مشروع تجاري
واثق الجابري

واثق الجابري

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تعطي القوة المضادة للحركة، دافعاً لقوتها بإتجاه غايتها، إلّا أن تقاطع قوتين، سيفقد من قوة الأولى بقدر ما يفقد الثانية، ويثبت أنهما في طريق خطأ، إذ لا يمكن أن يتقاطعا وهما يسيران الى هدف واحد، وأن بنيت تصورات أحدهما على حدث راهن، وأسقط تصوراته على الأحداث المتناثرة المتجزئة، فلا تصح تصوراته، ويكون معوِّقاً لعمل الآخر.

 وفي إختلافنا في طبيعة قراءة المشهد، تقاطع في الحاضر ونسف للماضي ومجهولية المستقبل، وأنشاء شتى مدارس النزاعات، وصُور لكل عملية وإن كانت بسيطة، بألفاظ مبسترة وأُطر أكبر من حجمها، والخلاف البسيط سمي صراعاً، والمشكلة سُمِّيَتْ أزمة، حتى إنعكس على الواقع وتراكمت مشكلات وغابت الحلول، وعدنا ندخل في أزمة ونخرج منها بأزمة أكبر، حتى أصبحت عُقَداً لا يمكن حل تشابك بداياتها ونهاياتها.

 تطورت الأزمات في غياب الحلول، أوضح أن كل طرف قاصر أو مقصِّر أو مُقصَّر بحقه، ويعتقد بغياب الحلول الاطراف كلها، ولذا تظاهر شعب ناقم على طبقة سياسية وفاقد الثقة في مجملها، إلا أن رؤية الحلول عن المشهد، وكل طرف يعتقد وجوده بنفي الآخر، فبعض الأحزاب تنفي أحزاباً أخرى وتعتقد أن التظاهر أزمة تنتهي بمرور الوقت، وبعض المتظاهرين يعتقدون الحلول بنفي كل الأحزاب، ولكن كل هذه الأطراف تعتقد أن القانون الإنتخابي العادل هو حل، بمفوضية مستقلة وإنتخابات مبكرة، وهناك من يريد يريد خوضها، ويراهن على بقاء الفوضى، حفاظاً على ما كسب من موقفه.

 برزت مشاهد بعد التصعيد الإحتجاجي، معظمها مؤلم وفيها دماء كريمة عزيزة، وبعد التصعيد والشد والجذب، توصلت الأطراف وبعد جلسات من ممثلي التظاهر وممثل السيد الصدر، الى بداية إنفراجة، وخطوة أولى لتطبيق وصايا المرجعية، التي تؤكد مراراً وتكرراً على نبذ العنف، والتظاهر السلمي، وإعادة هيبة الدولة، ومن أهم ما تم الإتفاق عليه، أن تكون القوات الأمنية هي من تحمي المتظاهرين، وسارت الأمور بسلاسة، رغم سماع بعض الأصوات في ساحات التظاهر، التي تشير على أنها ليست طرفاً في هذا الإتفاق، ولكن كما يبدو أنها لا تؤثر على السياق العام، لما تتجه له المرحلة القادمة، بعد دخول مجاميع من المتظاهرين في التفاوض مع الحكومة القادمة.

 إن بعض الأصوات ما تزال مصرة على رفض تكليف محمد توفيق علاوي، ويبدو أنها، أما تدرك وتتقصد الرفض أو لا تدرك أن فشل هذا التكليف، سيجبر رئيس الجمهورية على إختيار شخص آخر، ولكن في فترة 15 يوم، وهذا من الصعب جداً بعد أن تعثر التكليف شهرين متتالين، وفي حال فشل علاوي في إكمال مشروع التكليف أو نيل ثقة الحكومة، ستكون الأيام أصعب من تلك التي كانت بعد إستقالة حكومة عبدالمهدي.

