مشروع تجاري
عمار العامري

عمار العامري

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بعد رحيل المرجع الاعلى الإمام الخوئي عام 1992، والمرجع السيد السبزواري عام 1993، برزت مرجعية السيد السيستاني كأحد مراجع التقليد لدى الشيعة الإمامية، مع وجود عدد من المراجع الثقات الاخرين.

إن الفترة (1994-2002) لم تشهد طرحاً لرؤيا السيد السيستاني السياسية، بما يتعلق في نظرية السلطة والحكم وادارة الدولة، لكن ربيع عام 2003 كان نقطة تحول في المشهد السياسي العراقي، بعد تغير النظام السابق في بغداد، وطرح الحاكم المدني في العراق فكرة تشكيل مجلس يتم اختيار اعضاءه بالتعيين من قبله، ومشاورة القوى السياسية بصفة خبراء بالقانون والسياسة لصياغة مشروع الدستور الجديد، ثم تطرح المسودة للاستفتاء الشعبي.

رفض السيد السيستاني المشروع الامريكي، قائلاً: (لابد أولاً اجراء انتخابات عامة، لكي يختار كل عراقي مؤهل للانتخابات من يمثله في مجلس تأسيسي لكتابة الدستور، ثم يجري التصويت العام على الدستور).

لأنه يرى لابد أن يكون الرأي للشعب العراقي في تحديد مستقبله، فأخذ يتواصل بشكل مباشر مع بعض رجالات الحكم، من اجل وضع مرتكزات النظام السياسي الجديد وأسس ومنطلقات قيام الدولة، واهمها دراسة (مبدأ الشورى والتعددية، والتداول السلمي للسلطة)، وايجاد نظام (يحترم اغلبية الشعب العراقي من المسلمين، وحماية حقوق الاقليات، وضمان مبدأ العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات) بين ابناء البلد الواحد.

ودعا الى اختيار مجلس منتخب من قبل الشعب في خطوة استراتيجية، تمهد الى إن تكون صيرورة القرار الوطني بيد العراقيين انفسهم، وعبر عن ذلك بقوله: (شكل العراق الجديد يحدده الشعب العراقي بجميع قومياته ومذاهبه، وإلية ذلك هي الانتخابات الحرة المباشرة).

جسد المرجع السيستاني بذلك نظرية (ولاية الامة على نفسها)، كأساس فقهي يعتمد النظرية الانسب للسلطة في العراق، وفقاً للأوضاع السياسية والاجتماعية والتوجهات الفكرية والثقافية، وما تقرره صناديق الاقتراع هو الفيصل.

مواظباً قبيل كل ممارسة انتخابية، ومن اجل تنضيج الحالة الديمقراطية، وتعزيز الانتقال السلمي للسلطة، ومنعاً لمصادرة إرادة العراقيين، اذ يؤكد دائماً على ايجاد: (قانون عادل للانتخابات، ومجلس من الاكفاء لإدارة الانتخابات)، وتوفر صفات في المرشحين أهمها: (الكفاءة والنزاهة والاخلاص للوطن).

وايضاً تبنى فكرة (الدولة المدنية) وليس (الدولة الاسلامية) في العراق، قائلاً: (واما تشكيل حكومة دينية على اساس ولاية الفقيه المطلقة فليس وارداً مطلقاً) رافضاً بالمطلق تصورات البعض إن الرجوع في الاستشارة والاستنارة الى المرجعية، يعنى بها إن القرار يصدر منها!! انما المرجعية العليا تقدم قراءات موضوعية للواقع، وفقاً للمباني الشرعية التي تصب في مصلحة الامة.

وبخصوص مشاركة رجال الدين في الوضع السياسي، يرى السيد السيستاني أن: (لا يصح أن يُزج رجال الدين في الجوانب الادارية والتنفيذية، انما ينبغي إن يقتصر دورهم على التوجيه والارشاد والاشراف)، وهذا يدل إنه لا يرغب أن تصدى (رجال دين) للأمور التي تدخل في التنفيذ والاجراءات الحكومية، لان سلبيات ذلك تنعكس على الحالة الدينية بكل ابعادها.

