسبابها, فأصبح من المحال معالجتها.

ما بين مبادرات السيد عمار الحكيم وقائمة دولة القانون ومن تحالف معها, والأحزاب الكردية الرئيسية التي, لم تتفق لحد الآن على مرشح رئيس الجمهورية, لم يتمكن المجلس من تحقيق أي تقدم, سوى انتخاب رئيس البرلمان ونوابه, وتشكل اللجان .

بعد إلغائه من قبل المحكمة الاتحادية, كون الحكومة هي لتسيير الأعمال, وليس من صلاحياتها, إرسال القوانين للبرلمان, قام المجلس بتحويل مسار قانون الأمن الغذائي, الى اللجنة المالية وتمت مناقشته, تحت عنوان, مقترح قانون" الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية" استناداً لأحكام المادة (112), من النظام الداخلي لمجلس النواب العراقي, الذي إعتبره بعض الساسة والمحللون التفافاً لتجاوز عقبة إقرار الموازنة العامة, وصرف الوفرة المالية, بما يراه البرلمان, دون الرجوع إلى المحكمة ألاتحادية, كونه ليس قانون وإنما مقترحا داخليا من قبل الجنة المالية.

طرح سؤال من أحد الاقتصاديين من على أحد الفضائيات, حول هل أن مبلغ الموازنة قد تم دمجه, مع مبلغ الوفرة المالية, أم أن حكومة تصريف الأعمال, لها حق الصرف من الموازنة, حسب ما يسمح لها القانون, ويكون التصرف بما يقره البرلمان, وهل يكون منوطا بالاتفاق مع وزير المالية؟

بعض أعضاء البرلمان من التحالف الثلاثي, يرون الإبقاء على حكومة الكاظمي, ليتحكم البرلمان بما يراه, لإصدار أي قرار يصب في مصلحة التحالف؛ حتى وإن لم يتفق الحزبان الكرديان على مرشح متفق عليه لرئاسة الجمهورية, وهذا ما يخالف الدستور وشعارات القائمة الحاصلة, على أغلبية في نتائج الانتخابات المبكرة, فهل سنرى انتهاكات أخرى للدستور, تحت إجراءات البرلمان وقانونه؟

تراكمات من الأزمات, جعلت 20% من المشمولين بالانتخابات, هم فقط من يحددون مصير البلد.. من جانبها وكما بدوا فان قوى الاطار التنسيقي كان همهم الاول , أن يدرؤوا الفتنة ومنع وصولها لاقتتال بين أبناء المكون الواحد, الذي سعى ودفع له كثيرون, ممن لا يهمهم الدم العراقي, فهل وصل الإطار لهدفه وسيبقى  لأربع سنواتٍ يراقب ما يجري؟

اتهامات بين التعطيل والإقصاء, بين الاطار وسائرون, تعقد المشهد السياسي, لتجد الجيوش الإلكترونية, ضالتها في تأجيج الوضع المتأزم, دون رادع أو ذرة من الوطنية.

هيجان شعبي رافق خروج القوات العراقية, بعد دخول قوات التحالف عام 1991, إلى الكويت, تمخض عنها انتفاضة شعبية, بدأت بذرتها من البصرة, لتمتد سريعاً مجتاحة جنوب العراق, وصولا لمحافظات الفرات الأوسط, حتى باتت على مقربة من العاصمة بغداد.

يومٌ واحد فقط في البصرة, كان كفيلا بسقوط البصرة بيد الشعب, الذي خرج هاتفا بسقوط نظام البعث, الذي أدخل العراق في حروب تمتاز بالتهور, دَفع فيها الشعب العراقي دماءً غالية, وحطم قوة العراق العسكرية, وتسببت بانهيار الاقتصاد, آلافٌ من عوائل المراتب والضباط, دخلوا البصرة ليعرفوا مصير أبنائهم, وسط دخان آبار النفط, التي قام صدام بإحراقها, ما دعا تلك الجموع الوافدة المشحونة, للانتفاض مع أهالي البصرة, ليتجهوا إلى الدوائر الحكومية, ومعسكرات الجيش والسيطرة عليها, كان ذلك في 1/3/1991.