 هنالك فرق بين الدولة والحكومة، بين السلطة والبلد، وهذا ما لم يتم التفرقة فيه لدى معظم الأطراف، لذا وضع مصير الدولة مع مصير الحكومةالحكومات والأشخاص يتبدلون وتبقى الدول قائمة، حتى وأن تمزقت بصراعات داخلية، وتدخلات خارجية، وبقاء الفوضى والتصعيد، يناقض ما خرج عليه المتظاهرون، فهم أحتجوا على طبقة سياسية، وهذا لا يمكن تحقيقه وتغيير من أساء منهم إلا بالإنتخابات، ولكن ذلك مشروط بعودة التهدئة والقراءة المنطقية والواقعية والعقلانية، ولا يمكن ضمان نتائج الإنتخابات على أنها ستغير المشهد في حال الإنفلات الأمني، وهذا ربما يتيح للأحزاب ممارسة نفوذها وعدم سماحها للقوى المنافسة بالفوز، وشرط آخر أن تنظم التظاهرات نفسها وتحدد قادتها ونخبها، وتحث الجماهير على المشاركة، وفق برامج وخطط تراها مناسبة، وتستطيع أن تقنع الشارع بالمشاركة، وأهمية صوت الناخب، وتقول لهم أن التصعيد غير السلمي سيفقد الإحتجاجات مشروعيتها وتأييد الجماهير.

ثمة محفزات تدفع لبلورة خطوات لتحقيق الإصلاح، أن لم يتم إستثمارها في الوقت المناسب ستصبح وبالاً في لاحق الأيام، وبين الشعب والطبقة السياسية، هوة أن لم يتم ردمها ستتحول الى هاوية ربما يتساقط فيها من الطرفين، وتأتي خطوة تكليف رئيس مجلس الوزراء، أولى الخطوات في طريق طويل معقد ينتهي بإجراء إنتخابات مبكرة، إلا أنها مشروطة النجاح بالمشاركة الشعبية الواعية والفاعلة، ولكن جابهها بعضهم بالقبول وآخرون بالرفض والدعوة للتصعيد وقطع الطرقات.

 هي نفس الجهات التي كانت ترفض عادل عبدالمهدي ومن قبله ومن سيأتي بعده، بدأت برفض تكليف محمد توفيق علاوي، ودعت للتصعيد وتبرير قطع الطرق وتعطيل المؤسساتعملية الرفض أظهرتها قنوات تلفازية وتناقلتها مواقع تواصل إجتماعي، بتظاهرات رافضة لتكليف علاوي، فيما نشرت مواقع آخرى صوراً سابقة وحالية لقبول تكليفه، ورغم قبول ممثلة الأمم المتحدة بلاسخارت وترحيب السفارة الأمريكية، فيما إلتزمت قنوات آخرى جانب الصمت ليلة التكليف لحين إنجلاء الغبرة وتبيان مواقفها، وستقرر التصعيد والرفض أو القبول، حسب ما ستراه مناسباً لسياستها، وفي معظم الإنعكاسات تعبير عما تحصل عليه من مكتسبات من الحكومة القادمة.

 الأفكار دائماً متباينة ومتقاطعة في أغلب الأحيان، وناجمة عن تسطيح القراءة للأحداث، وتتغيّر وفق مجريات الأرض، وهنا مواقف التأييد للتكليف تنقسم الى موقفين منها من يريد حلولاً بأقل الخسائر، أو تأييد لإبعاد شبهات التورط في تحريك التصعيد وفرض الفوضى، أما الرافضة فهي أما رافضة لكل شيء أو من جهات تعتاش على خلق الجدل لتنتج الفوضى، وتندرج هنا نخب وقنوات إعلامية، ومن يعتقدون ديمومة وجودهم بالجدل المخالف.

 الأخطر في هذا الجدل طرفان أحدهما يؤيد علناً ويدعم التصعيد سراً، ويحفز على التخريب الذي طال المؤسسات، ولا يُبالي في دماء شباب تراق كل يوم، وهو من يصور أن القوات الأمنية تعادي المتظاهرين وبالعكس، وطرف رفض التكليف بذرائع الآليات وإستمر أيضا بدعوات التصعيد، أما الأخطر فأولئك الذين يدعون الحيادية والمهنية، بينما هم يركزون على جوانب التصعيد ويدعون له، ولا يريدون التهدئة أو يبحثون عن سبل لها، ويصنعون رأياً ينقاد خلف نخبة لا تنتقي ما تقول أو تقصد ما تفعل.

