بعض الرجال لا يمرون في الحياة مرور الظل، بل يمشون كأنهم يوقعون الأرض بأسمائهم. وإذا كان العراقيون يذكرون باعتزاز أبو تحسين الصالحي كشيخٍ للمجاهدين، فإن ذاكرة الجبهات تحفظ اسم علي عبد رشح الغزي بوصفه “شيخ المراسلين الحربيين”، اللقب الذي منحه إياه الشهيد أبو مهدي المهندس، لا مجاملةً، بل اعترافاً بمقام.
لم يكن اللقب شارةً إعلامية، بل شهادة ميدان. فقد كان الغزي يرى في عدسة الكاميرا سلاحاً وفي الكلمة طلقةً من نوعٍ آخر. لم يفصل يوماً بين المهنة والموقف؛ كلاهما عنده دفاعٌ عن وطن، وكلاهما مسؤولية أمام التاريخ.
سيرة رجلٍ كتبها بالميدان
هو من مواليد 1954
أبٌ لثمانية أبناء: أربعة أولاد وأربع بنات
عمل سكرتير تحرير وكاتب في مؤسسات ثقافية.
عندما صدحت فتوى الجهاد عام 2014، لم يقل إن الستين عذر كافٍ للجلوس. غادر هدوء المكاتب إلى ضجيج السواتر وانتقل من ترتيب العناوين إلى توثيق العناوين الكبرى للدم والبطولة. لم يكن خلف الصفوف، بل في قلب الاشتباك، حيث تختلط الرؤية بالدخان، والكلمة بالرصاص.
وثّق المعارك كما تُوثّق اللحظات المصيرية في حياة الأمم، وكتب عن الحرب ليترك للأجيال كتاباً لا تبهت صفحاته، لأن حبره امتزج بخطرٍ حقيقي، لا ببلاغةٍ باردة.
زهدٌ في زمن الغنائم
رغم مكانته وسنّه وتجربته، لم يسعَ إلى امتياز.
لم يحصل على قطعة أرض ضمن استحقاقات الصحفيين.
لم يتقاضَ راتباً من الدولة أو من الحشد الشعبي طوال سنوات تطوعه.
كان انتماؤه للفتوى والوطن، لا لدفاتر الرواتب. وعندما أُعلن النصر، عاد إلى بيته كما يعود فلاحٌ أنهى موسمه، بلا ضجيج، بلا مطالب، بلا قائمة مستحقات. اكتفى بأن يكون قد أدّى ما عليه.
المفارقة الثقيلة المؤلم أن يُختصر رد الجميل بوعدٍ لم يُنجز.
فبرغم توجيه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بمنحه راتب رعاية اجتماعية، بقي القرار حبيس الأدراج، ينتظر توقيعاً أو إجراءً، فيما الرجل الذي انتظر الرصاص في الميدان لا ينتظر اليوم سوى إنصافٍ بسيط.
علي عبد رشح الغزي لم يكتب اسمه على صكٍ ولا على لافتة، بل كتبه على ترابٍ دافع عنه بالكلمة والصورة والموقف. سيظل صوته خلف الكاميرا أعلى من صمت التجاهل، وأبقى من وعودٍ تتأخر.
هكذا يكون بعض الرجال… حين يغادرون الميدان، يبقى الميدان شاهداً عليهم.