لم تكن محافظة ميسان, بعيدة عن منال المنتفضين, فسرعان ما وصلوا لها, ليهب سكانها للمشاركة وتم لهم ذلك, وسط هروب جماعي, لأعوان وجلاوزة حزب البعث المجرم, الناصرية السماوة والديوانية, لم تنتظر طويلاً فانضمت للانتفاضة,  كربلاء والنجف التحقت بالانتفاضة يوم 3/3/1991, لتصل جموع المنتفضين الى واسط والحلة, وكأنهم على موعد فرح, ترافق مع شهر شعبان, للخلاص من نظام البعث, الذي أذاق الشعب العراقي الأمرين.

لم تكن المعارضة العراقية في الخارج, مستعدة لدخول العراق, إلا المجلس الأعلى للثورة الاسلامية, بزعامة السيد محمد باقر الحكيم, الذي دخل بما لديه من ثقل عسكري, ليستهل العراقيون أن آل الحكيم, لم يتركوهم لقمة سائغة لشتات حزب البعث, إلا أن دول الخليج, شعرت بخطر داهم يهددهم, لتطلب من أمريكا إسقاط الانتفاضة, والسماج لقوات صدام, من الحرس الجمهوري, باستعمال كافة الأسلحة, عدا الطائرات المقاتلة, مستثنية الطائرات العسكرية المروحية.

بدأت القطعات التابعة للحرس الجمهوري, الهاربة من الكويت, بالتجمع لتضرب كل تجمعٍ شعبي, وبدأت معارك إجهاض الانتفاضة, فدخلت الى العمارة والبصرة, والناصرية بعد قتال استبسل به المنتفضين, مكبدين جيش الطاغية خسائر فادحة, ولم يسلموا مدنهم بسهولة, فدخلت قوات الحرس الجمهوري الخاص, الى كربلاء المقدسة, بقيادة المجرم حسين كامل, الذي رفع شعار" لا شيعة بعد اليوم" ليصل إجرامه لتهديم الدور المحيطة بالمراقد, وضرب مرقدي الحسين والعباس عليهم السلام.

حسين كامل ذلك العتل الزنيم المجرم, لم يكتفي بسقوط كربلاء, بل عمد لمجزرة قل مثيلها في الخسة, من قتل المقاومين بالجملة, وهدم الدور على ساكنيها, فأضاف لها أن أعطى عفواً, لمن غادر المدينة, وما أن عادوا قام, بإعدامهم أمام عيون ذويهم, وفي المناطق الريفية, تم ربط الشباب على أشجار النخيل وقتلهم.

قام نظام صدام بكارثة بيئية, إمعاناً منه بالإجرام, ضد سكنة الأهوار, فقام بتجفيف الأهوار, بعد تحويله لمسار نهري دجلة والفرات, بعيدا عن الأهوار ليسجل أكبر كارثة كبرى, ستبقى في ذاكرة الانسانية, بل هي أسوء كارثة بيئية, سببها إنسانٌ على وجه البسيطة.

هبت محافظة السليمانية يوم 5/3, لتلتحق أربيل يوم11/3, ثم تبعتها باقي المدن الشمالية, وقد أوغل نظام البعث, كعادته في الإجرام, فعمد وعن طريق المدفعية, دون تمييز بين مسلح أو غير مسلح؛ فلا فرق عنده بين شباب وطفل أو شيخ وامرأة, ليذهب ضحايا كثر, من خلال القصف المدفعي, وطائرات الهليكوبتر وحقول الألغام, التي زُرعت أثناء الحرب ضد إيران.

أصدر مجلس الأمن, في منتصف شهر آذار, قراراً تحت رقم( 688), بإنشاء منطقة آمنة للأكراد, سميت بمنطقة كردستان, وحددت خط العرض 36, وطردت القوات المهاجمة, ليبقى الوسط والجنوب, تحت نقمة ذلك النظام المجرم, ليبدأ حملة تصفية, بمقابر جماعية لم يعثر, على رفات كثيراً منهم لحد الآن.