 قسم التظاهر في العراق بقصد؛ الى تظاهر سلمي وغير سلمي، بينما لا يوجد في الديموقراطية غير السلمية في نيل الأهداف، والسماح للمواطن بالتصويت والترشيح وحرية الرأي، وهنا إنقسم المتظاهرون الى ثلاثة؛ أما سلمي ومنهم نخب ومواطن شعر بالغبن وسوء إستخدام السلطة، أو من مثل أجندات حزبية منها من يبحث عن حلول وآخر يراهن على الفوضى، والأخطر من يطبق الأجندات الخارجية، ولا يقبل حلاً دون فرض شخصيات بإملاءات خارجية.

 إن التصعيد المتعمد وبالذات الذي تعمد تعطيل المؤسسات، لا يمكن أن يندرج ضمن السلمية، ومرفوض من قبل المتظاهرين وهو الأكثر تأثيراً على الحراك الشعبي، وواحد من سراق مطالب الشعب، وبذلك لا يقف عند حد برفع سقوف مطالب تبدو في معظمها غير منطقية، ولكن الحل أن تحافظ التظاهرات على سلميتها، وتحدد لحكومة علاوي سلم أولويات يبدأ بمعالجة الإنفلات الأمني، وينتهي بإجراء إنتخابات مبكرة بالإمكانات المتوفرة، مع الإعداد لتنظيم صفوف النخب بشكل وطني، للمشاركة الفاعلة، وتغير أدوات اللعبة السياسية بأدوات سلمية.

واحدة من أهم المقولات بعد إغتيال الجنرال قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس، تلك التي قالها مرشح الإنتخابات الأمريكية جو بايدن: "ترامب وضع إصبع الديناميت في برميل البارود".

 لا أريد تصديق أو تكذيب ما قاله بايدن، ولكن بالمراجعة للخطابات الأمريكية منذ مشروعه لتقسيم العراق، مروراً بالإنتقادات اللاذعة المتبادلة بين الجمهوريين والديمقراطيين، وما إنفك ترامب منتقداً في كل مناسبة لسياسة سابقه باراك أوباما.

 هذه التساؤلات مشروعة، عندما تحدِّث أمريكا بقية الشعوب عن الديموقراطية، وتدخلاتها بذريعة الإنسانية وحفظ أمن المجتمع الدولي، وكأنهم يقولون لنا أنها دولة مؤسسات، وما الرؤوساء سوى موظفين يعملون بما تملي عليهم المؤسسة، لكن هذه الإنتقادات الحادة غير مفهومة، عندما ينتقد ترامب أوباما ويتهمه بأنه إرتكب جرماً، عندما وقع إتفاقية مع ايران، لذلك مزق إتفاقية دولية بذلت فيها دول عدة جهوداً مضنية في سنوات، بينما يرى بايدن أن ترامب إرتكب جرماً، بإستهداف العراق والنتائج ستكون وخيمة ربما تصل بأمريكا لفقدان نفوذها في المنطقة.

رغم إختلاف الطرفين، لكنهما يتفقان بمعاداة ايران وتعزيز النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، وفي حادثة سليماني، برر ترامب جريمته بأن المغدور كان يخطط لتفجير السفارة الأمريكية، ثم زادها في تصريح آخر أربع سفارات، ودون أن يُعطي دليلاً ملموساً، وكذلك جون كيري عندما تنافس مع أوباما، كان ينتقد التواجد الأمريكي في العراق ووعد بسحب القوات حال فوزه، ولكن بعد خسارة الإنتخابات زار القوات الأمريكية في العراق، وعندما أصبح وزير خارجية كان من أكثر المدافعين عن التواجد الأمريكي في العراق.

 من يُصدق أن أمريكا دولة مؤسسات؟ ومن قال أنها جاءت للمنطقة لنشر الديمقراطية وهي تدعم حكومات زبائنية، والحقائق تشير الى أن كل خطاباتها وتناقضاتها إعلامية محضة، بقصد مخاطبة الناخب الأمريكي بين مؤيد ومعارض..وبمجرد انتهاء الفترة الإنتخابية، وبعد فض الإشتباك تتجه كل الأطراف السياسية، بالإشارة لعدو مفترض، وعليها تبني المواقف وتعزيز الذرائع، بدعوى الأمن القومي الأمريكي.