وبذلك؛ اختلف السيد السيستاني عن بقية مراجع الدين في النجف، الذين تبنوا لنظريات (الشورى، وولاية الفقيه، والولاية الخاصة) في السلطة، كون دراسته العميقة في الشأن العراقي، ونظرته التاريخية والاستشرافية، جعلته يتبنى نظرية (ولاية الامة على نفسها) مع بقاء المرجع الديني في موقع الموجه والناصح للجميع.

  •  
     

بعد رحيل المرجع الاعلى الإمام الخوئي عام 1992، والمرجع السيد السبزواري عام 1993، برزت مرجعية السيد السيستاني كأحد مراجع التقليد لدى الشيعة الإمامية، مع وجود عدد من المراجع الثقات الاخرين.

إن الفترة (1994-2002) لم تشهد طرحاً لرؤيا السيد السيستاني السياسية، بما يتعلق في نظرية السلطة والحكم وادارة الدولة، لكن ربيع عام 2003 كان نقطة تحول في المشهد السياسي العراقي، بعد تغير النظام السابق في بغداد، وطرح الحاكم المدني في العراق فكرة تشكيل مجلس يتم اختيار اعضاءه بالتعيين من قبله، ومشاورة القوى السياسية بصفة خبراء بالقانون والسياسة لصياغة مشروع الدستور الجديد، ثم تطرح المسودة للاستفتاء الشعبي.

رفض السيد السيستاني المشروع الامريكي، قائلاً: (لابد أولاً اجراء انتخابات عامة، لكي يختار كل عراقي مؤهل للانتخابات من يمثله في مجلس تأسيسي لكتابة الدستور، ثم يجري التصويت العام على الدستور).

لأنه يرى لابد أن يكون الرأي للشعب العراقي في تحديد مستقبله، فأخذ يتواصل بشكل مباشر مع بعض رجالات الحكم، من اجل وضع مرتكزات النظام السياسي الجديد وأسس ومنطلقات قيام الدولة، واهمها دراسة (مبدأ الشورى والتعددية، والتداول السلمي للسلطة)، وايجاد نظام (يحترم اغلبية الشعب العراقي من المسلمين، وحماية حقوق الاقليات، وضمان مبدأ العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات) بين ابناء البلد الواحد.

ودعا الى اختيار مجلس منتخب من قبل الشعب في خطوة استراتيجية، تمهد الى إن تكون صيرورة القرار الوطني بيد العراقيين انفسهم، وعبر عن ذلك بقوله: (شكل العراق الجديد يحدده الشعب العراقي بجميع قومياته ومذاهبه، وإلية ذلك هي الانتخابات الحرة المباشرة).

جسد المرجع السيستاني بذلك نظرية (ولاية الامة على نفسها)، كأساس فقهي يعتمد النظرية الانسب للسلطة في العراق، وفقاً للأوضاع السياسية والاجتماعية والتوجهات الفكرية والثقافية، وما تقرره صناديق الاقتراع هو الفيصل.

مواظباً قبيل كل ممارسة انتخابية، ومن اجل تنضيج الحالة الديمقراطية، وتعزيز الانتقال السلمي للسلطة، ومنعاً لمصادرة إرادة العراقيين، اذ يؤكد دائماً على ايجاد: (قانون عادل للانتخابات، ومجلس من الاكفاء لإدارة الانتخابات)، وتوفر صفات في المرشحين أهمها: (الكفاءة والنزاهة والاخلاص للوطن).

وايضاً تبنى فكرة (الدولة المدنية) وليس (الدولة الاسلامية) في العراق، قائلاً: (واما تشكيل حكومة دينية على اساس ولاية الفقيه المطلقة فليس وارداً مطلقاً) رافضاً بالمطلق تصورات البعض إن الرجوع في الاستشارة والاستنارة الى المرجعية، يعنى بها إن القرار يصدر منها!! انما المرجعية العليا تقدم قراءات موضوعية للواقع، وفقاً للمباني الشرعية التي تصب في مصلحة الامة.

