مشروع تجاري
واثق الجابري

واثق الجابري

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

يعبر مشهد صعوبة إختيار رئيس مجلس وزراء، لحكومة مؤقته أو إنتقالية، وكم المتقدمين والمتنافسين ومن يطمحون والمرفوضين، يعبر عن الهوة بين الطبقة السياسية في ما بينها من جانب، ومع جماهيرها من جانب آخر، وإنقسام الجماهير على نفسها، كأنقسام أكثر خطورة من إنقسام القوى السياسية، في حين أنه رئيس مجلس وزراء أيْ وزير أول وتحت رقابة البرلمان، والجماهير يحق لها التظاهر من مصدريتها للسلطات، فكيف اذا كانت السلطات مقسمة بين القوى السياسية دون نقاش؟!
في طبيعة الديموقراطية، تنقسم القوى وتجتمع، كمسألة طبيعية نتاج نظرية إختلاف الرأي الذي لا يفسد وداً في القضية، ولكن الإنقسام غير صحي إذا كان الإختلاف على أصل القضية، ولكن للجماهير أهداف واحدة وإن إختلفت الآراء بعدم إنسجامها مع الأطاريح والأفعال السياسية، فهي ثابتة على أصل القضية، إلاّ إذا كانت لها غايات سياسية لا تختلف عن تلك السياسية التي تعترض عليها.
ما يزال العراق يشهد جدلاً سياسياً على آلية إختيار رئيس مجلس وزراء، مناطة به مهام محددة للإعداد لإنتخابات مبكرة، تحسم الجدل حول من يكون له الأحقية بالتمثيل الشعبي، ولكن الإختلاف مرة يعبر عن مصلحة وطنية، وآخرى عن شخصية وحزبية ومناطقية وطائفية، ما جعل الأطراف تضع شروطاً تعجيزية لبعضها، وكأن الثقة تعود بشروط تعتقد أطرافها، أن لا ثقة بالآخر وأن أقسم بأغلظ الأيمان.
إقتصر الشارع السياسي المتظاهر، على مناطق شيعية بذاتها، وكأن التقصير فقط لدى من يمثلها برلمانياً وتنفيذياً، والواقع يشير الى قرار سياسي وتقصير لا يُحمل على طرف دون آخر، في حكومات بنيت على التوافقية، وفشل تكليف علاوي خير دليل على أن الحكومات لا تمرر دون موافقة السياسيين السنة والكورد، وهكذا بقية القرارات، سوى قانون إخراج القوات الأجنبية، الذي ما يزال يُشكَل عليه من أطراف رافضة له، رغم مشروعية تصويت الأغلبية، ويعتبره المعترضون تعارضاً مع المصلحة الوطنية وجاء بدوافع عاطفية.
كل التظاهرات في المناطق الشيعية، حتى في العاصمة بغداد لم تُشارك فيها مكونات آخرى، وهذا ما يؤشر الى إنقسام مجتمعي كمنعكس للأراء السياسية والتأثيرات الإعلامية، رغم أن بقية المكونات تسجل ملاحظات على طبقتها السياسية، وحال المناطق السنية هو الأسوأ، في ظل نازحين فقدوا منازلهم وأموالهم وشبابهم، نتيجة تضليل سياسي لم يعترف بشكل كامل بأصل العملية السياسية رغم وجودهم فيها، وكورد يشعرون أن الأفعال السياسية هنالك، ناجمة عن صراعات حزبية على تولي القيادة، وهذا ايضا في المناطق السنية والشيعية، لذا إعتقد السياسيون أن السلطة و الفساد يؤدي أحدهما الى الآخر.
إن الخطورة تكمن بالإعتقادات التي تجذرت في المجتمع، وإعتقدت أن المصالح الطائفية والمناطقية هي المنطلق للمصلحة الوطنية، ولكن العكس ان المصلحة الوطنية تحقق عدالة مكوناتية ومناطقية وقومية على حد سواء، وحتى المتظاهرين لم يوجهوا الإنتقاد بعد فشل علاوي، الى الأطراف التي سعت لترسيخ المحاصصة الحزبية، وجعل السطوة الحزبية منهاج الدولة العراقية.
من الأخطاء الكبيرة التي وقعت فيها الطبقة السياسية الشيعية؛ أنها قبلت بصياغة معظم القرارات بالتوافقية، ظناً منها أن التنازل لن يؤثر مستقبلاً على حقوق الأغلبية الشعبية، ولكن الواقع هو تراجع الخدمات ومعدلات الفقر والتعليم والصحة، معتقدةً على أنها الأخ الكبير والأوسع قلباً كما يسمونه، وعليها تحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، ولكنها تنازلات من حقوق الجماهير دون الإمتيازات الحزبية، وهذا ما أوقع عليهم الجزء الأكبر من الفشل، بإعتبارهم يشغلون أغلب المناصب التنفيذية والتشريعية، وبذلك حصتهم أكبر في مواطن الفساد، والحقيقة أن لهم شركاء منعوا معظم القرارات بما فيها السيادية، وشكلوا بذلك عرقلة تطبيق حقيقة النظم السياسية في العراق.
الإنقسام السياسي كان وما يزال معرقل عمل الدولة العراقية، ولكن الأخطر هوالإنقسام المجتمعي، الذي سيشل الدولة العراقية، ولا إتفاق على شخصية رغم أنها جزء وليس كل العملية السياسية، وتوجيه النقد والتظاهر والإعتراض على طبقة سياسية، دون التمعن في معرقلات العملية السياسية، سيعمق الهوة بين المكونات المجتمعية، ويعزز تحميل المسؤولية على أطراف دون غيرها رغم شراكتها وتوافقيتها ودورها في ترسيخ مفهوم المحاصصة وتهميد سبل الفساد.