 عند العودة لخطاب ترامب قبيل الإنتخابات الرئاسية العام 2012م، تجده يحذر اوباما من توريط أمريكا في حرب مع ايران، وكشعار لكسب الأصوات، وفاز اوباما دون حرب، ليأتي ترامب لإنتقاد أوباما فيعتبر دبلوماسيته شجعت ايران وأعطتها القوة، بينما يرى بايدن إغتيال سليماني حادثاً عدوانياً غير مدروس يدفع بأمريكا للحرب، بعد قرار ترامب من منتجع فلوريدا، وإستشارة الجنرال مارك ميلي، الذي يعتبر سليماني عدواً شخصياً، في قرار ترامب دون العودة للكونغرس.

 تراجعت حدة تصريحات ترامب، في أول ظهور له بعد الضربة الإيرانية لقاعدة عين الأسد، لسببين إما أن يكون الرد أقل من المتوقع، وهذا ما يدل على معرفته بقدرة إيران في مجاراة أمريكا وتتوقع الكثير، أو أن الضربة صادمة، وحرك مخاوف التورط في الحرب ومزيد من الخسائر، وفقدان الهيمنة الأمريكية والإنتخابات، وعليهم أن يدفعوا الخطر القريب من الأبواب.

 أمريكا ليست دولة مؤسسات، ولماذا لا تحاسب اوباما إن كان قد أخطأ التقديرات بالدبلوماسية مع إيران، أو لماذا لا تحاسب ترامب عندما إرتكب جرماً فضيعاً ونتيجته نهاية الوجود الأمريكي في المنطقة، إنها ليست دولة مؤسسات، بل هدفها السيطرة على مصادر الطاقة في العالم، وزيادة أرباح معامل السلاح، ولا حليف لها سوى من يقبل بإبتزازها وهيمنتها، ويفسح لها المجال للهيمنة على أرضه وسيادته، ولا يهم أن تجوع أو تقتل بقية الشعوب، من أجل أن يُقال أن أمريكا دولة مؤسسات!!

 بل أمريكا دولة عصابات..ليس إلّا..

 لعلنا نقف على أعتاب مرحلة تحول كبيرة، في طبيعة التعاطي مع الديموقراطية، وتحديد علاقة الحاكم بالمحكوم، وبنفس السياق إعتقاد وممارسات، تظن أن جميل المفاهيم يمكن أن يعطي نفس النتائج في كل زمان ومكان، حتى أن بعضنا إعتقد إن المجتمعات يمكنها الإنسلاخ عن تاريخها وعقائدها، ولكن عندما تصل الى المحك تظهر كل الأشياء معادنها.

 النتائج التي كنا نتوقعها، وحسب ما أشارت المادة الخامسة من الدستور العراقي، بأن الشعب مصدر السلطات، ولكن هذه المصدرية مستمدة أيضاً من الدستور نفسه، وبدونه لابد للتفكير بطريقة أخرى، تستمد شرعيتها من تصويت الشعب من أقصاه الى أدناه، لإيجاد آلية للتداول السلمي للسلطة، ومتى يستخدم الشعب سلطته وأين تقف حدوده.

هناك فرق كبير في طبيعة التعاطي مع الحكم، وفرق كبير بين الدكتاتورية والديموقراطية في أدوات الحكم ومصدر السلطات، وفي الأول مصدرها أقلية تحكم أغلبية وتستخدم ما متاح من قوة بما فيها القمع لفرض وجودها بتلك القوة، والثانية فهي حكم الأغلبية وإختيار من يمثلهم، ولا يتوقف دور الشعب بالإنتخابات، ويمكن هنا ما لا يمكن في الأولى من حق التظاهر والإحتجاج، وتغيير الأدوات الحاكمة بالوسائل السلمية.

