مشروع تجاري
واثق الجابري

واثق الجابري

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لا يمكن وصف زيارة رئيس الوزراء العراقي للملكة السعودية، بأنها إعتيادية، في ظل تصاعد الأزمات وإحتدامها في المنطقة، ومالها من إنعكاسات دولية، وربما تكون أشبه بتلك الزيارة الخاطفة التي أجراها الى طهران، بعد أزمة الناقلات البريطانية والإيرانية، ولكن هذه الزيارة أشمل وأوسع، رغم أن الأولى لا تخلو من أرتباط أحداثها بما يدور في المنطقة.
بات من الواضح أن أسرار اللعبة في الشرق الأوسط والخليج، واضحة وسرها لا يختلف كثيراً عن علنها، وما عاد لأطرافها التذرع بمجهولية الجاني وهي تهتمه جهاراُ نهاراً، أو صنعت لنفسها عدو كي تلقي عليه كل أسباب مشاركتها في هذه الأحداث بصورة مباشرة وغيرها، ولكن ليست كل الأطراف تعرف من المستفيد أو تغض الطرف خوفاً من إنهيار تحالفات تعقدها، ضامنة لسياساتها، ولا تريد أن تضع نفسها في عداد الخاسرين، الى درجة التورط والعزة بالإثم.
الأفكار التي تقود المنطقة للتهاوي؛ عميقة كعمق الخليج وإستراتيجيته، ولكنها كانهر الجاري ببطيء، لا يرى أحد جريانه ولا يسمع له صوت، كما هي الأحداث التي كالأمواج المتغيرة، التي تظهر أكثر وضوحاً ولها أتجاهات، منها تعرف من أين القوة التي تدفعها وتخبرنا عن الجريان.
ليس أمام المنطقة خيارات كثيرة متاحة، وقد أستنفذت معظم قواها ما تملك من أعلام وإستعراض عضلات، وأن قبلت النتائج فخياراتها من مر الى أمَرْ، سيما بعد الضربات الإسرائيلية للعراق وسوريا ولبنان، والضربات التي تعرضت لها شركة أرامكو السعودية، وأن لم يُفصح عن الجهات الجانية، ولكن هناك دلائل تؤشر عليها.
في ظل كل هذه التطورات كانت للرئيس العراقي برهم صالح كلمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأوضح حجم المشكلات وضرورة نوعية الحلول، التي تتمحور على الحوار المباشر، وللعراق تجربة سابقة بجمع رؤوساء برلمانات الدول المجاورة له، ونجح بهذه المهمة وأتت الدول المختلفة وجلست على طاولة واحدة، وليس من المستحيل أن تكون قمة على مستوى الرؤوساء في بغداد، التي تسعى للوساطة وموثوقة من جميع الأطراف، ولا تختلف أو تتقاطع أو تتمحور لطرف.
لم تعد الخلافات والإتفاقيات دولية فحسب، بل معظمها يتعلق بملفات، وليس بعيداً عن كل ملفات العراق وسوريا وتركيا واليمن والسعودية وايران والخلاف الخليجي، وكل هذه الدول تختلف وتتفق في ملف بينما العكس في ملف آخر، ولكنها معنية بها جمعاء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وفيها لم تعد فقط الأصابع تشير للإتهام، وإنما الجزم وشدة الإحتدام،ووضع اليد على الجُرح.
يرى العراق أن له القدرة على جمع الأطراف في بغداد، وبمشاركة الأمم المتحدة، وليس مستحيلاً أن يجتمع الكبار على طاولة حوار، وفي الملف السعودي الإيراني اليمني كل الأطراف خاسرة، بل واقفة على هاوية الإنهيار، ولا أحد يتكهن أو يراهن على إنهيار الآخر قبله، فاليمن يخسر عشرات الضحايا يوميا، وإقتصاد أيران يتراجع مع شد الحصار الإقتصادي، وشركة أرامكو السعودية أوقفت نصف إنتاجها، وطلبت ما يتجاوز مليار دولار، وما قادم على هذه الدول سيكون أعنف وستنفذ الذرائع، وكل شيء واضح، وربما يُجبر طرف على الرد المباشر وتكون الكارثة.