 أُزيل الحديث النبوي الشريف "إنما بُعثت معلماً" بأصباغ من تلك التي تستخدم في كتابة عبارات إغلاق المؤسسات والمدارس، من عصابة مكافحة الدوام، ويعتبرون إغلاقها بأمر الشعب، وخط فوق قول الرسول الكريم (ص):" وقال كوكو: من يداوم باع الوطن" ويليها بعبارة "انذار أخير"!!

لم يعد الحديث النبوي واضحاً على جدار المدرسة، وعلى المدرسين والطلاب وأولياء الأمور العمل بتوصيات كوكو، وأمام أنظار القوات الأمنية، أحتراماً وتنفيذاً لأمر كوكو الناشط.

 ثمة من يراقب ويرى وتيرة الأحتجاجات، ويشعر باللانهاية، وكل يوم يقطع شارع هنا وتغلق مدرسة هناك، وتهاجم جامعة أو مستشفى أهلي أو صيدلية، وقراءات مجتزأة للأحداث، كل يراها بعين العاطفة والميول، وعين لا ترى إلاّ مصالح تتحق في طرق متناقضة، ودون سؤال هل ما يحدث له علاقة بالتظاهرات، أم أنها أعمال منظمة لحرق المؤسسات وتعطيل الحياة العامة؟

 لعب الإعلام دوراً سلبياً خلال هذه الفترة، وبذريعة حق التظاهر؛ نقل تقارير بحيادية، بدأ ينشر عدد الشوارع التي قطعت بالإطارات، وعدد المدارس و المحال التجارية المحروقة، وكأنه عمل طبيعي يجوز ممارسته في التظاهرات، مع ذكر كل من يسقط في هذه المواقع، كرقم يضاف الى أرقام الضحايا، دون أن يذكر مكان الحادث، وصوراً تُشَبَّهُ بإنها إنتهاكات، دون ذكر ما سبقها من صور، ربما في معظمها تجاوز على القوات الأمنية، أو مهاجمة المال العام والخاص.

 الجماهير هي الجماهير، لا علاقة لها بتصرف العقل الجمعي، بالدين والعرق، وفي معظم الأحوال تخضع لأكثر ولأعلى الأصوات وأكثرها تطرفاً، وقد تتعامل مع اللحظة إذا توفرت لها الظروف التاريخية، فأما أن تنفجر وتدمر، أو تضحي بنفسها بكل سخاء، وفي أيّ من الحالتين يعتبر فعله خدمة لقضية كُبرى، وبدل الصوت الذي يأتي من المجموع، أصبحت وسائل التواصل الإجتماعي مجتمعاً بذاته يستطيع تحريك الجماهير، وتتلاعب أدواته المخيفة الخطرة في كل شاردة وواردة، وقليل من المجتمع يبحث عن مصداقية المصدر، وبعضهم يتبنى أو يصدق ما ينشر، لمتبنيات مواقف مسبقة، أو تمنيات لحدوث ما يُريد.

