مدرسة تُذبح بمرأى الجميع والعواصم العربية تُطفئ أنوارها!
راجي سلطان الزهيري
دخلت الحرب البالستيّة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يومها الخامس. خمس ليالٍ ثقيلة، تتطاير فيها الصواريخ أسرع من التصريحات وتقاس فيها المواقف بميزان المصالح لا بميزان الدم، طبعاً في المشهد العلني، تقف إسرائيل محاطة بدروع سياسية وإعلامية وتصفق لها عواصم كبرى بلا تردد، وفي الضفة المقابلة تخوض إيران معركتها بشعارها العقائدي، معلنة أنها تدافع عن مبدأ قبل أن تدافع عن حدود، لكن بين هذين الخطابين، سقطت الحقيقة من يد الجميع ووقع الأطفال تحت الركام.
حين تُقصف الأبجدية
في اليوم الأول للحرب، استهدفت مدرسة أطفال داخل إيران، لم تكن هدفاً عسكرياً ولا موقعاً استراتيجياً بل كانت مجرد فصول صغيرة تحتضن دفاتر وحقائب ملونة، ما يقارب الـ 118 طفلاً قُتلوا، 118 اسماً انطفأ قبل أن يتعلم كتابة اسمه كاملاً.
لم تكن تلك ضربة عسكرية فقط، بل كانت صفعة للأبجدية ذاتها، فحين تُقصف مدرسة، لا يُستهدف حجرٌ وإسمنت، بل يُستهدف المستقبل نفسه.
صمت عربي وبيان بلا روح
الغرب، كعادته، مارس انتقائيته المعروفة، يتجاهل تبعاً لمعادلة المصالح ذلك لم يعد مفاجئاً، المفاجأة الحقيقية كانت في الضفة الأخرى من الخريطة.
في العواصم العربية، لم ترتجف المنابر، لم تستنفر الشاشات، لم تُفتح ساعات بث استثنائية، مر الخبر كأنه حادث سير عابر، لا مجزرة أطفال، بيانات خجولة، إن صدرت، جاءت باردة كأنها تقرير طقس.
أليس الطفل الإيراني طفلاً في نهاية المطاف، أليست المدرسة حرمةً إنسانية قبل أن تكون جغرافية، أم أن الدم يُصنف اليوم وفق البوصلة السياسية؟
لقد بدت بعض الأنظمة العربية كأنها تراقب المشهد من خلف زجاج سميك، تخشى أن تفسر الإدانة انحيازاً، أو أن يُحسب الغضب خسارة في دفتر العلاقات الدولية. فاختارت السلامة السياسية على حساب الكرامة الأخلاقية، ازدواجية لا تقل قسوة عن القصف عندما يسقط أطفال في أي مكان آخر، تتحول الشاشات إلى ساحات بكاء عالمي، تُذكر الأسماء، وتُروى القصص، وتُرفع الصور. أما هنا، فالأرقام تكفي. لا حاجة للأسماء. لا ضرورة للوجوه، وكأن أطفال هذه المنطقة يولدون خارج عدّاد الإنسانية، المأساة لم تكن في الصاروخ وحده بل في الصمت الذي تلاه. الصاروخ يقتل مرة، أما الصمت فيقتل مرتين.
نيران معركة الوعي
الحرب ليست فقط تبادلاً للنيران، بل تبادلٌ للروايات والتعتيم ليس حياداً، بل اختيار، حين يصمت الإعلام عن جريمة بحجم مدرسة تُسحق فوق رؤوس تلاميذها، فهو لا يقف في المنتصف، بل يترك الحقيقة وحيدة في ساحة المعركة.
ختاماً، في زمن اختلطت فيه الخرائط بالبوصلة الأخلاقية، لم تعد المشكلة في من أطلق الصاروخ فحسب، بل فيمن خفّض صوته كي لا يُزعج تحالفاً أو يُحرج حليفاً.
مدرسة قُصفت وأطفال قُتلوا وعالمٌ عربي بدا كأنه يفضّل الوقوف على أطراف المشهد، يراقب النار وهي تلتهم البراءة، ثم يطفئ الميكروفون.
والسؤال الذي سيبقى:
إذا كان صوت الطفل لا يكفي ليوقظ الضمير.. فما الذي سيفعل؟
تعليقات الفيس بوك