وبخصوص مشاركة رجال الدين في الوضع السياسي، يرى السيد السيستاني أن: (لا يصح أن يُزج رجال الدين في الجوانب الادارية والتنفيذية، انما ينبغي إن يقتصر دورهم على التوجيه والارشاد والاشراف)، وهذا يدل إنه لا يرغب أن تصدى (رجال دين) للأمور التي تدخل في التنفيذ والاجراءات الحكومية، لان سلبيات ذلك تنعكس على الحالة الدينية بكل ابعادها.

وبذلك؛ اختلف السيد السيستاني عن بقية مراجع الدين في النجف، الذين تبنوا لنظريات (الشورى، وولاية الفقيه، والولاية الخاصة) في السلطة، كون دراسته العميقة في الشأن العراقي، ونظرته التاريخية والاستشرافية، جعلته يتبنى نظرية (ولاية الامة على نفسها) مع بقاء المرجع الديني في موقع الموجه والناصح للجميع.

  •  
     

كل إخطاء الحكومات في السنوات الماضية وأهمها؛ تفشي الفساد بإدارة مافيات متخصصة، والتدخلات الخارجية التي جعلت العراق ساحة للصراع الاقليمي، وتقاسم مساحات النفوذ في الوزارات بين الكتل السياسية، وخلفها منظومات مخابراتية دولية.. اختتمت بالحكومة الحالية التي هيمنت عليها الكتل الكبيرة، وسياسات عادل عبد المهدي التي لم تروق لإدارة البيت الابيض.

جعلت الشعب يخرج من جلبابه كاسراً فضاء الصمت، معبراً عن تطلعاته بالعيش بحياة كريمة، متمرداً على المألوف، متجاوزاً صراع القوى التي حكمت العراق لمدة 16 عاماً، والتي أقرت العديد من القوانين والقرارات على مقاساتها وحجومها الانتخابية.. وإن ذلك خضع لعدة إرادات حاولت التلاعب بإرادته الوطنية، حتى تمكنت المرجعية العليا من تحديد بوصلة الاهداف والمطالب الاستراتيجية.

وفي جولة جديدة وضعت المرجعية الدينية الاصبع على الجراح، لمعالجة (الازمة الكبيرة) كما أسمتها، مستكملةً مشروعها بإدارة الأمور، موجهةً الجميع نحو بيان سمات ما اطلقت عليها بــ(الاحتجاجات السلمية المطالبة بالإصلاح).. وأهمها؛ التأكيد على سلميّتها وخلوها من العنف والتخريب، وهذا يؤكد إن من يقوم بإعمال الشغب والحرق وأثارة الفوضى ليس سلمياً، إنما له مرآب وغايات معينة.

كما شددت المرجعية العليا على حُرمة الدم العراقي، وضرورة استجابة القوى السياسية للمطالب المُحقّة للمحتجّين.. وهذا يدل على توجيه النصح والارشاد للجهات الحكومية بـ(عدم) استباحة دم من يخالف السلطة القائمة، وإنما حرية التعبير كفلها الدستور.. بضمان تنفيذ المطالب من قبل القوى السياسية عامة، والخطاب واضح في هذه الفقرة؛ "ما تعاهدتم على تنفيذه لا يقبل التسويف والمماطلة".

فجاء بيت القصيد في بيان المرجعية... كل مطالب الشعب العراقي تنطلق من بوابة؛ (إنجاز قانون الانتخابات وقانون مفوضيّتها)، والتأكيد على هذين القانونين يأتي من باب الانتقال السلمي للسلطة، أي العراق بلد ديمقراطي.. ومتى ما اقرت فيه القوانين الصحيحة!! وتم تطبيقها بشكل أصح!! لم نصل الى مرحلة التأزم والفوضى، وسنغلق الباب أمام العابثين بمصير الشعب.