جدليتنا في العراق على من سيشكل الحكومة، ودارت التفاسير حول مفهوم الكتلة الكبرى، وفي كل مرة تشارك جميع القوى بتشكيل الحكومة، ولا توجد كتلة أصغر منها، ومن يشترك هو من يعارض، بقناعة أن ليس كل ما يحدث بقناعتها التامة، وهكذا إنقسمت قناعات الشعب، فيما لم يفكر بالذهاب للمعارضة، سوى كتلة وقليل من النواب، وتدعي كتلة سائرون ان لديها 54 من بين 329 مقعداً وأنها الكبرى أو الأكثر عددا، بينما الواقع، لم تكن القائمة العراقية في 2010م بـ 98 مقعداً ولا دولة القانون في 2014 بـ 101 مقعد، نعم كل منهم كان الأكثر بين أقرانه، ولكن لا أحد يشكل الأغلبية التي تستطيع تشكيل حكومة دون تحالفات.

 إن الواقع العراقي اليوم، وإستقالة الحكومة تحت التأثير الإحتجاجي؛ أشبه بإقالتها من أغلبية من يمثل سلطة الشعب، وبهذا ينتهي مفهوم الكتلة الكبرى الذي تشكلت على أساسه الحكومة، ويبدأ الشروع بكتلة أغلبية تستطيع تمرير الحكومة القادمة، ومن لا يدخل هذا التحالف عليه الذهاب الى المعارضة في الخارطة الجديدة، وتعد الحكومة هي من يمثل أغلبية الشعب، مع الأخذ بوجهة نظر الشارع المحتج، وفتح جسور تواصل، لإيجاد حلول مشتركة لحين تشكيل حكومة قادمة.

 يبقى الأهم كيفية المواءمة، بين شعب رافض لكثير من الممارسات السياسية، وإدارة الدولة بهذا الشكل، الذي لم يعط فرص عادلة للتمثيل الشعبي، وبين الواقع الذي يفرض إختيار رئيس الوزراء من البرلمان.

 واقعاً أن معظم الإحتجاجات، سواء من خرج الى ساحات التظاهر، أو ممن إعترض ضمناً، ولكنهم مع التداول السلمي للسلطة وضمن سياقات الدستور والقوانين النافذة، وهنا القوى السياسية تختار رئيس وزراء، تعتقد أنه يلبي مطالب الجماهير، وهذا ما يتطلب وجود قيادات للتظاهر، كي تتفاهم مع القوى السياسية، لإيجاد برنامج حكومي ضمن سقوف زمنية محددة، والتركيز على البرامج أكثر من الأشخاص، وبما ان جميع القوى السياسية والشعبية متفقة، على أن الحكومة القادمة أشبه بالإنتقالية، وتعد لإنتخابات مبكرة، فأن التشدد الكبير في مواصفات رئيس وزراء لن يصل بنا الى نتيجة.

