من المائدة إلى البرلمان: كيف أسقطت أمي ورقة مشروع الديمقراطية؟
علي الكريطي
في خميسٍ عابر من عام 1988، شهدت أول تجربة “انتخابية” في حياتي، لكنها لم تكن في قاعة البرلمان ولا في مركز اقتراع محاط بالمراقبين الدوليين. كانت على مائدة عشاء في بيتنا. أبي، الذي بدا كأنه رئيس جلسة نيابية، طرح السؤال:
“غدًا عطلة.. إلى بيت عمكم أم إلى بيت خالكم؟”
الأصوات رُفعت، الأغلبية كانت واضحة، والنتيجة محسومة: الرحلة نحو بيت العم. لكن السلطة التنفيذية الحقيقية – أمي – كانت لها الكلمة الفصل. قررت الذهاب إلى بيت الخال، وفي صباح اليوم التالي نُفِّذ القرار وسط ابتسامتها المنتصرة. أما أبي – رئيس البرلمان الصوري – فاختبأ خلف جريدته وكأنه يراجع مواد دستور لم يُطبَّق يومًا.
منذ تلك اللحظة أدركت أن الديمقراطية ليست سوى ديكور لذر الرماد في العيون. الأغلبية تصوّت، الشعب يصفّق، الصناديق تُملأ، لكن القرار الحقيقي يُصنع في مكان آخر: غرفة مغلقة، جيب زعيم، أو ضمير “أم” تعرف كيف تقلب الطاولة على الجميع.
تجربتنا العائلية الصغيرة، بكل سخرية، تعكس ما يجري في برلماناتنا اليوم: “المائدة” قد تكون صادقة أكثر من البرلمان المزخرف. لم نحتج إلى مفوضية انتخابات مستقلة، ولا إلى عقود بملايين الدولارات لطباعة أوراق الاقتراع، ولا إلى كاميرات لتغطية “يوم الديمقراطية الكبير”. كل ما احتجناه كان جملة واحدة من أمي لتنسف مشروع الأغلبية من جذوره.
الديمقراطية عندنا تشبه وصفة طعام قديمة: تُقدَّم للجميع، ثم تأتي اليد الخفية لإعادة ترتيب الأطباق حسب شهية من يملك السلطة. الشعب مثلنا نحن الأبناء: يُساق إلى بيت الخال أو العم، ثم يُقال له لاحقًا: “لقد اخترتم بإرادتكم”.
حتى في الجلسات الرسمية، مثل التصويت على قائمة السفراء لدول، يبدو الاختيار أشبه بمناورة في مائدة عائلية: مميزات السفراء وآلية اختيارهم غالبًا ما تُقاس بالولاء وليس بالكفاءة، ويُتخذ القرار الحقيقي بعيدًا عن أعين الجمهور.
منذ ذلك الخميس البعيد وحتى اليوم، لم يتغير شيء يُذكر. الفارق الوحيد أن “أم البيت” تحولت إلى زعماء أحزاب، و”المائدة العائلية” تحولت إلى برلمان مزخرف. أما القرار فبقي حكرًا على من يملك الصوت الأعلى، لا على من يملك الأصوات الأكثر.
الديمقراطية في بلداننا، إذن، ليست سوى ابتسامة عريضة على وجه “أمٍ حاكمة” تخبر أبناءها إلى أين يذهبون، بينما الأب – والدستور – يظل يتظاهر بالقراءة في جريدة قديمة.
تعليقات الفيس بوك
