مشروع تجاري
هادي جلو مرعي

هادي جلو مرعي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كان الجميع يتطلع لتلك المباراة التي لعبها العراق ضد منتخب كوريا الجنوبية منتصف العقد الثمانيني من القرن الماضي، والتي مهدت الطريق فيما بعد للقائين حاسمين ضد السوريين في ملعب العباسيين بدمشق، وإنتهت الأولى بالتعادل، والثانية بجدة السعودية حيث تناوب العراقيون على تسجيل ثلاثة أهداف في مرمى مالك شكوحي بأقدام حسين سعيد كابتن نادي الطلبة، وشاكر محمود اللاعب الخلوق الذي مايزال يجلس في مقاه الكسرة، وخليل محمد علاوي الذي تدرب لأربعين مرة على تصويب الكرة خلال مران المنتخب بحسب المعلق الأثير في حينه مؤيد البدري، وكانت النتيجة تأهل العراق الى بطولة كأس العالم في مكسيكو 1986 واللعب في مونديال مارادونا وسقراط وزيكو وبلاتيني وتيجانا وبرايان روبنسن وغاري لينكر والفتى المكسيكي المدلل هوغو سانشيز.

عدنان درجال صخرة الدفاع العراقي مع الأسود الحقيقيين الذين رضعوا من أثداء اللبوات، وليس أسود النيدو والمدهش، قدموا لوحات رائعة رفقة عمو بابا المدرب الحازم، ومن ثم البرازيلي إيدو، وأخيرا إيفرستو حيث تنقل لاعبونا خارج الديار، ومن بلد الى آخر، وجمعوا النقاط التي مكنتهم من الوصول الأول التاريخي الى مكسيكو 1986 وربما الأخير الى أن يأذن الله بمنجز جديد.

كانت مباراة كوريا الجنوبية بتعليق الراحل غني الجبوري، وكانت التشكيلة تضم لاعبين رائعين من أمثال كريم وخليل علاوي وكاظم مطشر وحسين سعيد وباسل كوركيس وغانم عريبي وعلي حسين وناطق هاشم، وعديد النجوم الذين لاأريد تعدادهم خشية أن أحدهم لم يلعب أساسيا حينها، وأتجنب الصواب، إنتهت المباراة بفوز العراق بهدف، لكنه لاينسى لأنه يشبه وقع الصواريخ الباليستية عندما تدك أهدافها، وقد وجه درجال الكرة من منتصف الملعب لتستقر في أعلى الشبكة، وليصرخ غني الجبوري عدنننننان وااااااااااااا.

عدنان درجال يعود بعد سنين طويلة ليوجه صاروخا عابرا، ويطيح بعرش إتحاد الكرة العراقي الذي عجز النجوم عن الإطاحة به، وليظفر بقرار القضاء العراقي الذي أثبت واقعة التزوير على أعضاء الإتحاد العتيد، والذين أنقذهم وزير الرياضة أحمد رياض العبيدي من فضيحة لامثيل لها بتدخله الأبوي، ودخوله في ماراثون ترضية إنتهى ليلة السادس عشر من يناير بصفقة كانت نتيجتها الإستقالة التي قدمها رئيس وأعضاء إدارة الإتحاد على أمل تشكيل هيئة مؤقتة.

سيكون من الرائع أن يتولى لاعب مثل عدنان درجال رئاسة الإتحاد في إنتخابات مقبلة نزيهة من غير تزوير.

 
 

في البدء كانت الكلمة.

وإذ قال ربك للملائكة.

قالوا أتجعل فيها.

قل هو الله أحد.

الناس يتكلمون بطرق مختلفة، وبلغات متعددة. هناك من يدعو لفكرة بعينها، وهناك من يتعلم من الكلام، وهناك من يتسلى به وينادم، وهناك من يتكلم طوال ساعات الليل والنهار، ويسمونه الثرثار.

الكلام لعبة الحياة، ولعبة الكلام هي التي تستهوينا، فنسرح في طلب العيش، والعبادة الحقة والتعلم، وسبق الآخرين، والتفوق عليهم، ونبحث عن المعرفة من وحي الكلمات.

أتابع برنامجا من قناة فضائية يتكلم مقدم البرنامج فيه عن الحق والباطل، ويحاول إثبات أحقية مايدعو إليه، والزعامة الدينية التي يتبعها، ويراها الحق المؤكد، وتتصل به سيدة، وتطلب منه عدم قذف الزعيم الذي تتبع بألفاظ قاسية. هو يمارس لعبة الكلمات ليقنعها، وهي تمارس ذات اللعبة لتدافع عن أمر تؤمن به.

