الإسكندرية.. عروس البحر التي لا تُقاوم

الإسكندرية.. عروس البحر التي لا تُقاوم

وكالة سومريون الاخبارية / راجي سلطان الزهيري :

الإسكندرية، تلك المدينة الساحلية الساحرة، تأسر زائريها بجوّها العليل وبحرها الذي لا يوصف، وناسها الذين يتميزون بالطيبة والبساطة. في يومٍ قضيتُه هناك، شعرت وكأنني أتنقّل بين فصول من التاريخ وأساطير البحر الأبيض المتوسط. كان يوماً من أجمل أيام حياتي، بدأته برحلة عبر الزمن وانهيته بنكهات البحر وذكريات لا تُنسى.

مكتبة الإسكندرية.. من رماد الماضي إلى مجد الحاضر

كانت محطتي الأولى مكتبة الإسكندرية، أيقونة الحضارة والفكر. هذه المكتبة التي عُرفت قديمًا باسم المكتبة الملكية العظمى، شيدها بطليموس الأول أو الثاني – كما تختلف الروايات – في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد (285 – 247 ق.م)، ويقال إن فكرة تأسيسها تعود إلى الإسكندر الأكبر قبل أكثر من ثلاثة وعشرين قرنًا.

شهدت المكتبة سلسلة من الحرائق التي أتت على كنوزها المعرفية، حتى دُمّرت تمامًا عام 48 ق.م، لتبقى أسطورة مفقودة حتى أعيد بناؤها عام 2002 بحلّة حديثة تحت اسم مكتبة الإسكندرية الجديدة. عند التجول في أروقتها اليوم، تشعر وكأنك تدخل مخزنًا هائلًا للمعرفة، حيث تتناثر آلاف الكتب والمخطوطات، وبعضها يخفي بين صفحاته أسرار العصور القديمة.

قلعة قايتباي.. حارس البحر الأزرق

من المكتبة إلى قلعة قايتباي، ذلك الحصن التاريخي المهيب القابع على ساحل المتوسط. القلعة، التي شُيّدت في القرن الخامس عشر على أنقاض منارة الإسكندرية القديمة، تمنح زائريها إطلالة بانورامية على البحر، وتعيدهم إلى زمن كانت فيه الإسكندرية درعًا دفاعيًا لمصر ضد الغزوات البحرية.

نزهة بحرية على “الفلوكة”

بعد زيارة القلعة، حانت لحظة استراحة على متن قارب صغير يُعرف محليًا باسم “الفلوكة”. كان النسيم البحري يلامس الوجوه، فيما تتلألأ الأمواج تحت أشعة الشمس، لتكتمل متعة الإبحار في أحضان هذه المدينة الفاتنة.

بيت سكينة.. رعب في قلب حي اللبان

لكن الإسكندرية لا تروي فقط حكايات الجمال، بل تخفي أيضًا أسرارًا مثيرة في أزقتها القديمة. في قلب حي اللبان، تحديدًا في منطقة عُرفت قديمًا باسم كاسات الهواء، يقف بيت سكينة، أحد أشهر البيوت في تاريخ الجريمة المصرية.

وعلى عكس ما صوّرته الأعمال الدرامية، يوضح الباحث في التاريخ الشعبي محمد مدبولي عبد العال “لوكالة سومريون الاخبارية ” أن ريا وسكينة لم تسكنا في بيت واحد، بل كان لكل منهما مسكن منفصل، لكنهما كانتا تلتقيان في هذا المكان لاستدراج ضحاياهما.

ويكشف مدبولي أن “شيخة المخدرات” حينها كانت تُدعى فاطمة العوراء، وأن الضابط الذي قاد عملية القبض على العصابة كان رمضان النجار. أما الجنينة (الحديقة) القريبة من البيت فكانت مقرًا لقسم شرطة اللبان، حيث دارت التحقيقات التي كشفت خيوط الجريمة. ومن بين أبرز الضحايا الخياطة خضرة اللاميذ، التي عُثر على حقيبتها، وامرأة تُدعى أنيسة التي امتلكت سنًا ذهبيًا لفت الأنظار وأسهم في كشف العصابة.

ورغم الشهرة التي يحظى بها هذا البيت، يؤكد مدبولي أن السلطات لن تحوّله إلى مَعْلم سياحي، لما يحمله من تاريخ دموي، إذ شهد أول إعدام لامرأتين في مصر والوطن العربي.

ختام الرحلة.. طعم البحر في مطعم شعبان

ولا تكتمل زيارة الإسكندرية دون تذوق سمكها الشهير. كانت محطتي الأخيرة مطعم شعبان، الذي ذاع صيته حتى تجاوز حدود المدينة، حيث يقدم أشهى أطباق الأسماك الطازجة بمختلف أنواعها. كانت وجبة وداعية للمدينة، قبل أن أودّعها عائدًا إلى القاهرة، محمّلًا بروائح البحر وذكريات يوم لا يُنسى.

الإسكندرية ليست مجرد مدينة، بل هي مزيج من التاريخ العريق، والجمال الطبيعي، والنكهة الشعبية الأصيلة. إنها عروس البحر المتوسط التي تجمع بين عبق الماضي وسحر الحاضر، وتترك في القلب حنينًا للعودة إليها مرة بعد مرة.

تعليقات الفيس بوك

One thought on “الإسكندرية.. عروس البحر التي لا تُقاوم

  1. تقرير رائع أحسنت و نورت عروس البحر الأبيض المتوسط صديقي الغالي
    تحياتي ايمان حواش / مصر

اترك رد