 لعب الإعلام دوراً مهماً في رسم مجريات ما يجري في التظاهرات العراقية، ولكنه عزز الإنقسام ووسع الهوة بين أفراد المجتمع، فالمؤدلج يسعى لتحقيق مشاريع يعتقدها هي الأصح، وبعض المشاريع تخريبية أو خاضعة لإرادات سياسية أو تدخلات خارجية، أما المحايد فعظمه وقع بنفس الفخ الذي يؤسس للخوف ونزعة التمرد، وقد نشر مقاطع عنف يمارسها الخارجون عن القانون، وكأنه ساخر وساخط لتلك المشاهد، ولكنه مارس دور الناقل والناشر، لسياسة طويلة الأمد، تحاول زرع التمرد، ونزع مفاهيم القيم الأخلاقية من المجتمع.

 قد لا يعلم كوكو أن الكتابة على المدارس، جزء من تخريب يطال المجتمع، ويفسد أهم مؤسسة بناء في المجتمعات، وأيضاً لا يعرف شاب آخر ماذا مكتوب على لافتة يرفعها، ولا تلك الفتاة، أو لا يعلمون أن التظاهر لا يعني قطع الشوارع ومهاجمة القوات الأمنية، وأنهم يسيؤون للتظاهر قبل الإساءة للحكومة، وأن هذه الأفعال تهدم كيان وقيم الدولة، ولا علاقة لها بالإصلاح المنشود، وأن الشعوب عندما تؤسس للبناء، فلابد لها أن تبني على قواعد قيمها وحضارتها، كوكو أصبح متهوراً وهو لا يعلم أنه محروم وفرد من مجتمع له حقوق يشعر بضياعها، وعليه واجبات يجب إحترامها.

تعطي القوة المضادة للحركة، دافعاً لقوتها بإتجاه غايتها، إلّا أن تقاطع قوتين، سيفقد من قوة الأولى بقدر ما يفقد الثانية، ويثبت أنهما في طريق خطأ، إذ لا يمكن أن يتقاطعا وهما يسيران الى هدف واحد، وأن بنيت تصورات أحدهما على حدث راهن، وأسقط تصوراته على الأحداث المتناثرة المتجزئة، فلا تصح تصوراته، ويكون معوِّقاً لعمل الآخر.

 وفي إختلافنا في طبيعة قراءة المشهد، تقاطع في الحاضر ونسف للماضي ومجهولية المستقبل، وأنشاء شتى مدارس النزاعات، وصُور لكل عملية وإن كانت بسيطة، بألفاظ مبسترة وأُطر أكبر من حجمها، والخلاف البسيط سمي صراعاً، والمشكلة سُمِّيَتْ أزمة، حتى إنعكس على الواقع وتراكمت مشكلات وغابت الحلول، وعدنا ندخل في أزمة ونخرج منها بأزمة أكبر، حتى أصبحت عُقَداً لا يمكن حل تشابك بداياتها ونهاياتها.

 تطورت الأزمات في غياب الحلول، أوضح أن كل طرف قاصر أو مقصِّر أو مُقصَّر بحقه، ويعتقد بغياب الحلول الاطراف كلها، ولذا تظاهر شعب ناقم على طبقة سياسية وفاقد الثقة في مجملها، إلا أن رؤية الحلول عن المشهد، وكل طرف يعتقد وجوده بنفي الآخر، فبعض الأحزاب تنفي أحزاباً أخرى وتعتقد أن التظاهر أزمة تنتهي بمرور الوقت، وبعض المتظاهرين يعتقدون الحلول بنفي كل الأحزاب، ولكن كل هذه الأطراف تعتقد أن القانون الإنتخابي العادل هو حل، بمفوضية مستقلة وإنتخابات مبكرة، وهناك من يريد يريد خوضها، ويراهن على بقاء الفوضى، حفاظاً على ما كسب من موقفه.