بهذه الكلمات التي تقال على الهواء، وتسجل وتذاع من الراديو والتلفاز، وبواسطة أشكال من المنشورات والمسموعات والمرئيات يساق الناس الى عبادات وديانات ومذاهب وزعامات لايعتقدون بها حقا بعد تفكير وتمحيص وعن معرفة ودراية، بل لأن غالب الناس يستهويهم قول، وتسلب ألبابهم فكرة، فينساقون وراءها، وقد يتعصبون لها بعد أن ملكت عقولهم.

لعبة الكلام تضلل الناس، ويمارسها الكاتب والشاعر والسياسي ورجل الدين والخطيب المفوه والزعيم المرفه لقوم، أو لعشيرة، أو لطائفة فيحصل على الأتباع والأشياع وأمره على الدوام مطاع.

لعبة الكلام حولت ملايين البشر الى متعصبين، والى مضحين، والى قتلة محترفين، وهم يظنون أنهم يفعلون الصواب، وهم في الحقيقة يقومون بمايمليه عليهم من ضللهم وأوهمهم. وقد تبرأ الشيطان من الذين إتبعوه، وصارت الخطيئة مسؤولية الإنسان الذي سيدفع الثمن وفق قاعدة: القانون لايحمي المغفلين.

 
 

ينادي العراقيون فريقهم الوطني بكرة القدم ( أسود الرافدين ) وهي كناية عن القوة والإقدام، وصار العالم كله يسمي لاعبي العراق بهذه التسمية التي تليق بهم، وهم يقدمون مستويات متقدمة في مباريات كرة قدم في بطولات مختلفة، وإلتصقت التسمية بهم.

ظاهرة التنمر عالمية، وهي تصيب الصغار والكبار وطلاب المدارس، وتأخذ أشكالا مختلفة تتراوح بين التحرش الجنسي والضرب باليد، والألفاظ القاسية التي تصدر من أشخاص نتيجة الشعور بالقوة، ولكنها في الحقيقة تعبر عن عدم توازن نفسي وأخلاقي وتربوي لأن الأسوياء لايكونون بحاجة الى مثل هذا السلوك، وهي أيضا نتيجة لخراب المجتمعات، وضعف الحكومات، والأوضاع الإقتصادية المتردية التي تنعكس على واقع الناس العاديين الذين يفشلون في لجم صغارهم عن ممارسة الأفعال السيئة، والتعدي على الآخرين في المدارس والجامعات والدوائر الرسمية، وفي الأماكن العامة والشوارع.

التنمر ظاهرة تنتشر في العراق بشكل مثير للقلق، وتحولت الى سلوك يومي يمكن ملاحظته على الأفراد والمجموعات، وعلى شكل ألفاظ قاسية، وتسلط من الصغار على الكبار، ومن فئات إجتماعية على أخرى، ويمكن ملاحظة ذلك في سلوك بعض العشائر، ومجموعات التجار والسياسيين والموظفين والمسؤولين التنفيذيين وطلاب الجامعات والمدارس، حتى بدا واضحا إن العراق اليوم ساحة لممارسة القوة غير القانونية. فلا يمكن التأكيد على دور القانون في البلاد، حيث لايعترف به العام والخاص، ويتجاوزه الناس لتلبية مصالحهم الخاصة، وهناك خروج عن التقاليد المعروفة، سواء كانت تقاليد سلوك، أو تقاليد عمل وعادات وثقافة وعلاقات إجتماعية معروفة.

هناك مشاكل إقتصادية تضرب العراق، ومشاكل أمنية، وخلافات عميقة في السياسة جعلت الكثير من الناس يعيشون في ظروف صعبة ومعقدة للغاية، وعانت فئة الشباب من تلك التداعيات، ولذلك كان طبيعيا أن تجد ظاهرة التنمر وهي تضرب تلك الفئة، وحتى المثقفين من الشبان الذين يفرضون آراءهم وتوجهاتهم بعنف وبقوة، سواء بالكلام، أو الإصرار على الموقف، وحتى بالتجاوز اللفظي والضرب، ويتحول الكبار الى أسرى في عهدة الصغار نتيجة إختلال في التوازن المجتمعي المعتاد الذي يتحول الى الفوضى، وسيطرة فئة على حساب أخرى، ولايكون للقيم المعتادة في التربية والتعليم والأخلاق دور يذكر، بل تتعدد المفاهيم والرؤى، وتختلف التوجهات، ويكون الناس في حال من الضياع.

