ولاية الخوف والمرأة المكسورة. قصة قصيرة

ولاية الخوف والمرأة المكسورة. قصة قصيرة

راجي سلطان الزهيري

في العراق، هناك مدينة صغيرة يسكنها أكثر من مئتي ألف روح، لكنها تبدو أحياناً كأنها تسكن في صدر رجل واحد… يتنفس الماضي ولا يرى الحاضر.
كان أهلها يتحدثون عن أمجادها كما تتحدث العجائز عن شبابها. يقولون إن هذه المدينة كانت بوابة الضوء وإن العراق مدّ يده إلى المستقبل من خلالها. كانوا يروون الحكايات بفخر لكن الشوارع كانت تبتلع الكلمات كما تبتلع الرمال المطر الخفيف.
اليوم أصبحت المدينة تشبه مسرحاً قديماً. الستارة مرفوعة دائماً والعرض لا يتغير.
والي المدينة يجلس في مكتبه الواسع، تلمع ساعته أكثر من عيون الفقراء في الأزقة. ثروته تتكاثر بصمت، مثل نبات ليلي لا يراه أحد. لا أحد يسأله من أين جاء بكل هذا اللمعان. السؤال هنا تهمة، والتهمة طريق مختصر إلى زنزانة باردة أو دعوى كيدية تلتهم ما تبقى من العمر.
أما نائب الوالي، فيسافر إلى بغداد كما يسافر التاجر إلى سوقه. يحمل حقيبة لا يسأل أحد عمّا فيها. يعود مبتسماً، محاطاً بحصانة أكبر من أسوار المدينة. تتدفق المشاريع على الورق، بينما تبقى الحفر في الطرقات أعمق من الوعود.
(المستفيدون) يتزاحمون لالتقاط الصور. دروع تكريمية تلمع، كتب شكر تتكدس، كلمات مثل “النزاهة” و“الجهود الكبيرة” تتطاير في الهواء كقصاصات ورق ملون. التصفيق هنا مهنة، والابتسامة وظيفة.
الشركات التي تفوز بالمشاريع لا تملك الخبرة، لكنها تملك ما هو أثقل من الخبرة. تدفع جيداً، فتُفتح لها الأبواب. تُصبّ الإسفلت في غير موضعه، تُزرع أعمدة إنارة لا تضيء إلا في الصور الرسمية.
وفي المقاهي، يجلس أبناء المدينة. يهمسون بالشتائم كأنهم يتلون سراً محرماً. يغضبون في العتمة، يلعنون الفساد، يعددون الثروات الخفية. لكن في الصباح، يكونون أول الحاضرين في الاحتفالات، أول المصفقين، أول من يمد يده للمصافحة.
المدينة لم تكن سجناً… لكنها كانت تتقن بناء الأقفاص داخل صدور أهلها.
لم يُبقِ الفاسدين في مناصبهم المال وحده، ولا الحصانات، ولا الصور اللامعة. الذي أبقاهم هو ذلك التصفيق المرتجف، تلك الوجوه التي تبتسم علناً وتبصق سراً.
وفي مساءٍ هادئ، حين انطفأت الكهرباء كعادتها، جلس طفل صغير يسأل أباه:
لماذا لا تتغير مدينتنا؟
نظر الأب إلى الظلام، ولم يجد جواباً.
فالمدينة التي تخاف من صوتها…
تظل تصفق حتى وهي تغرق.

تعليقات الفيس بوك

اترك رد