مشروع تجاري
رحيم الخالدي

رحيم الخالدي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

فرق كبير بين الحكومة والدولة، ومشكلة شبابنا إندفاعهم دون وعي فلا يفرقون بين الحكومة والدولة، لصغر خبرتهم وقلة وعيهم عن هذا المفهوم، ومن السهل التلاعب بهم بواسطة الإعلام المغرض، الذي لا يريد العراق مستقراً وهذا تقصير من الجانب الحكومي..                                                                  كذلك لا ننسى إنحدار التعليم لدرجة خروجه من التصنيفات العالمية، نتيجة تعاقب الحكومات منذ العهد البائد ليومنا هذا، جهدت على تهميش هذا المفصل المهم .

التعليم الأهلي يشهد كثرة لهذه المؤسسات، التي ساهمت بشكل كبير في ذلك الإنحدار، ناهيك عن بقاء معظم المدارس الحكومية بهياكل طينية، وبعض الدول المتقدمة بنت مدارس لتدريس القرود لتعلمهم! ولو قارناها بأفضل مدارسنا لوجدناها تفوقها، وتتقدم عليها بمراحل كبيرة، من حيث الآثاث والأجهزة والمعدات .

التظاهرات اليوم معظمها تضم شبابا مندفعين لكن بعضاً منهم يقف خلفهم أصحاب أجندات خارجية.. يدفعونهم للصدام مع القوات التي هي بالأصل تقف لحمايتهم، ويحدث إحتكاك مما يضطر تلك القوات ترد بقنابل المسيل للدموع، لكن لم تعمل أي مؤسسة حكومية لتحليل كيف تدخل تلك القنبلة؟ التي يتجاوز وزنها أكثر من الكيلو غرام، بالإستقرار برأس ذلك المندفع، بينما مدياتها ليست بالبعيدة! وقد سجلت إحدى المقاطع أن أحد المندسين يحمل مسدس من نفس العيار، يرمي في غفلة لتستقر برأس المندفع، لتقع الجريمة على عاتق تلك القوة المكلفة بالحماية .

الأهداف لحد يومنا هذا غير معلنة بالصريح، فقسم منهم يريد إسقاط النظام.. والآخر يريد خدمات، ومنهم يريد إسقاط الحكومة، وهذا يدل على أن هنالك أطراف عدة، لكل منهما هدفه.. وقد تضيع البوصلة، وهذا ما يريده الأعداء للإنتقال الى الفوضى, وهذا ما نخشاه، لان دفع هؤلاء نحو التخريب على أن الحكومة لم تستجب للمطاليب، وقد بدأ هذا المسلسل بالفعل، من حرق معظم المؤسسات الحكومية! والأملاك العامة والخاصة، والتبرعات التي تأتي من كل حدب وصوب !.

الحكومة أذا تم تنحيتها يمكن تشكيل حكومة، لا نقل أنها تصل لأخلاق الأنبياء، ولا حكم علي بن أبي طالب (صلوات ربي وسلامه عليه)، لكن ممكن أن تلبي بعض المطالب أذا لم تكن كلها، وهكذا الى أن نصل لمرحلة التكامل، وهذا لا يمكن تحققه دون تفعيل القانون والمحاسبة، عن الأموال العراقية التي تمت سرقتها، وبرنامج مستقل يحاسب وفق من أين لك هذا .

إسقاط الدولة مما لا يمكن القبول به، لأنه ستنشب إثر ذلك حرب داخلية أهلية، تحرق الأخضر واليابس، وهذا مخطط عملت عليه دول كثيرة وعجزت لحد الأن.. حينما أدخلت الإرهاب المتسلسل من القاعدة وتوابعها وآخرها داعش، التي دربته أمريكا بإعتراف هيلاري كلنتون في إحدى مناظراتها، وما يؤسف له حقا, أننا لم نرى جهة من المتظاهرين قد نددت به، لان معظم المُسَيَرِين للشباب غير الواعي لا يعرف هذه الحقيقة، وجاء اليوم التي ترد به أمريكا الصفعة، التي ضربنا داعش وإنهاء وجودهم بالرد على تخريب العراق .

