من خدمة الناس إلى خدمة المصالح.. بلديات ذي قار في قبضة الصراع
علي الگريطيي
لم تعد بلديات ذي قار، بما تحمله من ثقل خدمي وإداري، مؤسسات تعمل من أجل تسيير شؤون المواطنين، بل تحوّلت تدريجيًا إلى ساحات نفوذ تتقاطع عندها المصالح السياسية، وتُدار من خلالها الحسابات، في مشهد يختلط فيه الإداري بالخدمي بالسياسي على نحو يضعف ثقة المواطن بالدولة.
الفوضى في ملف الأراضي
أوضح مثال على هذا التحول يتمثل في ملف توزيع الأراضي السكنية. فبدل أن يكون هذا الملف أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية وضمان حق السكن للفئات المستحقة، أصبح منفذًا تستخدمه الأطراف المختلفة لبسط نفوذها. التفاوت الصارخ في الأسعار يعكس غياب المعايير: بعض الأراضي تُمنح بأسعار متدنية بحجة أنها “غير مخدومة”، بينما تصل أسعار أخرى إلى 400 مليون دينار، بلا ضوابط أو عدالة واضحة. هذه الفوضى فتحت الباب واسعًا أمام الشكوك بوجود مصالح خفية تتحكم بملف هو من المفترض أن يكون شفافًا ومنصفًا.
تغييرات بلا استقرار
الأمر لا يقف عند حدود الأراضي، فالإدارة نفسها باتت جزءًا من الأزمة. خلال عامين فقط تغيّر أكثر من سبعة إلى عشرة مدراء في بلدية الناصرية، بينما شهدت وحدات إدارية مثل الفهود والقلعة والفجر والشطرة والرفاعي تغييرات متلاحقة أيضًا. هذه التنقلات السريعة لا يمكن تفسيرها بالإصلاح أو الكفاءة، بل تعكس هيمنة التوازنات السياسية على التعيينات. النتيجة: غياب الاستقرار الإداري، وتوقف عجلة التخطيط، وضياع الجهود بين قرارات متضاربة وسجالات لا تنتهي.
التظاهرات كأداة ضغط
التظاهرات الأخيرة التي نظمها منتسبو الحشد الشعبي والجدل المرافق لتوزيع قطع الأراضي على الكوادر التعليمية، أظهرت جانبًا آخر من الأزمة. الاحتجاجات لم تعد مطلبية فقط، بل تحولت إلى أداة ضغط في لعبة النفوذ. المحاضر الإدارية التي يُفترض أن تكون أوراقًا تنظيمية بحتة، أصبحت وسيلة لتسجيل نقاط بين الأطراف، ما عمّق من شعور المواطنين باللاعدالة وزاد من تذمر الموظفين وذوي الشهداء.
المواطن بين الإجراءات والاتهامات
وسط هذا المشهد، يظل المواطن الضحية الأولى. فمن تغيير أرقام القطع بعد استكمال المعاملات، إلى التلاعب بالجنس العقاري، تتضاعف التعقيدات، وتُدفع عشرات الملفات إلى المحاكم والهيئة العامة للنزاهة. المواطن الذي يقصد البلدية لإنهاء معاملة بسيطة، يخرج منها مثقلاً بالخيبات، مقتنعًا بأن النظام الإداري يعاني من ثغرات مزمنة لا علاج لها في ظل غياب إرادة حقيقية للإصلاح.
غياب الدور المركزي للوزارة
الأزمة تكشف أيضًا عن خلل مؤسسي أعمق، يتمثل في غياب الدور الفاعل لوزارة البلديات التي تُفترض أن تضطلع بمسؤولية رسم السياسات العامة واختيار الكوادر الإدارية. ترك هذه القرارات بيد ديوان المحافظة جعل الأمور أكثر ارتباكًا، ورسّخ فكرة أن الإدارة المحلية رهينة لتوازنات داخلية أكثر مما هي ملتزمة بخطة وطنية واضحة.
خاتمة
في نهاية المطاف، المواطن في ذي قار هو الخاسر الأكبر. الخدمات تتراجع، المصالح السياسية تتقدم، والبلديات تتحول من مؤسسات خدمية إلى ساحات صراع. السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يمكن إعادة البلديات إلى وظيفتها الطبيعية كجهاز خدمي للمجتمع، أم أنها ستبقى رهينة لعبة المصالح والنفوذ، حيث لا مكان للإنجاز ولا صوت يعلو فوق ضجيج الصراعات؟
تعليقات الفيس بوك
