عندما أعلنت الجهات المختصة إطلاق نظام الدفع الإلكتروني، كان الهدف المعلن هو مكافحة الفساد وتبسيط الإجراءات الحكومية. لكن سرعان ما تحوّل هذا النظام إلى حقل ألغام للمواطنين، إذ تراكمت الرسوم، وانتشرت السمسرة، وبرزت شُبهات بوجود “مافيات مالية” تستغل غياب الرقابة لا بتلاع مليارات الدنانير يوميًا.
رسوم مبهمة.. المواطن يدفع بلا تفسير
بدأت أولى الملاحظات من داخل المؤسسات الحكومية نفسها:
رسوم تصديق وثائق دراسية تصل إلى 25 ألف دينار بدلًا من مبالغ رمزية كانت تُدفع سابقًا.
معاملات الصحة والمرور والتربية جميعها ارتفعت رسومها فجأة، دون أي إعلان رسمي عن الجهات المستفيدة.
> *أحد المراجعين تساءل: “إذا كانت هذه الأموال تدخل خزينة الدولة، لماذا لا يُعلن عنها في الموازنة؟ وإن كانت لشركات خاصة، فلماذا فُرضت قسرًا على المواطن؟”*
التحقيقات الميدانية تكشف أن جزءًا من هذه الأموال يذهب إلى شركات متعاقدة مع وزارات، وسط غياب الشفافية عن حجم العقود وقيمة الأرباح.
السوق السوداء لبطاقات الدفع
إصدار بطاقات الدفع مثل “كي كارد” و”ماستر كارد” لم يجرِ عبر قنوات منظمة، بل تحول إلى سوق موازية يديرها سماسرة، يبيعون البطاقة بأسعار مضاعفة ويفرضون “إكراميات” غير قانونية.
المخاوف تتعمق مع شكاوى حول تسريب بيانات المواطنين من هذه الشركات، لتُستغل لاحقًا في مكالمات نصب واحتيال.
*> أحد الضحايا أكد: “الشخص الذي اتصل بي كان يعرف رقم هويتي وعنواني وراتبي. المعلومات لم يحصل عليها صدفة، بل من داخل المنظومة نفسها.”*
– فحص المخدرات.. أرباح بمليارات بلا محاسبة
الخطوة الأكثر إثارة للجدل كانت إلزام أكثر من 5 ملايين موظف حكومي بدفع 15 ألف دينار لإجراء فحص المخدرات عبر الدفع الإلكتروني.
بعملية حسابية بسيطة، يعني ذلك 75 مليار دينار تم تحصيلها خلال فترة قصيرة.
لكن المفارقة أن:
لا أحد يعرف أي وزارة أو جهة استلمت الأموال.
لا توجد تقارير مالية منشورة تبيّن أين صُرفت هذه المبالغ.
لم تعلن أي لجنة برلمانية فتح تحقيق في القضية.
بعض المراقبين وصفوا الأمر بأنه “مشروع تجاري بغطاء رسمي” أكثر من كونه إجراءً صحيًا.
—
مافيات الدفع الإلكتروني.. دولة داخل الدولة؟
من خلال تتبع مسار الأموال، تتضح معالم شبكة معقدة:
شركات خاصة مرتبطة بعقود غامضة مع وزارات حساسة.
سماسرة ومكاتب وسيطة تستحوذ على السوق بعيدًا عن القانون.
ضعف الأجهزة الرقابية التي لا تعلن عن أي محاسبة للمخالفين.
هذا الواقع خلق قناعة لدى الكثير من المواطنين بأن الدفع مافيا اقتصادية تديرها أطراف متنفذة، تُحكِم قبضتها على مفاصل الدولة المالية.