الشعب العراقي اليوم عليه أن يعي المؤامرة، التي تقودها أمريكا بالمال الخليجي، وتقسيم العراق بات بين قوسين أو أدنى، وتخريب هذا المخطط مرهون بالنخب، التي يجب تواجدها بكل الساحات، لشرح أبعاد هذه المؤامرة الخبيثة، والذهاب صوب تطبيق العقد الصيني، الذي أزعج أمريكا لبناء العراق، كذلك العقد مع شركة سيمنس الألمانية بإنهاء أزمة الكهرباء، وبناء الوطن أفضل من الإمارات، التي تتبجح أنها وصلت للقمر، وبإستطاعتها غزو الفضاء! وهم بالأمس كانوا يتمنون أن لديهم شارع كشارع السعدون .

 

يعيش عالمنا اليوم وبالتحديد منطقتنا العربية، حراكا يكاد لا يستقر.. فبين حروب وتحركات مريبة تديرها مخابرات دول مجاورة، وقد بانت الحقيقة بعد التسلسل الذي أشر الخلل، فلا يمكن تبرئة الدول التي تنصب العداء للدول المستهدفة، من هذا البرنامج المريب والمثير للدهشة..

ساحة التحرير وهي المكان الوحيد الكبيرة في العاصمة، كما أنها تقع وسط بغداد، وهي سوق كبير، يتوسطها نصب الحرية برمزيته، وتفصل بينها وبين المنطقة الخضراء حيث أهم مقار الحكومة والسفارات بضعة مئات من الأمتار، ويمكن وبسهولة دخولها إذا لم تكن هنالك قوة تحميها.

صحيح أن التظاهرات جعلت الحكومة  تعيد النظر في القوانين، وبمراجعة حقيقية، رغم آنها ليست بالمستوى المطلوب..

من الصحيح أيضا القول بأن الحكومة الحالية لا تتحمل أعباء وتراكمات الماضي.. لكن واقع اليوم يقول أن هنالك تقصير متسلسل، وجاء اليوم الذي يجب أن ينتهي به، وهذا راجع للكتل الكبيرة التي شكلت الحكومة الحالية، لأنها لو إستجابت للمطالب بشكل حقيقي، فربما لأصبح من شَكلَ الحكومة "خارج التغطية" وخاصة عند محاسبة الفاسدين وإسترجاع الأموال المهربة.

الظاهر العام يقول أن التظاهرات محقة، ويجب على الحكومة تنفيذ المطالب وفق جدول زمني محدد، وبشكل يشمل كل المفاصل بدءاً بمحاسبة الفاسدين من الحيتان، وإنتهاءاً بتوزيع الثروة ثم  تنشيط القطاع الصناعي والزراعي ودعمهما، وتوفير فرص العمل والغاء المحاصصة، وانهاء تواجد القوى الخارجية أولا، ومنعها من جعل العراق ساحة صراع، وبناء علاقات جيدة مع دول الجوار..

ما سبق لا يمنعنا من النظر للجانب المظلم الذي يبعث التساؤل والغرابة.. عن تواجد عناصر لم نألفها من قبل، وهو عبارة عن عصابات سلب ونهب وحرق، طال المؤسسات الحكومية، وصل للأملاك الخاصة، وإلا ماذا نسمي حرق المحلات في شارع الرشيد؟  وماذا عن تواجد هذه المجاميع قرب البنك المركزي، متحينين الفرص لسرقة ما خَفَّ وزنهُ وغلى ثمنهُ؟ وماذا عن تخريب كامرات المراقبة الخاصة والعامة؟!

نُشِرَتْ مقاطع فيديو فيها كثير من التجاوزات والتصرفات الخارجة عن القانون او العُرفْ او الذوق العام حتى.. مما جعل ساحة التظاهر توحي وكأنها عبارة عن أشخاص، لا يمكن الإعتماد عليهم في إدارة أبسط ملف بعد التغيير، ويمكن نعتهم بعبارات لا يمكن النطق بها، لفداحة الأعمال التي يقومون بها، فالدولة تحتاج لرجال قادرين على أداء المهام وتولي المسؤوليات، وخصوصا الملف الأمني الذي يشمل الدفاع والداخلية والأمن الوطني والمخابرات، فكيف نعتمد على من يحرق الدوائر والممتلكات العامة في تلك الاجهزة !