إن آثار الانتقام الصدامي, من الفرات الأوسط والجنوب العراقي, تجاوز كل الحدود, فقد كشف عن إحدى المقابر, في المحاويل تحوي عدداً مهول, فتلك المقبرة لوحدها, ضمت ما يقارب 15000 جثمان, بين شاب وعجوز وطفل وامرأة, ناهيك عن الرضوانية وغيرها.

كل ما ذُكر ويذكر, شيء يسير مما جرى في الانتفاضة الشعبانية؛ يحاول بعض المنتفعين من النظام الصدامي, طمس معالم الإجرام, متهمين الشيعة فقط بالانتفاضة, على أنهم عملاء مجرمين, مزينين جرائم حزب البعث, على أنها عملية تحرير, فأي تحرير وطن من شعبه؟

استذكر العراقيون في الخامس من شهر رمضان؛ يوم رحيل السيد عبد العزيز الحكيم, وقد جاء في خطاب السيد عمار الحكيم, زعيم تيار الحكمة الوطني, الذي ألقاه قرب مرقد شهيد المحراب, حيث قال" كان عزيز العراق مرجعياً حَدَّ النخاع, وهو يرسخ مقولته, التي كان يرددها دائماً" ألمرجعية  دينٌ ندين لله به."

استعرض السيد عمار الحكيم في خطابه, جزءاً من سيرة والده عزيز العراق, كي يجعل من تلك الكلمات, مناراً للجيل الجديد, وتذكيراً للأجيال ممن عاصروه, للثبات على العهد, الذي عاهدوا به آل الحكيم, للسير على نهجهم  القويم, بإرساء قواعد الفهم للاستراتيجية العامة, ومنها الثبات على نهج المرجعية العليا, التي لا يمكن تجاهلها.

بالرغم من النتيجة المحبطة للعراقيين, التي سادت الانتخابات المبكرة, فإن السيد عمار الحكيم, كان صلباً في رؤيته لنظام الديموقراطية, حيث عدم الثبات على الفوز الدائم, لتغير القواعد والقوانين, وقد حسب لكل خطوة حسابها, فهو المعروف باستشرافه لما تؤول له نتائج المرحلة, ليتخذ مسبقاً جانب المعارضة البرلمانية, بالرغم من المغريات التي طرحت عليه, من مناصب وزارية.

ورث السيد عمار الحكيم ممن سبقه, الثقة والصلابة في اتخاذ القرارات المصيرية, والحِكمةَ في التعاطي مع الملفات الشائكة, والإنصاف في حواره ومفاوضاته مع الآخرين, ليكون المثل الأعلى لعزيز العراق, عبر تأريخه السياسي, وما فيه من أزمات وتقلبات, تستوجبُ الكياسة والتبحر في اتخاذ القرارات, فنال بذلك إعجاب كل الساسة, ومحوراً لحلحلة الأزمات.

المرحلة الحالية التي رافقت العملية السياسية, اتصفت بخطورة كبيرة, لم يعهدها العراق, أدت لانسداد سياسي, ذلك الوضع الذي حذر منه زعيم الحكمة؛ منذ ظهور نتائج الانتخابات المبكرة, فلم يحصل أي مكون, على أغلبية تؤهله لتشكيل حكومة, وحصول التحالفات جاء, خلاف الشعارات الانتخابية, فهو محاصصة مكونات بغطاء, ما يسمى تحالف وطني.

بدأت المفاوضات واللقاءات, فبدأت القائمة الصدرية, برفض المشاركة في الحكومة, جزءاً من نفس المكون, الذي كان جزءاً منه, ليتحالف حسب الواقع الإيدلوجي, مع أضداد لهم أجندة تختلف, مع ما يروج له السيد مقتدى, من حكومة صدرية وطنية قُح, وحسب النتيجة الرقمية برلمانياً, فإنها تمثل أقلية, لا يمكن لها تمرير ما تريده, إلا إذا كان يلائم المتحالفين, والأهم من ذلك, فإن المعارضة ستصبح معطلة, ولا يمكن تجاهلها, كونها تمثل المكون الأكبر, على الخارطة الاجتماعية للمكون الشيعي.