 برزت مشاهد بعد التصعيد الإحتجاجي، معظمها مؤلم وفيها دماء كريمة عزيزة، وبعد التصعيد والشد والجذب، توصلت الأطراف وبعد جلسات من ممثلي التظاهر وممثل السيد الصدر، الى بداية إنفراجة، وخطوة أولى لتطبيق وصايا المرجعية، التي تؤكد مراراً وتكرراً على نبذ العنف، والتظاهر السلمي، وإعادة هيبة الدولة، ومن أهم ما تم الإتفاق عليه، أن تكون القوات الأمنية هي من تحمي المتظاهرين، وسارت الأمور بسلاسة، رغم سماع بعض الأصوات في ساحات التظاهر، التي تشير على أنها ليست طرفاً في هذا الإتفاق، ولكن كما يبدو أنها لا تؤثر على السياق العام، لما تتجه له المرحلة القادمة، بعد دخول مجاميع من المتظاهرين في التفاوض مع الحكومة القادمة.

 إن بعض الأصوات ما تزال مصرة على رفض تكليف محمد توفيق علاوي، ويبدو أنها، أما تدرك وتتقصد الرفض أو لا تدرك أن فشل هذا التكليف، سيجبر رئيس الجمهورية على إختيار شخص آخر، ولكن في فترة 15 يوم، وهذا من الصعب جداً بعد أن تعثر التكليف شهرين متتالين، وفي حال فشل علاوي في إكمال مشروع التكليف أو نيل ثقة الحكومة، ستكون الأيام أصعب من تلك التي كانت بعد إستقالة حكومة عبدالمهدي.

 هنالك فرق بين الدولة والحكومة، بين السلطة والبلد، وهذا ما لم يتم التفرقة فيه لدى معظم الأطراف، لذا وضع مصير الدولة مع مصير الحكومةالحكومات والأشخاص يتبدلون وتبقى الدول قائمة، حتى وأن تمزقت بصراعات داخلية، وتدخلات خارجية، وبقاء الفوضى والتصعيد، يناقض ما خرج عليه المتظاهرون، فهم أحتجوا على طبقة سياسية، وهذا لا يمكن تحقيقه وتغيير من أساء منهم إلا بالإنتخابات، ولكن ذلك مشروط بعودة التهدئة والقراءة المنطقية والواقعية والعقلانية، ولا يمكن ضمان نتائج الإنتخابات على أنها ستغير المشهد في حال الإنفلات الأمني، وهذا ربما يتيح للأحزاب ممارسة نفوذها وعدم سماحها للقوى المنافسة بالفوز، وشرط آخر أن تنظم التظاهرات نفسها وتحدد قادتها ونخبها، وتحث الجماهير على المشاركة، وفق برامج وخطط تراها مناسبة، وتستطيع أن تقنع الشارع بالمشاركة، وأهمية صوت الناخب، وتقول لهم أن التصعيد غير السلمي سيفقد الإحتجاجات مشروعيتها وتأييد الجماهير.

ثمة محفزات تدفع لبلورة خطوات لتحقيق الإصلاح، أن لم يتم إستثمارها في الوقت المناسب ستصبح وبالاً في لاحق الأيام، وبين الشعب والطبقة السياسية، هوة أن لم يتم ردمها ستتحول الى هاوية ربما يتساقط فيها من الطرفين، وتأتي خطوة تكليف رئيس مجلس الوزراء، أولى الخطوات في طريق طويل معقد ينتهي بإجراء إنتخابات مبكرة، إلا أنها مشروطة النجاح بالمشاركة الشعبية الواعية والفاعلة، ولكن جابهها بعضهم بالقبول وآخرون بالرفض والدعوة للتصعيد وقطع الطرقات.

 هي نفس الجهات التي كانت ترفض عادل عبدالمهدي ومن قبله ومن سيأتي بعده، بدأت برفض تكليف محمد توفيق علاوي، ودعت للتصعيد وتبرير قطع الطرق وتعطيل المؤسساتعملية الرفض أظهرتها قنوات تلفازية وتناقلتها مواقع تواصل إجتماعي، بتظاهرات رافضة لتكليف علاوي، فيما نشرت مواقع آخرى صوراً سابقة وحالية لقبول تكليفه، ورغم قبول ممثلة الأمم المتحدة بلاسخارت وترحيب السفارة الأمريكية، فيما إلتزمت قنوات آخرى جانب الصمت ليلة التكليف لحين إنجلاء الغبرة وتبيان مواقفها، وستقرر التصعيد والرفض أو القبول، حسب ما ستراه مناسباً لسياستها، وفي معظم الإنعكاسات تعبير عما تحصل عليه من مكتسبات من الحكومة القادمة.