وعليه؛ وبعد دراسة تحركات القوى السياسية في الداخل، وما رافقها من تحرك ملحوظ للأمم المتحدة، وبعض القوى الدولية، وما جاء واضحاً في خطاب المرجعية الدينية، إن لا حل للازمة الحالية في العراق، الا بإجراء انتخابات مبكرة، وفقاً لقوانين تضمن حقوق العراقيين، وتضع حداً لهيمنة الاحزاب والتيارات الحالية التي حكمت البلاد.

خطاب غير مسبوق في توجيه المسار السياسي للقوى الحاكمة في البلاد ومن كل المكونات؛ هذا ما جاء في البيان المرجعية الدينية العليا.. والتي وصفت الاحتجاجات القائمة انها (معركة الاصلاح)، وفي ذلك تأكيد وشرعية لما يقوم به الشعب العراقي.. واسمتها بـ(المعركة الوطنية)، مع الاشارة، إن العراقيون هم من يتحملون اعباءها الثقيلة.

حيث رفضت المرجعية الدينية بشدة واستخدمت؛ (لا يجوز) السماح بأن يتدخل بالاحتجاجات أي طرف خارجي بأي اتجاه، وهذا اشارات واضحة لجهات معينة، ولسان حالها يقول؛ نحن بوصلة الامة وقطب الوطن، وأكدت؛ إن توجيهاتنا لمن يلتزم بها، وهم الغالبية الوطنية من الشعب العراقي؛ (أنّ التدخلات الخارجية المتقابلة تنذر بمخاطر كبيرة، بتحويل البلد الى ساحة للصراع وتصفية الحسابات بين قوى دولية واقليمية).

إن الاسباب الموجبة للخروج في الاحتجاجات الا وهي؛ (المطالبة بالإصلاح) وهو الطريق الافضل للخلاص من (الفساد المتفاقم، والخراب المستشري) على جميع الاصعدة، وهذا ما تقوم فيه القوى الحاكمة ـمن مختلف المكونات بالتوافق-  والتي جعلت الوطن مغانم يتقاسمونها فيما بينهم، وتغاضي بعضهم عن فساد البعض الآخر، واستنكرت قائلةً؛ اصبح من المتعذر على المواطنين الحصول على أدنى مستلزمات العيش الكريم بالرغم من وجود الموارد المالية الوافية بالبلد.

كما حذرت في لهجة تصعيدية، وبتهديد واضح بالقول الفصل؛ (واذا كان من بيدهم السلطة يظنون أنّ بإمكانهم التهرب من استحقاقات الإصلاح الحقيقي بالتسويف والمماطلة فإنهم واهمون)، ويعد انذار نهائي!! وجرس الفرصة الاخيرة لمن لهم الخطاب وتقصد (من بيدهم السلطة) الآن!! مؤكدةً؛ إن كل أساليب (التسويف والمماطلة) لا تنفع، متوعدةً ذلك باستخدامها مفردة (إذ) لن يكون ما بعد هذه الاحتجاجات كما كان قبلها في كل الأحوال، واردفت القول (فليتنبهوا الى ذلك)!!.

إن المرجعية الدينية العليا ساندت الاحتجاجات منذ انطلاقتها، واكدت على الالتزام بسلميتها، وخلوها من العنف بكل اشكاله، وترفض ما حدث ويحدث من ممارسات؛ قتل متعمد وحرق واضرار بالممتلكات العامة والخاصة، واستمرت في إدانتها للاعتداء على المتظاهرين السلميين، وعلى القوات الأمنية، والمنشآت الحكومية والممتلكات الخاصة.. وفي الجانب الشرعي اوجبت (ملاحقة ومحاسبة كل من تورّط في شيء من هذه الاعمال) بقولها (يجب)، وقالت ايضاً (لا يجوز) التساهل في الملاحقة اولئك، لتنذر كل من ارتكب عملاً منافي خلال الاحتجاجات في الايام السابقة واللاحقة.