وهل من ضياع أكبر من هذا؟

ربما هناك ماهو أسوأ في القادم.

أغتيلت بنازير بوتو، بعد سنوات طويلة على إغتيال والدها ذو الفقار علي، وهي رئيسة لوزراء باكستان التي إنفصلت عن الهند عام 1947 وسميت ببلاد الطهر التي تواجه تحديات مابعد الإنفصال عن الهند، وسبقتها أنديرا غاندي التي قتل إبنها راجيف وكلاهما كان رئيسا للوزراء في دلهي.

أغتيل الرئيس الأمريكي جون كيندي في الستينيات، وعلى مدار السنين كان رؤساء الوزراء يقتلون، فقد أغتيل رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة، وسمي ذلك إعداما ثوريا، وقتل رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان، وقبله كبار القادة ككمال جنبلاط والرئيس بشير الجميل، وأغتيل رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، وقتل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بالسم، ونجح الإخوان في إغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات.

يقتل الرؤساء ورؤساء الوزارات والوزراء والصحفيون والناشطون ورجال الدين حول العالم وبدم بارد، وفي أحيان يقتل القاتل، ثم يتم قتل الذي قتل الفاتل، وقد يتم قتل سلسلة من القتلة لتضيع معالم الجريمة، وتتشابك الخيوط وتتقطع.

إتصلت بي مسؤولة العلاقات في قناة فضائية عراقية لأتحدث عن قضايا الساعة، والجدل حول إختيار رئيس الوزراء العراقي المقبل، ولكني سمعت الكلمة بطريقة مختلفة. فقد سمعت كلمة إختيار إغتيالا لأن المتصلة كانت تتحدث بلهجة خليط بين العربية والتركمانية والبغدادية مغمسة بغنج ودلع النساء، ولم أتنبه سوى إنها ضحكت، فعرفت إني خرجت عن المعنى المراد، وأوضحت لي الأمر بأن قالت: أقصد إختيار رئيس الوزراء، وليس إغتيال رئيس الوزراء.

أرى إن أي رئيس وزراء مقبل في العراق هو مغتال معنويا قبل أن يغتال جسديا. فكل مايحيط به هو نفاق وجدل وخلافات وأطماع وأمراض نفسية، وبلاد لاتستقر، وتبقى في دائرة المشاكل والبلاءات والطموحات الفارغة.

 
 

أفرزت المرحلة القليلة الماضية جملة معطيات تعلقت بدور ومسؤوليات السلطات العليا في الدولة، ومنها رئاسة الجمهورية التي تتوفر لها صلاحيات وأدوات يمكن إستخدامها لتمضية شؤون الدولة العراقية، ومن المفترض، ووفقا لتلك المعطيات فإن الرئيس يتحرك وفقا لمعادلة صراع، ولديه تجربة معها سابقة وناجعة تمكنه من المرور من بين السكاكين، فيخرج بأدواته الى العلن، ويقرر مافيه مصلحة الدولة بمكوناتها السياسية والعرقية والطائفية حتى وإن كان مجيئه الى المنصب بفعل نظام المحاصصة فهو قد أقسم اليمين، وعاهد على العمل وفقا للدستور، وقد قرأ الساحة السياسية جيدا، وأدرك نوع الخلافات العميقة فيها، ولم يكن مجيئه عن جهل، أوقلة خبرة ودراية، بل كانت الصورة واضحة أمامه تماما، ولاعذر له في التقصير.

ذهب برهم صالح الى السليمانية، ولانريد أن نسميه هروبا من المسؤولية طالما إننا لانعلم جيدا التفاصيل الكاملة للساعات القليلة التي سبقت توجهه الى مدينته الأثيرة الغافية على سفوح جبال مغطاة بثلوج ديسمبر، وبعد أن قدم إستقالته للبرلمان ملوحا بها في حال لم يتم التعامل معه وفقا لمنهجية سياسية واضحة، وبعد تقديم شخصيات سياسية من قبل بعض القوى المؤثرة ليتم تكليفها بتشكيل الحكومة، وكان أعلن: إنه يرفض التكليف لكي لايصطدم بالشارع، دون أن يتخذ موقفا مقابلا بأن يذهب الى ساحات التظاهر، أو يقرر تكليف شخص لم يتسلم منصبا تشريعيا، أو تنفيذيا ليقوم بدوره الحقيقي ويخرج من دائرة الحرج والضعف، وتلقي سهام النقد، وحتى الشتيمة والتوبيخ كما حصل من بعض الساسة.