 الأفكار دائماً متباينة ومتقاطعة في أغلب الأحيان، وناجمة عن تسطيح القراءة للأحداث، وتتغيّر وفق مجريات الأرض، وهنا مواقف التأييد للتكليف تنقسم الى موقفين منها من يريد حلولاً بأقل الخسائر، أو تأييد لإبعاد شبهات التورط في تحريك التصعيد وفرض الفوضى، أما الرافضة فهي أما رافضة لكل شيء أو من جهات تعتاش على خلق الجدل لتنتج الفوضى، وتندرج هنا نخب وقنوات إعلامية، ومن يعتقدون ديمومة وجودهم بالجدل المخالف.

 الأخطر في هذا الجدل طرفان أحدهما يؤيد علناً ويدعم التصعيد سراً، ويحفز على التخريب الذي طال المؤسسات، ولا يُبالي في دماء شباب تراق كل يوم، وهو من يصور أن القوات الأمنية تعادي المتظاهرين وبالعكس، وطرف رفض التكليف بذرائع الآليات وإستمر أيضا بدعوات التصعيد، أما الأخطر فأولئك الذين يدعون الحيادية والمهنية، بينما هم يركزون على جوانب التصعيد ويدعون له، ولا يريدون التهدئة أو يبحثون عن سبل لها، ويصنعون رأياً ينقاد خلف نخبة لا تنتقي ما تقول أو تقصد ما تفعل.

 قسم التظاهر في العراق بقصد؛ الى تظاهر سلمي وغير سلمي، بينما لا يوجد في الديموقراطية غير السلمية في نيل الأهداف، والسماح للمواطن بالتصويت والترشيح وحرية الرأي، وهنا إنقسم المتظاهرون الى ثلاثة؛ أما سلمي ومنهم نخب ومواطن شعر بالغبن وسوء إستخدام السلطة، أو من مثل أجندات حزبية منها من يبحث عن حلول وآخر يراهن على الفوضى، والأخطر من يطبق الأجندات الخارجية، ولا يقبل حلاً دون فرض شخصيات بإملاءات خارجية.

 إن التصعيد المتعمد وبالذات الذي تعمد تعطيل المؤسسات، لا يمكن أن يندرج ضمن السلمية، ومرفوض من قبل المتظاهرين وهو الأكثر تأثيراً على الحراك الشعبي، وواحد من سراق مطالب الشعب، وبذلك لا يقف عند حد برفع سقوف مطالب تبدو في معظمها غير منطقية، ولكن الحل أن تحافظ التظاهرات على سلميتها، وتحدد لحكومة علاوي سلم أولويات يبدأ بمعالجة الإنفلات الأمني، وينتهي بإجراء إنتخابات مبكرة بالإمكانات المتوفرة، مع الإعداد لتنظيم صفوف النخب بشكل وطني، للمشاركة الفاعلة، وتغير أدوات اللعبة السياسية بأدوات سلمية.

واحدة من أهم المقولات بعد إغتيال الجنرال قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس، تلك التي قالها مرشح الإنتخابات الأمريكية جو بايدن: "ترامب وضع إصبع الديناميت في برميل البارود".

 لا أريد تصديق أو تكذيب ما قاله بايدن، ولكن بالمراجعة للخطابات الأمريكية منذ مشروعه لتقسيم العراق، مروراً بالإنتقادات اللاذعة المتبادلة بين الجمهوريين والديمقراطيين، وما إنفك ترامب منتقداً في كل مناسبة لسياسة سابقه باراك أوباما.