كما تحديداً للمطالب، فالمرجعية العليا حددت قسمين من المطالب وهي الآنية والاستراتيجية؛ اما الآنية فهما مطلبين اساسيين؛ (إقرار قانون منصف للانتخابات) و(إقرار قانون جديد  للمفوضية)، مشترطةً بالأول؛ إعادة ثقة المواطنين بالعملية السياسية، وأن يكون مقبولاً وذو جدوى منه.. اما شرطها بالمطلب الثاني؛ فإنه يوثق بالحياد والمهنية ويعزز المصداقية والقبول الشعبي.

اما المطالب الاستراتيجية؛ فإن المرجعية الدينية حدد اربع مطالب اساسية: الاول؛ دعوة الى ملاحقة كبار الفاسدين.. الثاني؛ استرجاع الاموال المنهوبة منهم، -والتي تم استثمارها في الداخل وفي بعض الدول العربية والاجنبية، فضلاً عن هيمنة الفاسدين على الاستثمارات العراقية في الخارج-. الثالث؛ الغاء الامتيازات المجحفة الممنوحة لفئات معينة.. الرابع؛ الابتعاد عن المحاصصة والمحسوبيات في تولي الدرجات الخاصة، ما يعني حرمان الكفاءات والنخب الوطنية من استحقاقاتها الوظيفية.

   وبذلك قالت المرجعية الدينية قولها.. وقولها هو الفيصل؛ نحن مع الاحتجاجات السلمية، مع رفضنا لكل اعمال العنف، ورفضنا التدخلات الخارجية بكل تفاصيلها، وتطالب ببعض القوانين كإجراءات حسنة نية من قبل القوى الحاكمة، والا فأن الطاولة ستقلب على كل كذاب اشر.

  •  
     

ليس نحن ممن يتعامل مع هوامش الامور ولا من يصدر الكلام جزافاً، التاريخ يحدثنا إن اكثر من تعرضوا للاستهداف بسبب اراءهم السياسية هم ابناء الإمام الحكيم، لاسيما مهدي الحكيم وشهيد المحراب وعبدالعزيز الحكيم وعمار الحكيم.

ما يخصنا هو المقالات غير موضوعية، التي تحمل عناوين باطلة ملئها الكذب والتدليس، وحينما تركز بمحتواه وتركيبة عباراتها تجدها تعود لشخصيات معروفة التوجه والاسلوب، تتستر بأسماء وهمية، تحاول دائماً استهداف السيد الحكيم وتيار الحكمة الوطني، نتشر مؤخراً مقال يحمل عنوان (اصطلاحات تيار الحكمة) لذات الشخص المتستر (ضياء الدين عبد الحق)، والذي يعتمد في معلوماته على خفافيش الكروبات، التي تقوم بنسج مغالطات يحولها الكاتب الى قصص تراجيدية غايته تضليل الراي العام.

لا نسعى لتفنيد تلك الاصطلاحات المشوشة كونها اساساً غير موجودة في ادبيات تيار الحكمة اصلاً، ولا تستخدم في مناهجه الفكرية والسياسية، كون الجميع يعرف الحكيم واضح السريرة، وخير من يمثل مدرسة شهيد المحراب فكرياً وسياسياً، لكن لابد من الوقوف على بعض الامور لتعرية الاساليب التي تحاول توجيه اتهامات تمس الجوانب الفكرية والسياسية لتيار الحكمة، اذ إن الحقيقة لا يغطيها غربال، وكأنما هم يمثلون خط التشيع ونحن بسكوتنا لا نمثل التشيع.

