صمت الحكومة عن تمجيد صدام… مشاركة غير معلنة في الجريمة

صمت الحكومة عن تمجيد صدام… مشاركة غير معلنة في الجريمة

راجي سلطان الزهيري

في معظم دول العالم، لا يُنظر إلى تمجيد الدكتاتوريات أو الأنظمة الإجرامية بوصفه “رأياً حراً”، بل جريمة يعاقب عليها القانون. فالقوانين وُضعت أساسا لحماية المجتمعات من إعادة إنتاج الكوارث ومنع تلميع رموز القمع والاستبداد.

في أوروبا وحتى يومنا هذا، يُعاقَب بالسجن كل من يمجد النازية أو أدولف هتلر، مهما كانت الذريعة أو السياق. فالتاريخ هناك ليس مادة للمساومة وجرائم الماضي لا تسقط بالتقادم ولا تغلف بحرية التعبير.

وفي الدول العربية أيضا، توجد تشريعات واضحة. ففي مصر مثلًا، يعاقَب القانون كل من يمجد جماعة الإخوان المسلمين أو الرئيس الأسبق محمد مرسي، باعتبارهم جزءاً من صراع سياسي وأمني ما زالت الدولة تعتبره تهديداً قائما. أما في العراق، فقد صوت البرلمان العراقي بشكل صريح على حظر حزب البعث وتجريم الانتماء إليه أو الترويج له، كما نصت القوانين النافذة على معاقبة كل من يمجد حزب البعث أو رأس النظام السابق، صدام حسين لما ارتكبه من جرائم بحق الشعب العراقي بمختلف مكوناته.

ورغم وضوح القانون، إلا أن الواقع يقول شيئا آخر، نسمع ونقرأ يوميا، عبر منصات التواصل الاجتماعي، بل وحتى عبر قنوات فضائية عراقية وعربية، خطابات تمجد الطاغية صدام حسين وتعيد تقديمه كـ “قائد” أو “رمز”، دون أي تحرك رسمي يُذكر من الحكومة العراقية أو من وزارة الخارجية أو من الجهات الرقابية المعنية.

هذا الصمت يثير تساؤلًا مشروعاً لدى الشارع العراقي: هل هو ضعف الدولة؟ أم عجزها؟ أم أن هناك من يوافق ضمنياً على هذا الخطاب ويمرره بصمته؟

قبل يوم فقط نشر المعلّق الرياضي المعروف خليل البلوشي تغريدة تمجّد صدام حسين ولم يقم بحذفها إلّا بعد موجة غضب عارمة وهجوم واسع من العراقيين، لا من جهة رسمية.

وقبل ذلك وما بعده، تظهر شخصيات إعلامية وسياسية تقيم في أربيل وتطل عبر شاشات قنوات عراقية، تمجد صدام ليلًا ونهارا، دون أي مساءلة أو رادع قانوني.

وهنا لا بد من التوقف عند سببين رئيسيين:

أولاً: ضعف المؤسسة الإعلامية العراقية

فالإعلام العراقي، للأسف، فشل خلال السنوات الماضية في تسويق حقيقة جرائم صدام حسين محلياً وعربياً ودولياً. لم تُنتج أعمال مهنية كبرى، ولم تُستثمر الأرشيفات، ولم تُقدّم الرواية العراقية بشكل مؤثر، تاركة الساحة مفتوحة لمن يزوّر التاريخ ويعيد تلميع المجرمين.

ثانياً: غياب الدور الفاعل لوزارة الخارجية

وهي وزارة تعاني من اختلال واضح في أولوياتها، فضلًا عن هيمنة قوى سياسية عليها، ما أفقدها القدرة على التحرك القانوني والدبلوماسي تجاه القنوات والشخصيات التي تروّج لرموز الإجرام العراقي في الخارج.

إن تمجيد صدام حسين ليس إساءة لضحاياه فحسب، بل إهانة لتاريخ العراق الحديث، وتهديد مباشر للذاكرة الوطنية، ومحاولة لإعادة إنتاج الاستبداد بثوب جديد.

الدولة التي لا تدافع عن ذاكرتها، ولا تطبق قوانينها، تترك الباب مفتوحًا لعودة الخطاب نفسه الذي دمّر البلاد، مهما تغيّرت الأسماء والوجوه.

ملاحظة:

بعد الانتهاء من كتابة المقال نشر المعلّق الرياضي خليل البلوشي فيديو أوضح فيه أن المنشور نُشر على صفحته دون علمه، مقدماُ اعتذاره إلى الشعب العراقي عن الإساءة التي حصلت، ومؤكداُ أنه سيتخذ الإجراءات اللازمة لمحاسبة الشركة التي تتولى إدارة حسابه.

اترك رد