 هذه التساؤلات مشروعة، عندما تحدِّث أمريكا بقية الشعوب عن الديموقراطية، وتدخلاتها بذريعة الإنسانية وحفظ أمن المجتمع الدولي، وكأنهم يقولون لنا أنها دولة مؤسسات، وما الرؤوساء سوى موظفين يعملون بما تملي عليهم المؤسسة، لكن هذه الإنتقادات الحادة غير مفهومة، عندما ينتقد ترامب أوباما ويتهمه بأنه إرتكب جرماً، عندما وقع إتفاقية مع ايران، لذلك مزق إتفاقية دولية بذلت فيها دول عدة جهوداً مضنية في سنوات، بينما يرى بايدن أن ترامب إرتكب جرماً، بإستهداف العراق والنتائج ستكون وخيمة ربما تصل بأمريكا لفقدان نفوذها في المنطقة.

رغم إختلاف الطرفين، لكنهما يتفقان بمعاداة ايران وتعزيز النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، وفي حادثة سليماني، برر ترامب جريمته بأن المغدور كان يخطط لتفجير السفارة الأمريكية، ثم زادها في تصريح آخر أربع سفارات، ودون أن يُعطي دليلاً ملموساً، وكذلك جون كيري عندما تنافس مع أوباما، كان ينتقد التواجد الأمريكي في العراق ووعد بسحب القوات حال فوزه، ولكن بعد خسارة الإنتخابات زار القوات الأمريكية في العراق، وعندما أصبح وزير خارجية كان من أكثر المدافعين عن التواجد الأمريكي في العراق.

 من يُصدق أن أمريكا دولة مؤسسات؟ ومن قال أنها جاءت للمنطقة لنشر الديمقراطية وهي تدعم حكومات زبائنية، والحقائق تشير الى أن كل خطاباتها وتناقضاتها إعلامية محضة، بقصد مخاطبة الناخب الأمريكي بين مؤيد ومعارض..وبمجرد انتهاء الفترة الإنتخابية، وبعد فض الإشتباك تتجه كل الأطراف السياسية، بالإشارة لعدو مفترض، وعليها تبني المواقف وتعزيز الذرائع، بدعوى الأمن القومي الأمريكي.

 عند العودة لخطاب ترامب قبيل الإنتخابات الرئاسية العام 2012م، تجده يحذر اوباما من توريط أمريكا في حرب مع ايران، وكشعار لكسب الأصوات، وفاز اوباما دون حرب، ليأتي ترامب لإنتقاد أوباما فيعتبر دبلوماسيته شجعت ايران وأعطتها القوة، بينما يرى بايدن إغتيال سليماني حادثاً عدوانياً غير مدروس يدفع بأمريكا للحرب، بعد قرار ترامب من منتجع فلوريدا، وإستشارة الجنرال مارك ميلي، الذي يعتبر سليماني عدواً شخصياً، في قرار ترامب دون العودة للكونغرس.

 تراجعت حدة تصريحات ترامب، في أول ظهور له بعد الضربة الإيرانية لقاعدة عين الأسد، لسببين إما أن يكون الرد أقل من المتوقع، وهذا ما يدل على معرفته بقدرة إيران في مجاراة أمريكا وتتوقع الكثير، أو أن الضربة صادمة، وحرك مخاوف التورط في الحرب ومزيد من الخسائر، وفقدان الهيمنة الأمريكية والإنتخابات، وعليهم أن يدفعوا الخطر القريب من الأبواب.

 أمريكا ليست دولة مؤسسات، ولماذا لا تحاسب اوباما إن كان قد أخطأ التقديرات بالدبلوماسية مع إيران، أو لماذا لا تحاسب ترامب عندما إرتكب جرماً فضيعاً ونتيجته نهاية الوجود الأمريكي في المنطقة، إنها ليست دولة مؤسسات، بل هدفها السيطرة على مصادر الطاقة في العالم، وزيادة أرباح معامل السلاح، ولا حليف لها سوى من يقبل بإبتزازها وهيمنتها، ويفسح لها المجال للهيمنة على أرضه وسيادته، ولا يهم أن تجوع أو تقتل بقية الشعوب، من أجل أن يُقال أن أمريكا دولة مؤسسات!!

 بل أمريكا دولة عصابات..ليس إلّا..

 لعلنا نقف على أعتاب مرحلة تحول كبيرة، في طبيعة التعاطي مع الديموقراطية، وتحديد علاقة الحاكم بالمحكوم، وبنفس السياق إعتقاد وممارسات، تظن أن جميل المفاهيم يمكن أن يعطي نفس النتائج في كل زمان ومكان، حتى أن بعضنا إعتقد إن المجتمعات يمكنها الإنسلاخ عن تاريخها وعقائدها، ولكن عندما تصل الى المحك تظهر كل الأشياء معادنها.