طرح السيد عمار الحكيم, مشروعاً لإنهاء الانسداد السياسي متضمناً" حسم موضوع الرئاسات الثلاث, عبر تفاهم أبناء كل مكون فيما بينهم؛ والجميع يتعامل مع مرشح, الأغلبية السنية والكردية والأغلبية الشيعية, لتمرير مفهوم الأغلبية المطمئنة للجميع, مع الاتفاق على رفض مرشح, أحد من المكونات الأخرى, لا يعني تقاطعاً مع المكون, بل فسح المجال أمامه, لتقديم خيارات أخرى, والرؤساء الثلاث يكونوا ممثلين للجميع, ويحضون بدعم واحترام الجميع."

انتهت المدة القانونية, لانتخاب رئيس الجمهورية, وجاء شهر رمضان الكريم, وكنا نأمل أن تحل البركة, فليلتم شمل الساسة, ليكونوا الحكومة الجديدة, لتخدم المواطن العراقي, الذي طال صبره, أن الاجواء يبدو أنها مغبرة, كما هو طقس العراق, ما بين فصلين.

فهل نرى انفراجاً بعد عيد الفطر؟ وفي حال تم الاتفاق, هل سيكون الوقت كافياً, لإقرار الموازنة العامة, والبدء بتقديم ما يجب على الحكومة؟

قال عز من قائل, في كتابه المبين من الآية 49 سورة الأنفال" ولا تَنازَعُوا فتفشَلوا وتَذهَبَ ريحكم."

عندما سقط نظام الطغيان ألصَدامي, وسط استبشار الشعب العراقي, بسقوط ذلك النظام الذي أذاق العراقيين, ويلات المقابر الجماعية والحروب والحصار, لتعود قوى المعارضة من المهجر, إلى أرض الوطن, رافعة شعار الحرية وإنقاذ الشعب العراقي, وإعادة كرامة وحقوق شعب العراق, من خلال انتخابات يفترض أن تكون نزيهة, لاختيار برلمان يمثل أعضاؤه, مكونات الشعب العراقي.

كان اختيار النظام البرلماني, من قبل الشعب العراقي, باستفتاء من المرجعية العليا, مفاجأة لأمريكا ومن معها, من دول التحالف والجوار العربي, فقد كانت أمريكا تريد, إلغاء نظام حزب البعث, والإتيان بنظام جديد, يتوافق ومصالحها في المنطقة, فحركت أذرعها من القوى الطائفية, المعروفة بأجنداتها الإرهابية, وكما فعلت في أفغانستان, باتفاقها مع تنظيم القاعدة وطالبان.

أقر دستور دائم للعراق, حدد نظام الحكم عام 2005, الذي يحدد في المادة الخامسة, أن السيادة للقانون, والشعب مصدر السلطات, ومن المادة الساسة, أن يتم تداول السلطة سلمياً, عبر الوسائل الديمقراطية, المنصوص عليها في هذا الدستور, ومما جاء في المادة التاسعة ( ب ) "يحظر تكوين ميلشيات عسكرية, خارج إطار القوات المسلحة" لحفظ البلد من الصراع المسلح, وانتشار الفوضى السياسية والاجتماعية.

بالنظر للاختلافات السياسية, ودخول بعض الأحزاب والحركات, في العملية السياسية, انحرف التطبيق عن الدستور, فبدلا من حكم الأغلبية الانتخابية, اتخذ الساسة نظام المحاصصة, والتوافق بتوزيع المناصب الحكومية, فصعد رؤساء الكتل والمقربين منهم, دون التأكيد على الكفاءة والنزاهة, ساعد جاء في المادة 18 رابعاً" يجوز تعدد الجنسية للعراقي، وعلى من يتولى منصباً سيادياً, أو أمنياً رفيعاً, التخلي عن اية جنسية أخرى مكتسبة، وينظم ذلك بقانون" .

إنتشر الفساد وشاع الفشل, بسبب مخالفة الدستور, ما سبب امتعاض المرجعية العليا, فأصدرت البيانات المتتالية, تتضمن وصايا للساسة المتصدين للحكم, الالتزام بما ألزموا به أنفسهم, بتحسين الواقع الأمني والاقتصادي, للمجتمع العراقي دون تميز, والحد من التمايز الطبقي والمادي, بين كافة مكونات وطبقات الشعب, وتوفير الخدمات ومحاسبة الفاسدين, وإبعاد الفاشلين الذين لا يتمتعون بالكفاءة.

