كابوس الابتزاز الرقمي.. كيف تحوّل الحلم التكنولوجي في العراق إلى سلاح يفتك بالمجتمع؟
وكالة سومريون الاخبارية /تحقيق استقصائي / علي الكريطي :
حلم التطوير الذي انقلب كابوسًا
في لحظة يأس، جلست زينب، طالبة السادس الإعدادي، تحدّق في شاشة هاتفها. بعد فشلها لعامين متتاليين، راحت تبحث عن بصيص أمل عبر صفحات الإنترنت، لتصطدم بما قيل إنه “حل روحاني” يزيل السحر ويفتح أبواب النجاح.
لكن الأمل سرعان ما تحوّل إلى فخ قاتل؛ إذ دفعت المال مرارًا، ثم طُلب منها فتح الكاميرا بحجة “القراءة الشرعية”، لتجد نفسها رهينة في يد مبتز يهددها بالفضيحة.
قصة زينب ليست استثناءً، بل مرآة لظاهرة متنامية في العراق، حيث أصبح “التحول الرقمي”، الذي بُشِّر به كطريق للتطوير، بوابة لجرائم تهز الأسر: ابتزاز، شعوذة إلكترونية، عنف أسري، وحتى انتحار.
زينب: بين السحر المزعوم والابتزاز الرقمي
وكالة سومريون الإخبارية التقت زينب في منزلها الصغير بمدينة الناصرية، في غرفة شبه مظلمة، لم يكن فيها سوى هاتفها شاهدًا على محنتها. تحدثت بصوت متقطع، وعيونها ممتلئة بالخوف:
“كنت محطمة نفسيًا، فوجدت صفحة تدّعي أنني مسحورة، ووعدتني بالحل مقابل مبالغ مالية. دفعتُ ما أملك، ثم طلبوا المزيد حتى سرقت من أهلي. بعدها أُجبرت على فتح الكاميرا بحجة القراءة الشرعية، فتم تصويري دون علمي.”
كل كلمة نطقتها كانت تعكس منظومة احتيال متكاملة. تدخلت الشرطة المجتمعية في ذي قار، وبالتعاون مع الأجهزة الأمنية في نينوى، تمكنت من القبض على أحد أفراد شبكة المبتزين وإنقاذها من مصير مجهول. لكنها تبقى مثالًا واحدًا من بين آلاف الضحايا.
إقبال: خلاف زوجي تحوّل إلى جحيم إلكتروني
إقبال، معلمة من شمال ذي قار، جلست أمامي في مكتب مكتظ بالأوراق، تحاول أن تحبس دموعها وهي تسرد قصتها:
> “دخلت في خلاف مع زوجي، ولجأت إلى صفحة تزعم إصلاح العلاقات بالروحانيات. استغلوني ماليًا ونفسيًا، وكنت على حافة الانتحار. لولا تدخل الشرطة المجتمعية، لما نجوت.”
خلاف عائلي بسيط تحوّل إلى كابوس رقمي، حيث تُستغل الثغرات النفسية والاجتماعية لإحكام قبضة الابتزاز.
الطب الوهمي: فخ الصور العارية
في مقهى هادئ بذي قار، التقيت شاهدًا على مأساة صديقه:
“كان يعاني مرضًا، ورفض الذهاب إلى الطبيب. اعترف لاحقًا بأنه وقع ضحية صفحة طبية وهمية. طلبوا منه صورًا خاصة للتشخيص، ثم استخدموها لابتزازه. عاش في رعب طويلًا.”
لم يتوقف الاحتيال عند الشعوذة، بل تسلل عبر قناع “الطب الرقمي”، ليحوّل الحاجة الإنسانية للعلاج إلى وسيلة إذلال وقهر.
تجربتي الشخصية: أربعة أشهر في دهاليز الشعوذة الرقمية
لم أكتفِ بسماع قصص الضحايا، بل قررت التوغل بنفسي في هذا العالم. عبر محال صغيرة في الناصرية حصلت على أرقام توصلني بصفحات تدّعي “حل المشاكل الروحانية”. وعلى مدى أربعة أشهر، دوّنت ملاحظات صادمة:
واجهات لسرقة المال.
أدوات لتوريط النساء والفتيات في الابتزاز.
منصات للاتجار بالبشر والتسول.
الشعارات متكررة: “مس شيطاني، سحر، طلاسم”. وما يبدأ بابتزاز مالي، ينتهي بحلقات متواصلة من إذلال نفسي وجسدي.
أرقام تفضح الكارثة
10 ملايين عراقي يتعرضون لمحاولات ابتزاز إلكتروني (وفق الشرطة المجتمعية).
90% من الجرائم تتم عبر صفحات وهمية تحمل شعارات: “روحانيات، علاج، مساعدات”.
مئات الضحايا أنهوا حياتهم بالانتحار، خصوصًا النساء اللواتي فضّلن الموت على الفضيحة.
لماذا تتفاقم الظاهرة؟
1. غياب الوعي الرقمي: قلة الثقافة الأمنية على الإنترنت.
2. الخوف من الوصمة الاجتماعية: ضحايا يتجنبون التبليغ.
3. ضعف التشريعات: عقوبات غير رادعة.
4. استغلال الدين والخرافة: غطاء يجذب الضحايا البسطاء.
شهادة رسمية
مسؤول في الشرطة المجتمعية، طلب عدم ذكر اسمه، قال لـوكالة سومريون الإخبارية:
> “المبتزون يتخفون خلف واجهات رقمية، والضحايا يخشون الإبلاغ. رسالتنا: لا تصمتوا. يد واحدة لا تصفق.”
من التهديد إلى الأمان
ما كان يفترض أن يكون مشروعًا حضاريًا لتحسين حياة العراقيين، تحول إلى منصة تهدد حياتهم.
إنقاذ المجتمع من الكارثة الرقمية يتطلب:
تشريعات أكثر صرامة.
نشر الوعي الرقمي.
كسر حاجز الخوف والصمت.
تعاون وثيق بين المواطن و اجهزة الدولة.
وإلا ستظل التكنولوجيا في العراق أداة تفكيك لا تطوير، وسلاحًا للتهديد بدل أن تكون وعدًا بالأمان.
تعليقات الفيس بوك
