تُعد المسموطة من أبرز الأكلات التراثية التي يشتهر بها جنوب العراق، لاسيما في مناطق الأهوار مثل الفهود والجبايش وسوق الشيوخ، حيث ارتبطت هذه الوجبة بالبيئة المائية الغنية بالأسماك وبالعادات الاجتماعية المتوارثة منذ مئات السنين.
جذور ضاربة في التاريخ
الشاعر والباحث ماجد السفاح تحدث لوكالة سومريون الإخبارية قائلاً:
“في إحدى محاضراته، ذكر المرحوم الدكتور عبد الأمير الحمداني، الآثاري العالمي المعروف، أن السمك اليابس عند السومريين كان أغلى ثمناً من السمك الطري، وأن طبخة المصموطة تعود جذورها إلى العهود الغابرة.
أنا شخصياً عملت مع الخبير الروسي نيكولاي على طائرة (ميگ 21)، وقد رأيته يُخرج من جيبه أسماكاً صغيرة مجففة يتناولها وكأنها كرزات. وحين سألته عنها قال: إن السمك اليابس لذيذ، خصوصاً الأحجام الصغيرة منه، وهو من أطعمتنا المفضلة.
كما ذكر لي الأستاذ عصام الديوان أنه حين كان يرأس وفداً رياضياً في الجزائر، قُدّمت لهم مقبلات في أحد المطاعم، ومن بينها (سوب). يقول: عندما تذوقته شعرت أنه يشبه ماء مسموطة السمك، فدفعني الفضول للدخول إلى المطبخ، وهناك وجدت قدراً كبيراً مليئاً بالسمك اليابس، ومنه كانت تُعد تلك الشوربة.”
أما الباحث وليد خيّون زاجي فقال في حديثه لوكالة سومريون الإخبارية:
“من المؤكد أن هذه الأكلة قديمة جدًا، تحمل في طياتها إرثًا تاريخيًا عريقًا. حتى أن بعض المشاهد في المسلسل التاريخي يوسف الصدّيق أظهرت هذه الوجبة كدليل على قِدمها، إذ قُدّمت في مدينة طابا المصرية القديمة، ما يعكس انتشار تقاليد غذائية متشابهة بين شعوب المنطقة.”
ويضيف خيّون:
“المسموطة تشبه إلى حد كبير الفسيخ المصري، وهو ما يرجّح أن طرق حفظ وتجفيف السمك انتقلت بين الحضارات التي استوطنت ضفاف الأنهار.”
مذاقات متعددة وتقاليد خاصة
المسموطة لم تكن حكرًا على بيئة واحدة، بل دخلت ضمن تراث عدة طوائف ومجتمعات جنوبية.
يؤكد أبو سنان، رئيس مجلس شؤون طائفة الصابئة المندائيين في سوق الشيوخ قائلاً:
“أحد الأكلات المشهورة عند طائفتنا هي المسموطة. أغلب عوائلنا تحضرها بلون أحمر، وليس الأصفر العادي، ويضيفون لها معجون الطماطة حتى يعطيها طعم لذيذ جدًا. اشتهرت عندنا من أزمان قديمة، قبل حتى ما نسمع أحد يقول مسموطة بالموصل أو مسموطة بالبصرة. بالنسبة للصابئة، تُعتبر من أشهر أكلاتنا الشعبية.”
طريقة التحضير
تصنع المسموطة بطريقة بسيطة لكنها تحتاج إلى صبر وخبرة:
يُرش السمك بكميات مناسبة من الملح.
يُعرَّض لأشعة الشمس لعدة أيام حتى يجف تمامًا.
بعد ذلك يُخزن في أواني خاصة أو يُعلق في أماكن جيدة التهوية.
هذا الحفظ الطبيعي جعلها غذاءً مثاليًا لأهل الأهوار في أوقات شح الصيد أو صعوبة التنقل.
رمزية اجتماعية ومناسبات خاصة
لا تُعد المسموطة وجبة يومية، بل ترتبط غالبًا بالمناسبات الاجتماعية والأعياد، حيث تُقدَّم على الموائد كنوع من التذكير بالأصل والجذور. ويعتبرها الكثيرون طقسًا من طقوس الفرح واللمة العائلية، إذ يجتمع أفراد الأسرة حولها كما يجتمعون حول الذكريات.
تراث مستمر رغم التغيّر
ورغم تطور أساليب الطهي وتنوع الأكلات الحديثة، فإن المسموطة ما زالت تحتفظ بمكانتها في قلوب أهل الجنوب، خصوصًا في القرى القريبة من الأهوار، حيث تُعَدُّ رمزًا للهوية الثقافية ومذاقًا يذكّر الأجيال بحياة الآباء والأجداد.