من الاكيد أننا لا يمكننا الوثوق بالجانب الأمريكي، الذي يدير جزء من التظاهرة، وهو بالأمس صنع داعش وأدخلها للعراق، وخرب وحرق ودمر البنى التحتية، وعمل لبناء جيل من الإرهابيين بلا وطن، مأجورين لا يهمهم سوى التدمير لقاء أموال، وهؤلاء ليس لهم وطن حتى لو كانوا عراقيين، لعدم إمتلاكهم شعور بالمواطنة .

المرجعية كانت ولا زالت السند الأهم للمتظاهرين، وأكدت في أكثر من خطبة ضرورة تلبية المطالب الحقة، التي تضمن العيش الكريم دون تمايز طبقي أو عرقي أو ديني، وقد أدلت بدلوها خاصة في الخطبتين الاخيرتين، مؤكدة ضمان سلامتهم وعدم إستعمال الرصاص الحي وغيره، من الإعتقال القسري والخطف وإسكات صوت الحق..

هل سيلتزم المتظاهرون بتوجيهات المرجعية ام سيسبقه اصحاب الاجندات؟!

وهل ستستجيب الحكومة للمطالب الحقة للمتظاهرين وكما وصفتها المرجعية بخارطة طريقها كما وردت بالخطبة، وتقطع الطريق على أمريكا وغيرها من أصحاب الأجندات الخبيثة؟

 

تأسست الحوزة العلمية المقدسة في النجف الاشرف منذ زمن بعيد، وقد بقيت ليومنا هذا تسير وفق نظام بسيط، لكن البعض قد يراه معقدا.. كون العقائدية من أهم الركائز، وهذه المفردة يتيه بها من لا يفهم المعنى، وهو بالطبع مفهوم عميق لا يجيده الا من هضم هذه المفاهيم، وهي أحد أهم الدروس .

في أيام البعث كانت لا تتدخل بالشأن الحكومي إطلاقاً، لكنها تنصح مرتاديها ومقلديها وتنهاهم عن المحرمات، وتبين الصالح من الطالح، من خلال الرسائل العملية بفرعيها العبادات والمعاملات، وفيها كل المستحدثات، ومن يريد الإطلاع بإمكانه شراء النسخ وهي متوفرة، كذلك يمكنك أخذها مجانا من المكاتب التي تخص المرجع .

بعد إنتهاء حقبة البعث وليومنا هذا، كانت المرجعية ومن خلال معتمديها المتصدي الناصح للمشتغلين بالمشهد السياسي، وتبدي رأيها من خلال خطبتها وعلى مدار السنة وفي كل جمعة، لكنها كانت تتعمد في بعض الأحيان التزام الصمت عند عدم الأخذ بالنصائح، ولضرورة المرحلة والحاح العراقيين بالطلب منها، ترجع وتوجه بالنصح، ووصلت حد الجزع وقالت جملتها المشهورة بُحَتْ أصواتنا !.

ساحة التحرير التي تعتبر المقر الأوسع للتظاهر، يفترش العراقيين الرافضين للظلم الأرض، وكل ماله صلة بها، باقين لحين الإستجابة للمطالب، التي من شأنها تصحيح مسار الحكومة الخاطئ، الذي سنته المحاصصة الطائفية المقيتة، وجعلت أموال العراق نهباً لهم، وكأن العراق عبارة عن خزانة مفتوحة الأبواب لهؤلاء الذين أوغلوا في السرقة، وحنثو بالعهد الذي أقسموا على صيانة العراق ومنجزاته وأمواله وأرضه .

ظهرت أصوات ولأول مرة تنال من المرجعية، مع إتهامات لم تكن موجودة ولا هي صحيحة، تم صياغتها في الغرف المظلمة، تتقدمهم خلايا البعث الصدامي المجرم والمتمرجعين، الذين يرون أنفسهم هامشيين ويريدون البروز من خلال تلك الشعارات، التي إتخذت مساراً خاصاً بها، من خلال جهلة القوم، وحالهم حال حامل الخمر.. الذي لا يعرف أن رزقه ولو من خلال الحمل فيه شائبة الحرام .

