يستعد العراق لإجراء انتخابات برلمانية جديدة وسط ظروف سياسية معقدة وضبابية، يقابلها تراجع حاد في ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية. ورغم أن الانتخابات يفترض أن تكون فرصة لتصحيح المسار الديمقراطي وبناء نظام سياسي يعكس تطلعات الشعب، إلا أن شبح الفساد ما يزال يهدد بتحويلها إلى مجرد “إجراء شكلي” يعيد إنتاج القوى التقليدية التي أحكمت قبضتها على مفاصل الدولة منذ سنوات.
تتزايد المخاوف مع تنامي نفوذ بعض الأحزاب داخل الوزارات والمؤسسات، حيث يتم استغلال السلطة لأغراض انتخابية ضيقة. فبدلًا من ترجمة الشعارات إلى عدالة اجتماعية، تُستغل معاناة الفقراء والعاطلين والمستفيدين من الرعاية الاجتماعية عبر شراء الأصوات بالمال أو توزيع السلال الغذائية، أو إدراج أسماء محددة ضمن برامج الإعانات بطرق انتقائية. كما تُمارَس هيمنة واضحة على بعض الفئات، خصوصًا النساء، عبر ذرائع مثل “المعيل المتفرغ” أو احتكار خدمات الدولة لأغراض انتخابية.
هذه الممارسات تحوّل الانتخابات من أداة للتغيير إلى سوق للمساومات، على غرار ما شهدته مجالس المحافظات التي خضعت لتسييس واسع ضمن مناطق النفوذ العشائري. وهو ما يضع العملية الانتخابية برمتها أمام أزمة شرعية حقيقية.
إن الاستحقاق الانتخابي المقبل لا يمثل مجرد دورة سياسية جديدة، بل اختبارًا حاسمًا لإرادة التغيير في العراق: فإما أن يكون محطة لاستعادة ثقة الشعب وبناء دولة القانون والإصلاح، أو يتحول إلى حلقة إضافية من إعادة إنتاج الفساد تحت غطاء صناديق الاقتراع.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يمتلك العراقيون القدرة على كسر هذه الحلقة المفرغة والانطلاق نحو برلمان جديد يفتح باب الإصلاح الحقيقي؟ أم أن الأزمات ستجد طريقها مرة أخرى إلى قاعة البرلمان القادم؟