طفح الكيل ولم يرى العراقيون, ما كانوا يأملون, بعد سقوط الصنم, فقد ساءت أوضاع العراق, فقد أساء العراقيون اختيارهم, لحداثة التجربة الديمقراطية, فعادت المرجعية العليا لوصاياها, ولكن هذه المرة للشعب, بعد أن أوصدت أبوابها, أمام الساسة الفاشلين وقالت" المجرب لا يجرب" فظهر شعار من جانب آخر للتضليل, يوحي للتفكير الجمعي, كي يضيع الأبتر بين البتران, وعدم محاسبة كل مسئول حسب مسؤوليته.

وصل المواطن العراقي, لإحباط ما بعده إحباط, فقاطع الانتخابات بأغلبية واضحة, لفقدانه الأمل بالتغيير, ليستغل من يتحين الفرصة لإسقاط النظام, بما يشبه ( الربيع العربي), في بعض الدول العربية, فانتشرت الفوضى الخلاقة, وسالت دماء زكية, وظهرت مجاميع من المجرمين, تغتال وتقطع الطرق وتمنع الدوام, وتحرق الدوائر الحكومية, ومكاتب الأحزاب التي لم ترق لهم, إضافة لمكاتب الحشد الشعبي, الذي حرر الأرض من داعش.!

اقتربت الانتخابات التي كان مؤملاً, أن تكون انتخابات مبكرة, وسط حالة من السخط الجماهيري, وانفلات للسلاح وشحن الغضب, من بعض المجاميع المندسة, ليصبح أمر لقاء المرشحين شبه مستحيل, لينادي بعض الساسة, بشعار العودة للنظام الرئاسي, الذي يعيد الدكتاتورية للساحة.

كلٌ يستعرض عضلاته قبيل الانتخابات, منهم يمتلك عضلات عقله, للتغيير بحكمة نحو الأفضل, ومنهم من يسعى للبقاء, مستفيدا من الأزمات الماضية, عن طريق امتلاكه عضلات المال السياسي, وجزء بعضلاته التي تحمل السلاح, فهل سيتمكن المواطن من التمييز, كي يعرف الغث من السمين؟

 يُنسب إلى أمير المؤمنين علياً عليه الصلاة والسلام, أنه حَذَّر من الإنسان الشرير,عند قيام الدولة وزوالها، حيث يقول عليه السلام: "احْذَرِ الشِريرَ عِند إقبال الدولة, لِئلا يُزيلها عنك، وعند إدبارها لِئلا يُعِين عليك".

قال تعالى في محكم كتابه المبين"خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وأعرض عن الجاهلين" سورة الأعراف199.

بعد كل ما جرى في كل محافظاتنا؛ من حروب داخلية جراء الطائفية والعرقية, يرى بعض الساسة, أن ليس من الممكن, عودة الحياة الطبيعية, بين مكوناتها الشعبية, إلا أن العراقيون الأصلاء,  خيبوا أمل المستفيدين من الفرقة.

جولات عدة قام بها, السيد عمار الحكيم, رئيس تحالف قوى الدولة الوطنية, شملت محافظات الوسط والجنوب, وإجراء اللقاءات المكثفة, مع شيوخ ووجهاء ومواطني تلك المحافظات, توجه مؤخراً لزيارة تُعد الفريدة من نوعها, فقد شد الرحال إلى محافظة كركوك, التي تُعد محافظة العراق المُصغر, لشمولها بكافة الأطياف العراقية, فهي مكونة من مسلمين لكل المذاهب, ومن الأخوة المسيحيين والآشوريين, وعَرباً وكُرداً, إضافة للتركمان وأقليات أخرى.