إن الشرق الأوسط قلب العالم والعراق قلبه، ويسعى لإقامة مؤتمر يضم كل الأطراف، يضم بجانب دول الخليج ايران واليمن وسوريا وتركيا والاردن والامم المتحدة، ليضع حد فاصل لحرب اليمن وتسوية الخلاف الخليجي الايراني والخليجي الخليجي، والازمة السورية، وتناول مسألة أمن الملاحة في الخليج وبحماية الأمم المتحدة، دون تدخل أطراف أجنبية، ويأتي هذا التحرك بإتفاق الرئاسات العراقية الثلاث، وسبقه لقاءات مع سفراء الدول المعنية، وتشاور مع الأمم المتحدة، وأمريكا وبريطانيا وروسيا وفرنسا، والتي أبدت رغبة في أخراج المنطقة من الأزمة وتفادي التصعيد.
بعد زيارة عبدالمهدي الى السعودي، أشار بعد لقاءه العاهل السعودي وولي عهده، أن كل الأطراف لا ترغب بالحرب، وبما أنها كذلك، فلابد لها أن تضع حد لإستنزاف المنطقة وتوترها، وقد يأتي الوقت الذي يجف البترول أو يستنزف، وكما يصرح الحلفاء أن لا أحد يقدم خدمة مجانية، وأن الدول العظمى ليست مؤسسات خيرية، وبهذا يكون العراق خير وسيط وأوثق صديق لكل الدول المختلفة، وأن القراءة تقول أما أن ترغبون الحرب، فأن الساحة مفتوحة والنتائج معروفة، ومن تتهمون علنياً أمامكم، أو تعودوا الى بغداد، لأن الخلافات في الشرق الأوسط ليست أعقد من الحروب العالمية، التي حلها الحوار المباشر، وقناعة كل دولة بمساحتها وحجمها، وجار صديق خير من ألف جار عدو، ولا تدقوا طبول الحرب، لأن المفتاح في بغداد.

بعد غياب غير مبرر، يتصدر المشهد بين الحين والآخر، بعض الأطاريح السياسية، التي لا تختلف أهدافها عن خلط الأوراق، وفقدان بوصلة العمل السياسي والبرلماني بالتحديد، وقلة نادرة أبرزت التجربة، وما فيها من سلبيات وإيجابيات، ودعت لإستخلاص الدروس والعبر وتلافي إقتباس الأزمات والتهويل، لما هو قادم محفوف بمخاطر التهويل نفسه، أو الإيهام بهول ما هو قادم.
تناولت معظم الأطروحات السياسية، تلك العناوين المثيرة، التي لم تستند الى وثائق، والوثائق العلمية التي تعطي الصدقية العلمية المطلوبة، وغلب الإنطباع على المشاهدة العيانية السطحية، على التحليل العلمي الموثوق، كما هيمن الخبر الصحافي ومنشورات التواصل الإجتماعي، على البحث الرصين.
لم تتقدم العناوين ذات الدلالة، على التركيز في النقاط السلبية، ولم ينقلنا اسفاف الحديث من الشروق الى السطوح، بل صور حاضرنا ومستقبلها في عتمة، وهرب معظم متناولي السياسة من الأدوار الماهرة الى الأحاديث الظاهرة، وهنا غاب التطلع للمستقبل وغاب التطلع للمستقبل، وأنتهى دور الاستفادة من الدروس، وأسرار نجاح نقاط وفشل آخرى، ومحاولات غرس الروح الوطنية، التي تحمس جيلاً واعياً للإنتماء والتضحية للوطن.
