مصر والخليج.. ما وراء لغة “المنح” وحسابات الكرامة.

مصر والخليج.. ما وراء لغة “المنح” وحسابات الكرامة.

راجي سلطان الزهيري

تشهد الأوساط المصرية حالة من الغليان المكتوم الذي بدأ يترجم إلى غضب معلن وذلك على خلفية موجة من الخطابات الإعلامية الصادرة عن بعض الأقلام الخليجية. هذه الخطابات لم تكتفِ بتجاوز حدود اللياقة الدبلوماسية، بل تعمدت تبني نبرة استعلائية تحاول اختزال العلاقات الاستراتيجية في معادلات رقمية ضيقة وكأن التاريخ يُشترى أو يُباع.

​أزمة الوعي وتغييب المصير المشترك

​إن تكرار هذا الخطاب مع كل منعطف سياسي لا ينم فقط عن سوء تقدير، بل يكشف عن فجوة عميقة في فهم ماهية الدولة المصرية. فالعلاقات بين الشعوب العربية ومصر تحديداً، لا تُبنى على منطق “المنح والعطايا”، بل على وحدة المصير والجغرافيا التي لا ترحم من يتجاهلها.

​مبادرات استباقية: يتساءل الشارع المصري اليوم: أين كان هؤلاء حين نادت القاهرة منذ سنوات بضرورة تدشين “قوة عربية مشتركة” لحماية الأمن القومي الإقليمي؟

​رهانات خاسرة: تلك الدعوات قوبلت حينها ببرود سياسي واتجهت بوصلة البعض نحو تحالفات خارجية أثبتت الأيام هشاشتها، بينما ظلت مصر صامدة في رؤيتها القومية.

​”الذباب الإلكتروني”: لغة الأرقام مقابل لغة التاريخ

​ما يثير الحفيظة حقاً ليس الاختلاف في وجهات النظر، بل تلك الحملات الممنهجة التي تشنها جيوش إلكترونية، تعتمد لغة “المعايرة” المالية: “نحن من دفعنا.. نحن من دعمنا”.

​إن تحويل العلاقات الدولية إلى “دفتر حسابات” هو قصر نظر سياسي بامتياز؛ فالدول الكبرى لا تُقاس بأرصدتها البنكية فحسب، بل بقدرتها على صياغة الواقع وحماية الاستقرار الإقليمي.

​تدرك مصر جيداً حجم التحديات الراهنة وتدير ملفاتها بحكمة “الدولة العميقة” التي لا تنجرف وراء الاستعراض. والحقيقة التي يتغافل عنها المهاجمون هي أن سقوط أو ضعف أي ركيزة أساسية في الإقليم لن يترك أحداً في مأمن. النيران التي تندلع في بيت الجار لن تتوقف عند حدوده، ومن يظن أن “حصانته المالية” ستحميه من الارتدادات الجيوسياسية فهو يعيش وهمًا كبيراً.

​مأزق “الإنكار” وحتمية العودة للأصل

​إن الاعتقاد بأن المواقف السياسية تُشترى هو مأزق أخلاقي قبل أن يكون سياسياً. فالتاريخ يعلمنا أن من يدفع مقابل الحماية، سيجد نفسه يوماً يدفع ثمن تلك الحماية من سيادته وقراره.

اترك رد