حين تغنّي المعرفة ويصغي الجمال: دكتور عبد الحميد يحيى… صوتٌ يشرح القصيدة قبل أن ينشدها
راجي سلطان الزهيري
في القاهرة، المدينة التي لا تكتفي بأن تكون عاصمة، بل تصرّ أن تكون حالة شعورية كاملة، التقيت قبل عامين بشخصية موسيقية نادرة. لقاء لم يكن عابراً، بل أشبه برسالة وصلت في توقيتٍ دقيق، تحمل توقيع الفن الخالص. دكتور عبد الحميد يحيى، اسم قد لا يضجّ في الضجيج الإعلامي لكنه يهمس بثقة في أذن كل من يعرف الموسيقى حقاً.
لا يشبه الكثيرين. هادئ الطبع، متزن الحضور، كأن الضوضاء لا تعرف طريقها إليه. صوته حنجرة عذبة، لا تتوسل الإعجاب بل تكتسبه بهدوء. حين يغني لعبد الوهاب أو لسيد درويش، لا تشعر أنه يستعيد أغنيات قديمة، بل كأنه يوقظها من سباتها، يعيدها شابة، متقدة، ومليئة بالحياة.
كانت تجمعني به ساعة أو ساعتان في صالون ثقافي دافئ، في بيت الأستاذة إيمان حواش. بيت لا يفتح بابه فقط، بل يفتح روحه. تستقبلنا بابتسامتها الطيبة، وكأنها تعرف أن الفن يحتاج دائماً إلى حضن إنساني قبل أي شيء آخر. هناك، بين جدران ذلك المكان، كانت الموسيقى تتنفس والكلمات تصغي والصمت نفسه كان شريكاً في الجلسة.
لكن للقدر طريقته الخاصة في ترتيب المشاهد. ذات مرة، صادف أن ركبنا المترو معاً. أقل من ساعة، لكنها كانت مكثفة، حوار قصير في الزمن، طويل في الأثر. حديث عابر ظاهرياً، لكنه كشف لي عمق هذه الشخصية وبساطتها وصدقها. في تلك اللحظة، أيقنت أن عظمة مصر لا تكمن فقط في تاريخها أو معالمها، بل في ناسها، في نماذج إنسانية مثل هذا الفنان الذي يمشي بين الناس بلا ادعاء ويحمل في صوته ذاكرة وطن.
كل من جلس حوله كان يشهد ذلك الانتباه الفوري. حين ينشد لعبد الوهاب، أو للسيدة أم كلثوم، لا يغني فحسب. هو يشرح القصيدة، يفسرها، يترجم معانيها بحركاته المذهلة، بيديه، بتعابير وجهه، بنبرته التي تتغير مع كل كلمة. تشعر أنك لا تسمع القصيدة فقط، بل تراها وتعيشها وتفهمها كما لو أنها كُتبت الآن.
ما يميزه حقاً أنه لا يتعامل مع الغناء كاستعراض صوتي، بل كفعل ثقافي. القصيدة عنده نص حي والمقام حكاية واللحن جسر بين العقل والقلب. لذلك يخرج المستمع من جلسته وهو محمّل بالجمال وبشيء من المعرفة وبحنين لا يعرف له اسماً.
في ختام هذا اللقاء الإنساني الجميل وعدني بلقاء مطوّل. وعد أحتفظ به كما يحتفظ المرء بموعد مع الفرح. إلى ذلك الحين، لا يسعني إلا أن أرفع تحية صادقة، نابعة من القلب.
تحية لك أستاذي العزيز
وكان لي كل الشرف أن أكون أحد مستمعيك.
تعليقات الفيس بوك