 

ساندت وأيدت المرجعية تلك التظاهرات المطالبة بالحقوق، وحذرت من المساس بهم كون الدستور كافل للتظاهر، لاسيما التشدد في حمايتهم ورعايتهم، حتى تحقيق المطالب المشروعة، بعد أن ضاقت ذرعاً من الوعود الكاذبة التي ما عادت تنفع، لأنهم ولليوم لم تحرك الحكومة ساكناً، سوى بعض الخطوات الصغيرة, وأهملت أهم الملفات ،والفساد أولاً، وقد بدأت بالصغار تاركة الحيتان الكبيرة منهم يتنعمون، وأموال العراق تعمل في الخارج 

بعد سقوط النظام وإبتداء المسيرات المليونية لأربعينية الإمام الحسين، ونقلها في معظم القنوات الفضائية تجلت للعالم الحقيقة، التي عَتّمَ عليها طِوال سنين, أصبح العراق وكربلاء قبلة العالم, فبدأ الناس بالسؤال والبحث، ولم يعد يصدق من كان طوال حياته يُكْذَبْ عليه، ويقلب الحقيقة ويمجد بالقاتل!

يذكر لنا التاريخ لمحات وليست الحقائق كاملة، كونها كُتِبَتْ تحت نظر الدولة الأموية، مع الترضي بقتله، فكانت قليلة بحجم الملحمة البطولية، التي مهما حاول المريدون طمسها، تبرز أكثر وتتجلى الحقيقة الناصعة، التي كانت مغيبة ولو طالعنا التاريخ جيداً وبحثنا لربما سيشيب الرأس منا من هول ما سنكتشفه..

الديانة المسيحية وكما يحب البعض تسميتها بالنصرانية، دين سماوي لا يمكن نكرانه، ولو حدث لأعد المسلم منحرفاً عن الملة، وهي عبارة عن نصائح وسلوك نهايته مرضات الخالق، فهي متسلسلة وقد ختمها جل جلاله بالدين الإسلامي، ومن أبرز من تصدى لبني أمية، وشارك مع الحسين في ملحمة الطف، وإستشهد معه في تلك الفاجعة الأليمة، "جون" النصراني".

رسام إيطالي رسم لوحة معبرة جداً، جاءت وفق رؤية كما يذكرها ديفانشي باسكوال، ويسرد كلامه وهو يبكي ويرتجف، من هول ما رأى في منامه، ويقول رأيت في عالم الرؤيا واقعة الطف، وكيف اقبل العدّو على الإمام الحسين صلوات ربي وسلامه عليه وعلى أله، وبقيت هذه الرؤيا عالقة في ذهني، توصلت الى توثيقها بلوحة من الرسم، لكن هذه اللوحة إستغرقت مني ثمانية أشهر أو اكثر بسبب الإرتجاف الذي أصاب جسمي, من عظيم رؤية هكذا ملاك بمقام الإمام، ليعلن في نهاية ذلك إسلامه .

  اليوم في العراق وخاصة بعد عام الفين وثلاثة، يخرج الأخوة المسيحيين مواكب تعزية لإخوتهم شركاء الوطن، على خطى جون النصراني، الذي وضع لبنة الإنسانية الأولى في مساندة الحق، ولم يجعل الدين عائقاً، وهو أول مسيحي في التاريخ يساند من غير ديانته، ويفديه بدمه وروحه، فأي إيثار يمتلك جون؟ مع بقية الشهداء، الذين مجدهم التاريخ وذكرهم بالأسم والعدد .

كثير من الناس لا يفرق بين الحكومة والدولة.. لذا نرى اليوم أن هنالك جهالة أصابت المجتمع، وأصبح المواطن لا يفرق بين العموم والخصوص، كذلك هنالك تعليقات في مواقع التواصل الاجتماعي يعممها، وأبسط مثال على ذلك شعار "كلهم حرامية" ولو سلمنا بمحتوى الشعار، فمن هو الصالح؟ وهذا يشمل مطلق الشعار، وهنا طامة كبرى يجب الإنتباه لها، وهذه لو بحثنا عنها سنجد هناك جهات خارجية، تريد تعميم الفوضى ليخلوا لها الجو! .