تساؤل منهجي لابد من الإجابة عليه؛ هل نجحنا في إرساء الديموقراطية، وهل إستفدنا من تجارب الدول الآخرى؟! وبتحليل معمق للإدارة وأهدافها الإستراتيجية، لابد للبحث عن عمق الإرتباط العضوي بين المؤسسات الإدارية والدولة، وعن متطلبات السياسة وبرامجها، وما موجود على أرض الواقع، ولكن الواضح لا تجانس بين خصائص العمل الديموقراطي وكيفية توجيهه لخدمة الدولة، ومن جهة آخرى تعامل الطبقة السياسية،بغياب رؤية أن ديمومة المؤسسة هي حياة الفرد العامل سواء كان سياسياً أو إدارياً، وبذلك لا يتجاوز التخطيط أبعد مما يحيط بالنظر من مكاسب آنية وأن إستدامت فهي شخصية وحزبية.
"الإدارة مرآة الشعوب"، كما يصفها عدد كبير من الباحثين، ولكن الإستفادة من الدروس وإجراء الدراسات المعمقة، لدور النخب الوطنية في صنع القرارات التنموية، وبتطبيق الفكر الإستراتيجي بعمق، لأجل إحداث التغيير المطلوب، ومن سوء العمل السياسي، هو تقمص الديمقراطية دون معرفة كاملة بمفاهيمها، وإعتبار الحرية إنطلاقاً الى فضاء بلا حدود.

لدينا رأس مال بشري يُساء توزيعه او تحريكه بعدالة ليكون منتجاً شاعراً بالمساواة، ولدينا كم هائل من المدخرات الصناعية التي صدئت ..والزراعية، التي تصحرت وهاجر أهلها، ونحتاج الى التشخيص والتأهيل والإنطلاق، ولن يستطيع البلد إنجاح المهام الكُبرى، مالم تك إرادة قيادة الدولة، بالإعتماد على الجهد المدني الإستثنائي، الذي يحترم العلم والكفاءة والنزاهة، ويرسخ سلوك المكاسب الآجلة والدائمة للوطن، وليس الغنائم العاجلة العابرة، ولذلك ساد منهج إقتباس الأزمات، على إستثمار الإمكانيات، وفقدت بوصلة العمل السياسي والإداري، وتركز الحديث عن السلبيات وتركت الإيجابيات، وكأن السلبياتِ عمقٌ، والإيجابياتِ سطحٌ.. والعكس هو الصحيح.

يشهد الإقتصاد العالمي، حرباً صامتة ومعلنة، ونقاط الخلاف يصعب إخفاؤها، ويلعب التاريخ دوراً دامياً في هدم العلاقات الدولية، وترميمها يكاد يكون أحياناً أصعب من البناء على طبيعته، التي كانت بدايتها بسيطة وللتو تتحول من الأفراد الى المجموعات وطبيعة إحتياجات متبادلة يقايض بعضها ببعض، الى أن تشابكت وعبرت الحدود وغيرت نمط العلاقات الدولية، وصارت حاكمة وتتحكم بكل شاردة وواردة، بما فيها الحروب العلنية والسرية وما يتبعه من ازهاق آلاف أرواح البشر وإنفاق مليارات الدولارات.
الإنسان هو موضوع التنمية وغايتها، ولا يقف عند التنمية المادية فحسب، بل يتعداها الى الإستعداد لتلبية الحاجات الثقافية والروحية والفنية، وهذا ما يدعو لتشجيع الحالة الإقتصادية للدولة لتنعكس على الفرد.
مرت بالعراق ومن ثمانينات القرن الماضي تقلبات سياسية وحروب دموية وإقتصادية، أدت الى نزعة يطول وقوف الإقتصاد على حافة الإنتظار دون إنطلاق، وربما كان في أوقات يقف على هاوية الإنهيار، في غبرة الصراعات السياسية والعسكرية والإقتصادية.