لم تسكت الأبواق الالكترونية, وجيوش السوشل ميدبا, من مثيري الفتن والاستهزاء, بكل المنشورات الهادفة للفرقة, والتسقيط السياسي, لضعفهم عن المواجهة و المناظرة العلنية, فاختبؤا خلف الكيبورد, ليظهروا مدى حقدهم على السلم الاجتماعي,وبدلاً من أن يعملوا, على رص الصفوف, والتوجه لتوعية المواطن العراقي, حول الانتخابات المبكرة, والتكيف من المشاركة فيها, وممارسة الحق الذي كفله القانون لكل مواطن, وهم بذلك إنما يخدمون الفاسدين, بإحباط همة المواطن العراقي, سعياً لإرضاء أسيادهم من الفاسدين والفاشلين.

أكد السيد الحكيم في لقائه "المناطق المحررة عانت الألم والضرر, وهنالك ملف التعويضات, وعودة النازحين ومستحقات الفلاحين" مضيفاً "أنني لا أعدكم بالتنفيذ بل المتابعة مع رئيس الوزراء والوزراء الآخرين."

" التعايش مع المأساة, يعني أنه الوسيلة الوحيدة, لعيش الحياة بلا أمل" مارك ليفي/ روائي فرنسي.

إن الثورة التي بلا وعي, أو في ظل ثقافةٍ تخاصم العصر، لا تلبث أن تصير فورة." ياسر ثابت/ كاتب وصحفي مصري.

تراكمت الأزمات في العراق, وانعدمت الخدمات وتفشت البطالة, وتفاقم الفساد, لأسباب عدة منها, الصراع السياسي على المناصب, وعدم محاسبة الفاسدين, إضافة لغياب القدوة والكفاءة لإدارة البلد.

بعد اليأس من المطالبات الهادئة, انطلقت احتجاجات سرعان ما بدأت جذوتها بالاشتعال, وتصاعدت وتيرة المطالب, فدخل مندسون على خط التظاهر, الذي بدأ سلمياً, لتقوم مجاميع بخلق فوضى عارمة, وتصدٍ غير محسوب النتائج, من قبل القوات الأمنية, راح ضحية مئات الشهداء من الطرفين, وأُحرِقت دوائر حكومية ومكاتب سياسية, وقطعت طرقٌ خارجية وداخلية وعطلت الدراسة.

دخل العراق بفراته الأوسط وجنوبه, في حالة من الفوضى, وصلت الشعارات لإسقاط النظام, ومن أجل امتصاص الغضب الشبابي, الذي تحول لنقمة متصاعدة, فقد تم الاتفاق على تغيير قانون الانتخابات, والاتجاه لانتخابات مبكرة, لإطفاء نيران الفتنة, وتفويت الفرصة على من أراد, أن تكون تتطور تلك الاحتجاجات, إلى حرب أهلية يتقاتل فيها الأخوة.

صورة قاتمة تغيرت فيها الحكومة, للتأهيل لانتخابات مبكرة, وتحديد موعدها, فتم بعد صراع مرير, تشرين الأول موعداً للاقتراع الشعبي, إلا أن بعض الجهات السياسية, تتحجج تارة بعدم توفر الأمن, وأخرى بعدم توفر الوعي, إضافة الى من اتخذ من التسقيط السياسي؛ طريقاً لغش المواطن العراقي, وإحباط معنوياته من خلال, التشكيك بنزاهة الانتخابات.

جاء انعقاد المؤتمر الرابع, لمنظمات المجتمع المدني, مع أحداث ساخنة, وقد جاء في خطبة السيد عمار الحكيم, وضع أسس وتوصيات, حول التوعية الشعبية, للمشاركة الواسعة في الانتخابات المبكرة, وعدم الانصياع لأبواق الفساد, التي تشكك بنزاهة المفوضية, عملية الاقتراع, من اجل كسر همة 
المواطن.

نحن لعراقيون الذين قاسينا من الفساد, وبلدنا مفتقر للخدمات, علينا أن نعي كيفية الاختيار, شخوصا وبرامج, وتحديد البوصلة الوطنية من غيرها, ولا نكتفي بالصراخ بعد كل انتخابات, فمن يريد التغيير والإصلاح, عليه أن يجيد الاختيار, ولا يعتمد على الوعود الكاذبة والشعارات الزائفة.

" في عصرنا لا يوجد شيء, اسمه بعيدا عن السياسة, كل القضايا هي قضايا سياسية" جورج أور ويل/ صحفي وروائي بريطاني.