قال «نوتوهارا» في كتابه «العرب وجهة نظر يابانية»، أن العرب لا يفرقون بين مفهوم الدولة، ومفهوم الحكومة! ولذلك لا يفرقون بين ممتلكات الدولة والحكومة، حيث أنهم يدمرون الممتلكات العامة، لاعتقادهم بأنها ممتلكات الحكومة وليست ممتلكاتهم! وأن مفهوم الدولة ومفهوم الحكومة، يستخدمان بالتناوب كمترادفات في كثير من الأحيان، الا أنه يجب التمييز بينهما، فمفهوم الدولة أكثر شمولية من مفهوم الحكومة .

في كل جمعة ننتظر خطبة الجمعة، التي تمثل رؤية المرجعية خلال الأسبوع المنصرم، وهنالك جهات تريد تقويم المسار الصحيح للحكومة، فتقدم النصح من خلال خطاب أو موضوع حول حالة ما، وبعض الخُطَبْ تتلائم مع الطرح، فيكون هنالك تلاقح، على الحكومة الإنتباه له! لتقويم العمل والأداء الحكومي، الذي من خلاله نصل لمرحلة دون التكامل إن لم يكن تكاملاً، وهذا يصب لصالح الحكومة وقائدها المتمثل برئيس الوزراء .

على كل حكومة يجب إمتلاكها برنامج تسير من خلاله، لتطبيق التكليف المُلقى على عاتقها وفق برنامج معد سابقاً، سيما ونحن على مدى خمسة عشر عاما، مع الوفرة المالية لم نصل لمرحلة تكافئ مع حجم المشاريع، ولو كان في غير دولة لكانت في مصاف الدول المتقدمة، سيما العراق يملك المؤهلات التي تجعله متقدماً، وهنالك سؤال يدور في خلد المواطن ويؤرقه! متى نصل لمرحلة الاكتمال؟ بعد اليأس من الحكومات السابقة. التي قضتها علينا بمشاكل لها بداية دون نهاية .

المرجعية ومن خلال منبر الجمعة، لم تترك مجال الا ووضعت بصمتها، وصل حد بجملة قالتها "بُحّتْ أصواتنا"! لكن الحكومة لم تحرك ساكناً، مما جعل الخُطَبْ تتصاعد شيئاً فشيئاً، لتصل لمرحلة من الممكن ان تلحقها بفتوى تنهي وجودها، إذا بقيت على هذا المنوال، وهذا بنظر الجمهور ناقوس خطر، لعلهم يستبدلون مرحلة المحاصصة والإستحواذ الى النأي عن مركز القرار، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، مع المراقبة للأداء .

بعد نجاح الفتوى بالجهاد الكفائي وتحقق النصر، أيقن ممن كان لا يحسب للمرجعية حساب، أنها بإستطاعتها وبإشارة من إصبعها تغير مسار كامل، وإنهاء حالة الفوضى والسيطرة على مقدرات المواطن، يساندها قادة لا يمكن التكهن بالأسلوب الذي سيستعملونه، بعد الجزع من هؤلاء الفاسدين الذين يتربعون على كراسي لا يريدون مغادرتها، وبنوا لهم أبراج وقصور يدور في خلدهم أنهم سيعيشون أضعاف اعمارهم البالية، ومن المُمْكن أن تدخل أناس تركب الموجة لا تعرف الرحمة .

تُدار الدولة وفق نظام يسير شؤونها بأمثل طريقة ممكنة.. وتختلف هذه الأنظمة وفق الطبيعة التي تلائم مجتمعاتها وأعرافها، وهي مشتقة ومأخوذة منها، وتشريعها يتم عبر القنوات التي يسمح لها بتشريع القوانين، بإستثناء بعض الدول العربية وخصوصا دول الخليج.

هذه الدول فيها الديمقراطية منقرضة كونها تدار من قبل الأسر الحاكمة، ومثالها المحافظات الشمالية "إقليم كردستان" ضمن القانون الذي أقرهُ مجلس النواب العراقي، في بداية تشكيل الحكومة بعد إنتهاء دور التسلط.