معظم الحوادث إساءة متعمدة للشعب العراقي، من حروب وحصار زج الشعب في تحمل ويلاتها، جراء تنفيذ مصالح خارجية وفي أحيان أخرى كان التدخل الخارجي بشكل مباشر، ووصل الى الإرهاب وتحطيم البنى التحتية والإجتماعية، وترسيخ مفهوم أن العراقيين غير قادرين على إعادة بناء أنفسهم، وبعد الهجمة الإرهابية الأخيرة، والصراعات السياسية المحلية وتلبد المحيط الإقليمي بتكهنات قادم سيء، مع محاولات إبقائه تحت الحماية الدولية سيما الأمريكية منها، دون ملاحظة حقهم في البحث عن موقع الدولة في المستوى الكوني، والخروج من ذهنية العزلة، دون ضغط أو إبتزاز أو إنقياد لسياسة دولة بعينها.
ليس من الصعب على العراق إقامة علاقات دولية، على أساس المصالح المشتركة والإحترام المتبادل، وأدركت الحكومة أن دور الدولة لا يُقاس بالإنتاج النفطي، بقدر لعبها دوراً في المسرح العالمي، كدولة ذات قرار مستقل في جميع المجالات، وسيادته على أراضيه، وعليه التخلص من التبعية الدولية، ودور الدول في رسم السياسات، وكما معهود في تدخل الدول العظمى في سياسات وإقتصاد الدول النامية.
كانت معظم السياسات الخارجية خجولة، تحاشياً من الغضب الأمريكي، نتيجة حاجة العراق للدعم في مختلف المجالات، ومنها السياسي والإقتصادي والأمني والمال والتكنالوجيا، وآن الآوان لإعطاء مصالح العراق الإقتصادية أولوية، ويشكل الشرق عامل تقارب، نتيجة سعي هذه الدول للإستثمار في العراق، وحاجة العراق للبنى التحتية، والإستفادة من التجربة الصينية الناهضة، وجعلها نموذج للتطور والتحرر الكامل من الهيمنة القطبية، وتجاوز نتائج الإتفاقيات السلبية، التي فرضتها مراحل تحولات وحروب وتراجع سياسي وإقتصادي.
إن "حاجة العراق اليوم أكثر من أي وقت مضى، الى زخم علاقاته الآسيوية المؤثرة، والصينية بوجه خاص، بالإتجاه الذي يُعيد للعراق دوره الحيوي الفاعل والمؤثر، والى شعبه ألقه وحياته الكريمه" هذا ما قاله رئيس الوزراء العراق عادل عبدالمهدي في مؤتمر التصنيع العالمي 2019م بمدينة خيفي الصينية، ودعا الشركات الصينية والعالمية الى الإسهام بنهضة العراق وإعادة بناه التحتية.
الزيادة ستشمل توقيع عدد كبير من الإتفاقات بين الجانبين، وطبيعة الوفد العراقي يتصف بالملامح الإقتصادية، ويتضمن مشاريع كبرى في النقل والخدمات والتعليم والصحة والاسكان، من خلال شركات صينية كبرى وإكمال نموذج التمويل عبر صندوق الإعمار العراقي الصيني المشترك، وتندرج ضمن فلسفة حكومية في الإنفتاح على العالم، وأن العراق صديق للجميع، وعامل مؤثر ويشكل جسراً بين جميع المختلفين، ومن ضمن الزيارة أن المستهدف يشهد تقديرات أعمال بين العراق والصين، تصل الى 500 مليار دولار، خلال السنوات العشر القادمة، وبالنهضة العراقية المرتقبة، سيخرج العراق من العلاقات غير المتكافئة؛ الخاضعة للإبتزاز المالي والتبعية السياسية.

خبر جميل تناقلته معظم وسائل الإعلام العراقية، وفي نهاية السنة الدراسية 2019م، وفي بادرة هي الأولى من نوعها وربما في تاريخ العراق الحديث، تم تكريم الطلبة الأوائل في المرحلة الإعدادية من قبل الرئاسات الثلاث، ومثلما هي بادرة خير مفرحة ومسؤولة، هناك مسؤولية للنظر بتدني نسب النجاح في الصفوف المنتهية من المتوسطة والإعدادية.
