تُسفك القرابين – في مذبح الطاعة

تُسفك القرابين – في مذبح الطاعة

علي الكريطي

منذ البدايات الأولى للتاريخ، كان القربان فعلًا يرمز إلى الطاعة. لكن الفرق بين طاعة صادقة قائمة على النقاء، وأخرى زائفة متسترة بالمصالح والحسد، هو الذي رسم أول جريمة في تاريخ البشرية؛ حين قدّم هابيل قربانه بصفاء فقبله الله، بينما رفض قربان قابيل، فانقلب الأخير إلى قاتل بدافع الحسد.

اليوم، وبعد آلاف السنين، يعاد إنتاج مشهد قابيل، لكن بوسائل حديثة أكثر قسوة وتنظيمًا. لم يعد القربان مجرد ذبيحة دينية، بل أصبح إنسانًا يُقدَّم على مذبح الطاعة العمياء: موظف يُضحّى به لإرضاء سلطة، شاب يُرمى إلى الموت تحت ذريعة “الواجب”، أو ضحية تُسجَّل وفاته كـ”انتحار” لتغطية حسابات سياسية أو نزاعات شخصية.

المفارقة المؤلمة أن هذه الطاعة لم تعد قيمة أخلاقية، بل تحولت إلى سلاح بيد المستبدين لتكميم الأفواه وتثبيت الصمت، حتى باتت التضحية بالإنسان حدثًا اعتياديًا لا يثير سوى عناوين سريعة ثم يُطوى في طيات النسيان.

إن ما نشهده ليس إلا استمرارية لجريمة قابيل، لكن هذه المرة بوجوه متعددة؛ مرة باسم الدين، وأخرى باسم الوطنية، وثالثة تحت راية “الضرورة”. وفي كل الحالات، النتيجة واحدة: قرابين تُسفك بلا عدالة، ودماء تُقدَّم قربانًا لبقاء أنظمة أو أشخاص.

ويبقى السؤال الجوهري: إلى متى سنبقى نتفرج على مذابح الطاعة العمياء، دون أن نملك الجرأة على المحاسبة والمراجعة؟

اترك رد