لا يمكن مقارنة الدول التي تمتع بالكونفدرالية، مع فيدرالية الإقليم.. بل تعدت وزادت إثر التسامح الذي تبديه حكومة المركز في التعاطي معها.

بالأمس القريب وبعد نفاذ صبر الحكومة، إتخذ السيد العبادي قرار كان في محله، والزم الإقليم بالإنصياع لحكومة المركز، في إدارة المنافذ الحدودية والجباية والطيران، وإخراج القوات التي لا تنصاع لأوامر المركز، وإخراجها من محافظة كركوك، بعد إجراء الإستفتاء، متصورين أن تأييد إسرائيل سينفعهم..

لو أجرينا مقارنة بما يجري مع الدول المتطورة التي تدعم الديمقراطية، لرأينا العجب.. حيث يستعمل الاقليم العنوان، ولا يلتزم بالمحتوى!

كمثلٍ تتمتع مقاطعة كيبك الكندية بصلاحيات كاملة في المجالات الداخلية مثل التعليم والصحة والبلديات والشرطة، بينما تتقاسم الصلاحيات مع الحكومة الفدرالية في مجالات الزراعة والموارد الطبيعية والضرائب، في المقابل تنفرد الحكومة الفيدرالية بمجالات الدفاع والسياسة الخارجية، حيث تتمتع حكومة كيبك بحق إختيار مهاجرين للإقامة في أراضيها، وهؤلاء يحصلون على التأشيرة من السفارات الكندية، بموجب تزكية من مفوضية كيبك.

هنا يأتي السؤال المحيّر، هل الإقليم فيدرالي كما هو منصوص عليه بالدستور؟ أم هي دولة منفصلة وخارج السياقات ولا تنتمي للعراق؟ أم أن هنالك أمر لا يعرفه المواطن.. وبات من حقه اليوم المعرفة؟ الإقليم يأخذ ميزانيته من نفط الجنوب، وكما هو معروف لدى الكل، وهو نص مدون في الدستور، أن النفط ملك الشعب، ولا يقبض هذا الشعب منه سوى العوادم، وباقي الآثار التي تسبب الأمراض إضافة لتلوث الأجواء، والفقر المدقع الذي يعيشه مواطن الجنوب، حاله حال بقية المحافظات .

دخل الإقليم بمجال ليس من إختصاصه، وليس من مشاريعهِ التي يتبناها فعلا، بل من خارج العراق، وهذا منحه مجالاً أكثر من حجمه، وعلاجه ليس مستعصيا، ويحق لحكومة المركز محاسبة أيَّ شخص كان، مهما كان منصبه وأصله وفصله وبالقانون، وإلا فهو العبث بعينه، وهذا يدل على ضعف أداء الحكومة الإتحادية.

المداخلة التي نقلتها القنوات لجلسة البرلمان، حول الموازنة وتصدير نفط الإقليم، والأموال المقبوضة سابقاً وحالياً، مع الأسف كانت مخيبة للآمال، من حيث تفاعل النواب معها.. وكأنها لا تهمهم وهم بعنوانهم يمثلون الشعب، الذي وضع ثقته بهم، وهذا يأخذنا لنتيجة واحدة لا غيرها، من أن هنالك إتفاقاً في الكواليس قد تم إتخاذُه دون علم الشعب، من باب (فيد وأستفيد).. وعلى هذا المنوال يبقى النفط نهباً للشخصيات والعوائل ...

الحكومة اليوم ننتظر منها تفعيل دور المحاسبة، وعدم خلط الأوراق وصنع هالات إشغال لصرف النظر عن المشاكل الأصلية، كذلك الدور الرقابي من المعارضين لفتح كل الملفات لنكون بالصورة، وبالخصوص مسألة الإقليم، وباقي الملفات المتعلقة بسرقة الأموال وتهريبها، والنفط والكهرباء، وإلا فلا يمكن المعالجة، وستغرق السفينة بمن فيها، وهنا الكارثة، وأمّا الإقليم فَهوَ خارج مِنطقة التغطية ...