لم يعد ما يُعرف بـ”المحتوى الهابط” مجرد نكات سخيفة أو تسلية رقمية عابرة، بل تحوّل إلى صناعة عالمية ضخمة، ماكينة تفرم العقول وتعيد تدويرها وفق مقاييس استهلاكية باردة. نحن أمام فيروس ثقافي يتكاثر على منصات مثل تيك توك وإنستغرام، يلتهم وعي المراهقين والشباب، ويحوّلهم إلى مجرد أرقام في قوائم المتابعين، مستعدين للركض خلف أي “ترند” لحظي يذوب كما يذوب الثلج في الشمس.
من رحم الأزمات الاقتصادية، حيث البطالة والفقر والفراغ، ولدت هذه الصناعة المسمومة. لم يعد الخطر محصورًا في المخدرات أو الجريمة المنظمة، بل في جيلٍ كامل يُعاد تشكيله ليقدّس الاستعراضات الفارغة: سيارات فارهة، رزم أموال، إعلانات مطاعم، وحفلات ابتذال جماعية. والنتيجة؟ شباب بلا هوية، أسر مفككة، وذائقة تنهار أمام أعيننا.
لكن الأخطر أن هذا المشهد لا يبدو بريئًا. السؤال الحقيقي لم يعد: “لماذا يظهر هذا المحتوى؟” بل: من يموله؟ ومن يستفيد من تسطيح وعي الشعوب؟
هل نحن أمام “تفريغ مجتمعي” عفوي، أم أمام مشروع هندسة ثقافية يراد منه إنتاج أجيال مطيعة، بلا نقد ولا قيم، أجيال تُقاد كما تُقاد قطعان عبر خوارزميات؟
حتى القانون نفسه يبدو مرتبكًا: مواد عقوبات مثل (403) يُخشى أن تتحوّل من سلاح لمواجهة الرداءة إلى أداة لقمع الأصوات الحرة التي تفضحها. وهنا تبرز المعضلة الأخطر: بين مطرقة التفاهة وسندان تكميم الحريات، من يحمي وعينا الجمعي؟
الدستور العراقي مثلاً، في مادته (38)، يضمن حرية التعبير “بما لا يخل بالنظام العام والآداب”. لكن ماذا يحدث حين تُختطف “الآداب” نفسها وتُعاد صياغتها بمعايير الترند؟ من يحدد الأخلاقي من غير الأخلاقي في زمن أصبحت فيه المقاييس تُكتب في مكاتب الشركات العملاقة في وادي السيليكون؟
تيك توك لم يعد مجرد منصة صينية للرقص والغناء، بل سلاحًا ثقافيًا ناعمًا يعيد تشكيل الأجيال على مقاس الربح والإعلانات، ويُحوِّل العقول إلى مستهلكين دائمين للتفاهة. هذه ليست أزمة محلية في بغداد أو القاهرة أو بيروت، بل جزء من مشهد عالمي يهدد الذائقة الإنسانية ذاتها.
اليوم، السؤال الأكثر إلحاحًا: هل سنبقى نتفرج على صناعة التفاهة وهي تبتلع وعينا؟ أم سنقف لمواجهتها قبل أن يتحول العالم إلى مسرح كبير للابتذال؟