قبل أيام تناقلت وسائل الإعلام تراجع معدلات النجاح، والتي تعزوها لأسباب إجتماعية وإقتصادية وأمنية، والجزء الأهم هو الذي يتعلق بالمدارس والتدريس والمناهج، وغزوات الدروس والمدارس الخصوصية، التي اثبتت أنها مجرد حيطان جميلة للترفيه، وإغراء للأهالي بالدرجات العالية، ثم تتضح الحقيقة بالنسب المتدنية في الصفوف المنتهية لتصل في بعضها الى نسبة0% ، ورغم هذا وذاك تفوّق طلبة مجتهدون بدرجات عالية أذهلت المتابعين مقارنة بالبيئة التي يعيشونها.
دعا هذا التفوق في وقتها، الى إلتفاتة الرئاسات الثلاث لتكريم الطلبة الأوائل، وعجت مواقع التواصل الإجتماعي بسعي مسؤولين لمبادرات تساعد المحتاجين منهم، وهذه الخطوات ستشجع طلبة آخرين للتنافس والتفوق وتقديم العطاء، في ظل الإهتمام الحكومي والشعبي، وتسليط الأضواء عليهم، ليكونوا عماد مستقبل الدولة، ويدعو الحكومة للإلتفات الى مستويات التدني في الدرجات ونسب النجاح، والتفاوت بين مدارس معينة وأخرى غيرها، والبحث عن سبب وجود درجات عالية جداً، مقابل نسب رسوب كبيرة.
إن التكريم لا ينتهي بالتكريم العيني والإحتفالي، ولا تلك الهبات التي تمنح للمتفوق كراتب او منزل، ومعظم المتفوقين حققوا هذه الدرجات وهم في منازل بسيطة أو لا تصلح للسكن أحياناً، ومنهم من لا يملك هو وذووه راتباً في حينها؛ بل تحتاج الى قراءة إستراتيجية للواقع، والتفوق لا يعرف الغنى او الفقر، مع وجود إصرار عند الطالب لتحدي الظروف القاهرة، والمهم ما نحتاجه تأهيل المدارس لتكون جاذبة للطالب، وردم التفاوت بين مدارس الأطراف ومراكز المدن، ومدارس الأغنياء والفقراء، ومعظم الدول تبحث عمن يخدم مستقبلها، ولا تفتش عن غناه وفقره، وبذلك لا تفرق في خدمته.
التكريم بذاته خطوة مشجعة، إلّا أن هناك شعباً أشبه بالمنسي، ويقاوم الحياة مكابدةً، لكنه قادر على العطاء، ولو أتيحت له الظروف المناسبة سيكون أكثر عطاءً، ومتى ما تقلد المتفوقون مفاصل مهمة بالدولة، فإن ذلك خطوة لخروج البلد من البؤس وهو بحاجة الى بناء مستقبل، يقوده متفوقون ويقضي على الترهل والفساد، الذي أخذ من الدولة لتولي من لا يستحق على من هو أحق.
بعد أيام سيبدأ العام الدراسي، ولا ندري هل تتبخر الوعود الكبيرة التي تلقاها المتفوقون من سياسيين ونخب مجتمعية، أم أنهم سينالون الإهتمام الحكومي والشعبي مثل تلك الأيام التي تسابق كثيرون على نشر صورهم ومعاناتهم وبيوتهم الفقيرة؟!
لو فكرنا بعقلية أكثر إستراتيجية، لقامت الدولة بإرسال المتفوقين الى الجامعات العالمية، وهكذا كل عام، لترفع نسبة التنافس، ونعد جيلاً قادراً على بناء مستقبل الدولة، وعلى أن لا يكون قبول المتفوقين في مجال الطب فقط، والعراق يحتاج الى خبرات وكفاءات في مختلف الإختصاصات، وسننتظر بداية العام الدراسي، ونرى ما هو مصير المتفوقين، وأين كلام المتملقين؟

لا شك أن دعوة العراق الى إيجاد حلول إستراتيجية لقضايا المنطقة، ستزعج كلا من أمركيا وإسرائيل، فلو تحققت لا تستطيع أمريكا عقد صفقات بمليارات الدولارات، ولا تجد مبرراً لتحريك بوارجها وتعزيز وجودها وقواعدها في المنطقة، واسرائيل لا تتمادى إن إجتمعت المنطقة على منطق العدو الوحيد، فلا تتمادى بالإعتداء على الفلسطينيين ولا تتمدد أكثر في أراضٍ إضافية ونفوذ في الدول المجاورة، ويتفق الطرفان على المصلحة في نزاعات المنطقة، وتمرير صفقة القرن.