قرر برهم صالح العودة الى بغداد بعد أن هدده البرلمان بأنه سيعده مستقيلا في حال لم يتراجع عن الإستقالة، وربما تكون جهات سياسية وقوى خارجية أسهمت في حمله على التراجع عن موقفه بعد أن عاش دور البطل لساعات معدودة، وعد سوبرمان السياسية العراقية المنحاز الى شعبه، الرافض للإملاءات، بل إن عودته الى بغداد بهذه الطريقة تشير الى حجم تلك الضغوط التي مورست عليه، ولكن يبقى أن نقول للرئيس: لو أنك بقيت في بغداد، ولم تلوح، ولم تصرح بالإستقالة لكان أفضل لك من الآن وأنت تعود وقد خسرت الشارع، وظهرت مكسورا في مواجهة القوى السياسية التي طلبت منك البقاء، ولم تبق، ثم هاأنت تعود.

موقف الرئيس برهم صالح يشبه موقف حكم مباراة كرة قدم. الحكم (برهم صالح) يحتسب ضربة جزاء للمتظاهرين ضد فريق النظام السياسي، ولكنه وسط ضغط فريق النظام السياسي قرر العودة الى تقنية الفديو ( الفار) ليتأكد من صحة قراره، وماأن عادة الى الملعب حتى أعلن إن ضربة الجزاء ملغاة، وإن النتيجة تبقى كما هي عليه، التعادل بين الفريقين.

 

اليأس من الحل هو ماجمع بين قرار رئيس الجمهورية برهم صالح بوضع إستقالته على طاولة رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، وبين قرار المرجعية العليا بالإمتناع عن الخطبة السياسية. لماذا اليأس؟

برهم صالح هو رئيس بلاصلاحيات حقيقية، وليس لديه من القوة مايكفي ليكون في معرض إدارة الدولة، بل وهناك من يروج لفكرة إنه جزء من لعبة التغيير الكبير، والمضي نحو الفوضى لترتيب البيت العراقي على مزاج بعينه، وهو اضعف من ان يواجه الشارع الغاضب، وأضعف من أن يواجه الرؤية الأمريكية، أو الإيرانية، أو الكتل السياسية التي تريد مرشحا بعينه. يبدو صالح كرجل يقف في الشارع، أو شخص يمضي في سبيله فيعترضه مجموعة أشخاص، ويوجهون له اللكمات، فلايستطيع الرد، ولاتوجيه اللكمات للخصوم، وأراد مغادرة المكان بأقل الخسائر.

سيمتنع البرلمان عن قبول الإستقالة، وسيتحول صالح الى بطل لبعض الوقت. الرجل كردي القومية، ولكنه رئيس لدولة تضم قوميات وأعراق متعددة ومتباينة في التوجهات والنوايا والتطلعات، ولكن ماحدث ربما سيدفع الى وضع رئيس البرلمان على المحك في مواجهة إستحقاق دستوري لن يتمكن منه. فإستقالة عبد المهدي وصالح قد تفتح الباب لاحقا للمطالبة بإستقالة الحلبوسي. وهي مطالب المتظاهرين منذ البداية، وقد يكون ماحدث سبيلا لصالح ليتقوى بالشارع، ويكلف مرشحا غير حزبي لتولي منصب رئاسة الحكومة.

المرجعية التي أعلنت منذ زمن أن صوتها قد بح وهي تنادي بالإصلاح والتغيير تجد نفسها غير قادرة على حمل القوى السياسية على تغيير نهجها التقليدي في الإدارة، ولاترى أفقا للحل. فليس لها من سبيل سوى النأي بنفسها عن إبداء موقف غالبا مايستقبله السياسيون بالتأييد، ولكنهم لاينفذونه على الأرض. هل يمكن القول إن الأمور تمضي الى نهايتها على وفق ماتريده الأطراف التي لايخدمها الحل طالما إنها لم تنجح في تمضية الأمور على طريقتها..