لا يمكن وصف زيارة رئيس الوزراء العراقي للملكة السعودية، بأنها إعتيادية، في ظل تصاعد الأزمات وإحتدامها في المنطقة، ومالها من إنعكاسات دولية، وربما تكون أشبه بتلك الزيارة الخاطفة التي أجراها الى طهران، بعد أزمة الناقلات البريطانية والإيرانية، ولكن هذه الزيارة أشمل وأوسع، رغم أن الأولى لا تخلو من أرتباط أحداثها بما يدور في المنطقة.
بات من الواضح أن أسرار اللعبة في الشرق الأوسط والخليج، واضحة وسرها لا يختلف كثيراً عن علنها، وما عاد لأطرافها التذرع بمجهولية الجاني وهي تهتمه جهاراُ نهاراً، أو صنعت لنفسها عدو كي تلقي عليه كل أسباب مشاركتها في هذه الأحداث بصورة مباشرة وغيرها، ولكن ليست كل الأطراف تعرف من المستفيد أو تغض الطرف خوفاً من إنهيار تحالفات تعقدها، ضامنة لسياساتها، ولا تريد أن تضع نفسها في عداد الخاسرين، الى درجة التورط والعزة بالإثم.
الأفكار التي تقود المنطقة للتهاوي؛ عميقة كعمق الخليج وإستراتيجيته، ولكنها كانهر الجاري ببطيء، لا يرى أحد جريانه ولا يسمع له صوت، كما هي الأحداث التي كالأمواج المتغيرة، التي تظهر أكثر وضوحاً ولها أتجاهات، منها تعرف من أين القوة التي تدفعها وتخبرنا عن الجريان.
ليس أمام المنطقة خيارات كثيرة متاحة، وقد أستنفذت معظم قواها ما تملك من أعلام وإستعراض عضلات، وأن قبلت النتائج فخياراتها من مر الى أمَرْ، سيما بعد الضربات الإسرائيلية للعراق وسوريا ولبنان، والضربات التي تعرضت لها شركة أرامكو السعودية، وأن لم يُفصح عن الجهات الجانية، ولكن هناك دلائل تؤشر عليها.
في ظل كل هذه التطورات كانت للرئيس العراقي برهم صالح كلمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأوضح حجم المشكلات وضرورة نوعية الحلول، التي تتمحور على الحوار المباشر، وللعراق تجربة سابقة بجمع رؤوساء برلمانات الدول المجاورة له، ونجح بهذه المهمة وأتت الدول المختلفة وجلست على طاولة واحدة، وليس من المستحيل أن تكون قمة على مستوى الرؤوساء في بغداد، التي تسعى للوساطة وموثوقة من جميع الأطراف، ولا تختلف أو تتقاطع أو تتمحور لطرف.
لم تعد الخلافات والإتفاقيات دولية فحسب، بل معظمها يتعلق بملفات، وليس بعيداً عن كل ملفات العراق وسوريا وتركيا واليمن والسعودية وايران والخلاف الخليجي، وكل هذه الدول تختلف وتتفق في ملف بينما العكس في ملف آخر، ولكنها معنية بها جمعاء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وفيها لم تعد فقط الأصابع تشير للإتهام، وإنما الجزم وشدة الإحتدام،ووضع اليد على الجُرح.
يرى العراق أن له القدرة على جمع الأطراف في بغداد، وبمشاركة الأمم المتحدة، وليس مستحيلاً أن يجتمع الكبار على طاولة حوار، وفي الملف السعودي الإيراني اليمني كل الأطراف خاسرة، بل واقفة على هاوية الإنهيار، ولا أحد يتكهن أو يراهن على إنهيار الآخر قبله، فاليمن يخسر عشرات الضحايا يوميا، وإقتصاد أيران يتراجع مع شد الحصار الإقتصادي، وشركة أرامكو السعودية أوقفت نصف إنتاجها، وطلبت ما يتجاوز مليار دولار، وما قادم على هذه الدول سيكون أعنف وستنفذ الذرائع، وكل شيء واضح، وربما يُجبر طرف على الرد المباشر وتكون الكارثة.
إن الشرق الأوسط قلب العالم والعراق قلبه، ويسعى لإقامة مؤتمر يضم كل الأطراف، يضم بجانب دول الخليج ايران واليمن وسوريا وتركيا والاردن والامم المتحدة، ليضع حد فاصل لحرب اليمن وتسوية الخلاف الخليجي الايراني والخليجي الخليجي، والازمة السورية، وتناول مسألة أمن الملاحة في الخليج وبحماية الأمم المتحدة، دون تدخل أطراف أجنبية، ويأتي هذا التحرك بإتفاق الرئاسات العراقية الثلاث، وسبقه لقاءات مع سفراء الدول المعنية، وتشاور مع الأمم المتحدة، وأمريكا وبريطانيا وروسيا وفرنسا، والتي أبدت رغبة في أخراج المنطقة من الأزمة وتفادي التصعيد.
بعد زيارة عبدالمهدي الى السعودي، أشار بعد لقاءه العاهل السعودي وولي عهده، أن كل الأطراف لا ترغب بالحرب، وبما أنها كذلك، فلابد لها أن تضع حد لإستنزاف المنطقة وتوترها، وقد يأتي الوقت الذي يجف البترول أو يستنزف، وكما يصرح الحلفاء أن لا أحد يقدم خدمة مجانية، وأن الدول العظمى ليست مؤسسات خيرية، وبهذا يكون العراق خير وسيط وأوثق صديق لكل الدول المختلفة، وأن القراءة تقول أما أن ترغبون الحرب، فأن الساحة مفتوحة والنتائج معروفة، ومن تتهمون علنياً أمامكم، أو تعودوا الى بغداد، لأن الخلافات في الشرق الأوسط ليست أعقد من الحروب العالمية، التي حلها الحوار المباشر، وقناعة كل دولة بمساحتها وحجمها، وجار صديق خير من ألف جار عدو، ولا تدقوا طبول الحرب، لأن المفتاح في بغداد.