 النتائج التي كنا نتوقعها، وحسب ما أشارت المادة الخامسة من الدستور العراقي، بأن الشعب مصدر السلطات، ولكن هذه المصدرية مستمدة أيضاً من الدستور نفسه، وبدونه لابد للتفكير بطريقة أخرى، تستمد شرعيتها من تصويت الشعب من أقصاه الى أدناه، لإيجاد آلية للتداول السلمي للسلطة، ومتى يستخدم الشعب سلطته وأين تقف حدوده.

هناك فرق كبير في طبيعة التعاطي مع الحكم، وفرق كبير بين الدكتاتورية والديموقراطية في أدوات الحكم ومصدر السلطات، وفي الأول مصدرها أقلية تحكم أغلبية وتستخدم ما متاح من قوة بما فيها القمع لفرض وجودها بتلك القوة، والثانية فهي حكم الأغلبية وإختيار من يمثلهم، ولا يتوقف دور الشعب بالإنتخابات، ويمكن هنا ما لا يمكن في الأولى من حق التظاهر والإحتجاج، وتغيير الأدوات الحاكمة بالوسائل السلمية.

جدليتنا في العراق على من سيشكل الحكومة، ودارت التفاسير حول مفهوم الكتلة الكبرى، وفي كل مرة تشارك جميع القوى بتشكيل الحكومة، ولا توجد كتلة أصغر منها، ومن يشترك هو من يعارض، بقناعة أن ليس كل ما يحدث بقناعتها التامة، وهكذا إنقسمت قناعات الشعب، فيما لم يفكر بالذهاب للمعارضة، سوى كتلة وقليل من النواب، وتدعي كتلة سائرون ان لديها 54 من بين 329 مقعداً وأنها الكبرى أو الأكثر عددا، بينما الواقع، لم تكن القائمة العراقية في 2010م بـ 98 مقعداً ولا دولة القانون في 2014 بـ 101 مقعد، نعم كل منهم كان الأكثر بين أقرانه، ولكن لا أحد يشكل الأغلبية التي تستطيع تشكيل حكومة دون تحالفات.

 إن الواقع العراقي اليوم، وإستقالة الحكومة تحت التأثير الإحتجاجي؛ أشبه بإقالتها من أغلبية من يمثل سلطة الشعب، وبهذا ينتهي مفهوم الكتلة الكبرى الذي تشكلت على أساسه الحكومة، ويبدأ الشروع بكتلة أغلبية تستطيع تمرير الحكومة القادمة، ومن لا يدخل هذا التحالف عليه الذهاب الى المعارضة في الخارطة الجديدة، وتعد الحكومة هي من يمثل أغلبية الشعب، مع الأخذ بوجهة نظر الشارع المحتج، وفتح جسور تواصل، لإيجاد حلول مشتركة لحين تشكيل حكومة قادمة.

 يبقى الأهم كيفية المواءمة، بين شعب رافض لكثير من الممارسات السياسية، وإدارة الدولة بهذا الشكل، الذي لم يعط فرص عادلة للتمثيل الشعبي، وبين الواقع الذي يفرض إختيار رئيس الوزراء من البرلمان.

 واقعاً أن معظم الإحتجاجات، سواء من خرج الى ساحات التظاهر، أو ممن إعترض ضمناً، ولكنهم مع التداول السلمي للسلطة وضمن سياقات الدستور والقوانين النافذة، وهنا القوى السياسية تختار رئيس وزراء، تعتقد أنه يلبي مطالب الجماهير، وهذا ما يتطلب وجود قيادات للتظاهر، كي تتفاهم مع القوى السياسية، لإيجاد برنامج حكومي ضمن سقوف زمنية محددة، والتركيز على البرامج أكثر من الأشخاص، وبما ان جميع القوى السياسية والشعبية متفقة، على أن الحكومة القادمة أشبه بالإنتقالية، وتعد لإنتخابات مبكرة، فأن التشدد الكبير في مواصفات رئيس وزراء لن يصل بنا الى نتيجة.