حرب نفسية وصراعات في المنطقة الإقليمية، وتأجيج متعمد للأثنيات والقوميات والطوائف والإختلاف الفكري والعقائدي، رغم أن معظم الشعوب والحكام أيضاً على قناعة بأن الصراعات لن تنفع أحداً، وأن إختلف رأي بعض الحكام عن الشعوب، فالقناعة شيء والفعل شيء آخر إذا كان محكوم بإرادة خارجية، وكل الأطراف على قناعة أيضاً، أن كل ما يحدث في المنطقة هو لخدمة إسرائيل، التي لم تعد عدواً أو بالنسبة لبعض الحكام والشعوب أحياناً.
ما يلفت النظر ويؤكد القول، تلك المواقف العربية التي تؤيد الضربات الإسرائيلية للعراق ولبنان وسوريا،، ويعتبرون الرد على اسرائيل تعدياً على سيادة دولة!! بل الأدهى من ذلك تلك المواقف المحلية داخل هذه الدول وبالذات في العراق، نتيجة إختلاف التوجهات السياسية، وآليات إدارة الحكم، وكل يعتقد أنه الأحق بالتكلم نيابة عن الدولة!
أرادت إسرائيل القول أنها ضربت الحشد الشعبي، ونحن نكرر ما تقول، وتريد هي أن تقول ان العراق ضعيف ونصدق ما تقول، وردود أفعالنا متناقضة، والتفكير إنحسر بالرد العسكري، كأن يكون رداً مباشراً، أو إقتناء وسائل دفاعية لتفادي قادم الضربات، والحل الثاني دبلوماسي، ونحن على قناعة أن مجلس الأمن الدولي مرهون بالفيتو الأمريكي، وتمرد الكيان الإسرائيلي على كل القوانين الدولية السابقة واللاحقة.
يبدو أن التفكير بهذا الشكل لا يقبل الشك أنه ردة فعل، ولم تدرك خطورة الحرب النفسية التي إتبعتها أسرائيل وأمريكا في المنطقة، ولا طبيعة المجابهة الإعلامية؛ فعندما نصدق تغريدة إعلامي مثل "ايدي كوهين"، ونرد بمواقف رسمية، دون التأكد من مصداقية ما ينطق وأهداف ما يقول..
إن التركيز على أن إسرائيل قصفت مواقع الحشد الشعبي فحسب، هو تقزيم وتسطيح للقضية، لأن المُعتدى عليه هو العراق، والحشد قوة أمنية عراقية، وحتى في الأعراف لا تقبل الدول قصف قوات صديقة على أراضيها، ومن التسطيح الإعتقاد أن يتعرض الحشد للقصف لكونه يُعادي إسرائيل.
لابد أن تكون التصريحات موازية لموقف الحكومة، التي عليها إتباع الوسائل القانونية والمناسبة، وبذلك لا تنطلي علينا آثار الحرب النفسية والإعلامية، وكل عليه ترصين هذا الموقف، لأن قوة الموقف قوة للدولة، وبدون إطار الدولة تتصدع وتضعف كل الأطراف، ولا بد للتضامن خلف القائد، ومن تضامن القيادات السياسية خلف الحكومة، ستكون قناعة وتضامن شعبي في موقف وطني موحد.

يقتنع المواطن أحياناً، بحاجة الدولة فلا يتراجع عن رفد إقتصادها بالمساهمة المباشرة وغيرها، فيتحمل التقشف ورفع الضرائب، وزيادة ساعات العمل، بل وحتى أحياناً يقلل من مصروفاته المنزلية، وكأنها فرد من عائلة يتحمل جزء من مسؤولياتها، وما ينفعها اليوم ولو على حسابه، سيعود عليه مستقبلاً بالفائدة.