بعد غياب غير مبرر، يتصدر المشهد بين الحين والآخر، بعض الأطاريح السياسية، التي لا تختلف أهدافها عن خلط الأوراق، وفقدان بوصلة العمل السياسي والبرلماني بالتحديد، وقلة نادرة أبرزت التجربة، وما فيها من سلبيات وإيجابيات، ودعت لإستخلاص الدروس والعبر وتلافي إقتباس الأزمات والتهويل، لما هو قادم محفوف بمخاطر التهويل نفسه، أو الإيهام بهول ما هو قادم.
تناولت معظم الأطروحات السياسية، تلك العناوين المثيرة، التي لم تستند الى وثائق، والوثائق العلمية التي تعطي الصدقية العلمية المطلوبة، وغلب الإنطباع على المشاهدة العيانية السطحية، على التحليل العلمي الموثوق، كما هيمن الخبر الصحافي ومنشورات التواصل الإجتماعي، على البحث الرصين.
لم تتقدم العناوين ذات الدلالة، على التركيز في النقاط السلبية، ولم ينقلنا اسفاف الحديث من الشروق الى السطوح، بل صور حاضرنا ومستقبلها في عتمة، وهرب معظم متناولي السياسة من الأدوار الماهرة الى الأحاديث الظاهرة، وهنا غاب التطلع للمستقبل وغاب التطلع للمستقبل، وأنتهى دور الاستفادة من الدروس، وأسرار نجاح نقاط وفشل آخرى، ومحاولات غرس الروح الوطنية، التي تحمس جيلاً واعياً للإنتماء والتضحية للوطن.
تساؤل منهجي لابد من الإجابة عليه؛ هل نجحنا في إرساء الديموقراطية، وهل إستفدنا من تجارب الدول الآخرى؟! وبتحليل معمق للإدارة وأهدافها الإستراتيجية، لابد للبحث عن عمق الإرتباط العضوي بين المؤسسات الإدارية والدولة، وعن متطلبات السياسة وبرامجها، وما موجود على أرض الواقع، ولكن الواضح لا تجانس بين خصائص العمل الديموقراطي وكيفية توجيهه لخدمة الدولة، ومن جهة آخرى تعامل الطبقة السياسية،بغياب رؤية أن ديمومة المؤسسة هي حياة الفرد العامل سواء كان سياسياً أو إدارياً، وبذلك لا يتجاوز التخطيط أبعد مما يحيط بالنظر من مكاسب آنية وأن إستدامت فهي شخصية وحزبية.
"الإدارة مرآة الشعوب"، كما يصفها عدد كبير من الباحثين، ولكن الإستفادة من الدروس وإجراء الدراسات المعمقة، لدور النخب الوطنية في صنع القرارات التنموية، وبتطبيق الفكر الإستراتيجي بعمق، لأجل إحداث التغيير المطلوب، ومن سوء العمل السياسي، هو تقمص الديمقراطية دون معرفة كاملة بمفاهيمها، وإعتبار الحرية إنطلاقاً الى فضاء بلا حدود.

لدينا رأس مال بشري يُساء توزيعه او تحريكه بعدالة ليكون منتجاً شاعراً بالمساواة، ولدينا كم هائل من المدخرات الصناعية التي صدئت ..والزراعية، التي تصحرت وهاجر أهلها، ونحتاج الى التشخيص والتأهيل والإنطلاق، ولن يستطيع البلد إنجاح المهام الكُبرى، مالم تك إرادة قيادة الدولة، بالإعتماد على الجهد المدني الإستثنائي، الذي يحترم العلم والكفاءة والنزاهة، ويرسخ سلوك المكاسب الآجلة والدائمة للوطن، وليس الغنائم العاجلة العابرة، ولذلك ساد منهج إقتباس الأزمات، على إستثمار الإمكانيات، وفقدت بوصلة العمل السياسي والإداري، وتركز الحديث عن السلبيات وتركت الإيجابيات، وكأن السلبياتِ عمقٌ، والإيجابياتِ سطحٌ.. والعكس هو الصحيح.