ما كشفه النائب فاروق عدنان الياسري بشأن ملف تجهيز المؤسسات الصحية والمستشفيات بالطعام في ذي قار ليس مجرد مخالفة عابرة يمكن تجاوزها ببيان أو تشكيل لجنة جديدة، بل فضيحة تستوجب فتح تحقيق جدي ومحاسبة كل من تثبت علاقته بهذا الملف. الصدمة الأكبر أن المكان الذي كان يُحضَّر فيه طعام المرضى عبارة عن بيت سكني جرى استخدامه كمطبخ وسط أوساخ وقذارة في مختلف أرجائه، وفي ظروف لا تتوافق مع أبسط الشروط الصحية التي يفترض توفرها في أي مكان يُعد فيه الطعام، فكيف إذا كان هذا الطعام مخصصاً للمرضى؟ والأخطر أن هذا المكان كان مرتبطاً بتجهيز المؤسسات الصحية، فيما تشير المعلومات المتداولة إلى أن قيمة العقود المبرمة مع المتعهد تقترب من 420 مليون دينار شهرباً. هنا لا بد من طرح الأسئلة بصوت عالٍ ومن حق الرأي العام أن يحصل على إجابات واضحة: من أحال العقد؟ من وافق عليه؟ من منح الموافقات الصحية؟ هل جرى الكشف على موقع إعداد الطعام قبل التعاقد؟ من كان مسؤولاً عن الرقابة؟ ومن استلم الوجبات وسمح بتوزيعها على المرضى؟ هذه الأسئلة ليست ترفاً إعلامياً، بل جزء من حق المواطنين في معرفة أين ذهبت أموالهم وكيف تُدار المؤسسات الصحية. المريض الذي يدخل المستشفى يبحث عن العلاج والدواء والرعاية، وليس من المقبول أن يتحول إلى ضحية لعقد غذائي سيئ أو إهمال أو فساد أو تواطؤ. ومن غير المعقول أن تُصرف مئات الملايين من الدنانير على تجهيز الطعام، ثم يكون مكان إعداده بهذه الصورة التي تكشفها الوقائع. وزارة الصحة مطالبة بأن تتعامل مع القضية باعتبارها ملفاً يمس صحة المواطنين، وليس مجرد مخالفة إدارية. نريد تحقيقاً حقيقياً وشفافاً، ونريد كشف تفاصيل العقد وقيمته والجهة المستفيدة منه، وآلية الإحالة، وأسماء المسؤولين عن المتابعة والاستلام والرقابة، ونتائج الفحوص الصحية للمواد والوجبات. ومن تثبت مسؤوليته، سواء بالتقصير أو الإهمال أو التلاعب أو مخالفة الشروط، يجب أن يتحمل كامل المسؤولية القانونية والإدارية، بعيداً عن المحسوبيات والضغوط والتدخلات. لا نريد لجنة تُشكَّل لتجميد الملف، ولا تقريراً يُكتب ثم يُحفظ في أحد الأدراج حتى تنتهي الضجة. نريد محاسبة حقيقية، لأن القضية تتعلق بصحة مرضى وبأموال عامة، وأي تهاون فيها يعني ببساطة أن حياة المواطن وكرامته أصبحتا آخر ما يُفكر فيه أصحاب العقود.
420 مليون دينار شهرياً ليست مبلغاً صغيراً، والمريض ليس رقماً في قائمة تجهيزات. ومن حق أهالي ذي قار أن يعرفوا: من المسؤول عن هذه الفضيحة؟ ومن سمح بأن يُطبخ طعام المرضى داخل بيت بهذه الظروف؟ ومن استفاد من هذا العقد؟ هذه المرة، يجب أن تصل القضية إلى نهايتها، لا أن تُدفن تحت عنوان جديد اسمه: «شكّلنا لجنة للتحقيق».