مشاركة المواطن جزء من شعور عالٍ بالمسؤولية، ويتحمل تبعاتها كي لا تقع الدولة في مطبات، ولا يَستبعد أن يكون من المتضررين.
ما يشكو منه العراق ومنذ عقود، تحمل جزءه الأكبر ذلك المواطن، فإنعكس عليه سلباً تراجع القطاع الزراعي والصناعي والخدمي والسكني والسياسي، وجزء مهم من تراجع هذه القطاعات؛ لسياسات معتمدة أو غير مدروسة، ومنها ما أشغل العراق بحروب عسكرية أو إقتصادية، مفروضة ومزاجية، فأغرق السوق بالمستورد، وتعمدت العشوائية على حساب التخطيط الإستراتيجي في حل مشكلات الصناعة والزراعة والسكن والبطالة والفقر.
أدت ظاهرة توقف القطاعات الحيوية، والتي ترفد إقتصاد الشعب أفرادا ومجاميع، الى البحث عن مصادر تمويل ومنها القروض من المصارف الحكومية والمساهمة، لكن الفساد وعدم المتابعة، وضعت بعض القروض في غير محلها، ويأخذ المزارعون والصناعيون قروض، ولكنهم يستخدموها للإستيراد من الخارج، في ظل منافسة المستورد رغم رداءة معظمه، وعدم التقيد بحاجة المنتج والمستهلك والتهريب العلني من بعض المنافذ الدولية، ما جعل تكلفة المنتوج والمزروع أكثر تكلفة من المستورد، وإستجابة لرد الأرباح الهائلة التي تفرضها المصارف على القروض.
تتراوح القروض التي تعطيها المصارف، حسب الشريحة ونوع المشروع، ومن 2-200 مليون، وبأرباح حسب ضوابط المصارف، تختلف من 2%-8%، أما الموظفين فسميت 100 راتب من 25-50 مليون تحت مسمى 100 راتب، ولكن الكارثة التي يكتشفها المستقرض، بأن نسبة الفوائد تتجدد سنوياً وما ستقطع شهرياً ليس من أصل المبلغ فحسب، إنما أرباح، وكل عام تضاف أرباح جديدة، والشروط لا تتناسب مع القرض، وقرض مئة راتب لا يكفي لشراء منزل أو قطعة أرض حتى!!
ماذا لو تبرعت الدولة للمواطن بحقه؟ فالسكن واحد من أبسط الحقوق، وأحد ثوابت الإنتماء للوطن، ولا يمكن أن تعتبر نفسك مواطناً دون أن تملك مسكناً في الدولة، بل أن بعض الدول الآن تحاول إغراء غير مواطنيها، بمنحهم الجنسية، في حال تملكهم منزل، مع توفير تسهيلات السكن والقروض اليسيرة، وبما أن الدستور فرض أن يكون النفط والغاز ملك الشعب، فالأرض أيضاً ملك للشعب، والمفترض أن يكون لكل مواطن حصة للسكن على أقل تقدير، وتعطى قطعة أرض لكل مواطن لا يملك سكن.
أن من واجب الدولة إعانة المواطن في توفير السكن، وبما أنها شرعت في توزيع الأراضي السكنية على المواطنين، وكوجبة أولى في البصرة، فعليها أيضاً تهيئة المستلزمات الكفلية بالسكن الكريم، وتتكفل فوائد القروض المجحفة، التي تفرضها بعض المصارف الحكومية، وتصل الى 50% عند نهاية التسديد، وفي بعض الأحيان لا يملك مواطني شبكة الحماية الإجتماعية حتى التسديد، وهنا نرى أن من واجب الدولة توفير سكن واطيء الكلفة أحياناً، لأن كل مافي الدولة شريك فيه المواطن، والسكن جزء من حقوقه، فلماذا لا تتبرع الدولة للمواطن بحقه؟!