أول تلك التناقضات التي جاءت في المقال؛ هو التيار العماري المصطلح الذي لا نجد له حقيقة واقعية، فيغالط الكاتب نفسه قائلاً؛ ((كان ياتمر بامر عمار وينتهي بنواهية في الجانب السياسي والاداري والمالي))، ويأتي متابعاً ليناقض نفسه بالقول؛ ((وفي المنظومة الايديولوجية والاعلامية فانهم احرار فيما يقولون ويرون ويفكرون)) ونحن نقول أن الاساس الفكري والسياسي والاعلامي لتيار الحكمة يوجه من خلال فريق من الشباب المثقف شيعياً، والمتمسك بالمرجعية فكرياً، والمعرف بأسمائه الصريحة؛ مدافعين عن الاسلام والتشيع، والمرجعية العليا، وتوجهات تيار الحكمة الوطني.

اما ثاني التناقضات؛ الاتهامات التي توجه لأبناء الحكمة باستخدامهم مفردة (البندقية المأجورة)، والتي لا نجد لها حقيقة في الواقع، لكن يبدو إن عدم الثقة التي يعيشها الكاتب وخلفه ممن لا يملكون البُعد العقيدي والامتداد الفكري، تجدهم مصابون بــ(عقدة التنافس غير المحمود) اذ يوجهون اصابع الاتهام لكل من ينافسهم سياسياً وانتخابياً، ولا ينظرون للإبعاد الفكرية والسياسية وأواصر الاخوة، انما يحاولون زرع الفتن بين ابناء العقيدة والوطن.

اما ثالث التناقضات؛ فيعتمد الكاتب على تقرير صحفي بريطاني يحاول إن صدقت حقيقة وجوده على خلق فجوة شيعية- شيعية، هدفه دق اسفين الفرقة بين شيعة العراق، فتجد ممن يبحثون عن المخالطات ويتعكزون عليها، متجاهلين المواقف الوطنية والسياسية والعقائدية للسيد عمار الحكيم؛ والتي لم نجد لها مثيل بين قادة العراق وساسته.

فالسيد الحكيم أول من حذر من اجتياح داعش للعراق عام 2014 قبل اكثر من ستة اشهر، وتحدى أجرامهم وذلك بقوة الايمان بالله وعزيمة العراقيين، حينما قال؛ (إن لنا مع داعش صولة كصولة عمنا العباس) وفعلاً تحقق ذلك، وأشد من وقف بوجه مشروع استقلال كردستان، مصرحاً من القاهرة؛ (إن المشروع تقف خلفه اسرائيل)، ولم نجد من صرح او وقف هكذا موقف، والحكيم أول من تفهم نتيجة الصراع الاقليمية، ودعا؛ (أن يكون العراق جسراً للتواصل لا ساحة للحرب)، ولم يسبقه احد بذلك.

 ربما لا يتفق الكثير إن الاسلام الاصيل متمثلاً بالتشيع هو الاكثر استهدافاً منذ عصر الرسالة الاول، وإن كل الحكومات التي أعقبت دولة الرسول الاكرم، حاربت التشيع وكافحت جذوره واضطهدت رجاله.

   ما يهمنا دراسة اوضاع شيعة العراق في التاريخ المعاصر، وتحديداً بعد الاحتلال البريطاني للعراق عام 1914، مقارنةً باجتياح عصابات داعش للعراق صيف 2014، مئة عام من التحدي الفكري والعقائدي والسياسي.

   شيعة العراق كانوا اكثر مظلومية من قبل حكومة الدولة العثمانية، لكنهم استنهضوا بفتوى المرجعية العليا لمواجهة طلائع القوات البريطانية الغازية، التي وصلت موانئ البصرة، وبعد ست سنوات من الصراع بين الطرفين، اندلعت شرارة ثورة العشرين، استند الشيعة فيها الى (معادلة ثلاثية الابعاد) مثلت عواملها الرئيسة:

اولاً: المرجعية الدينية -إجازة المشاركة في الجهاد والثورة-.

ثانياً: العشائر العراقية -لبى رجالها الفتوى وقدموا التضحيات-.

ثالثاً: القوة الساندة -قدمت الدعم والاسناد متمثلة بالتجار والصناعيين-.

   خسر الشيعة ثورة 1920 عسكرياً وخسروا الدولة سياسياً، بعدما تصدرت بريطانيا المشهد في العراق، وضعت خطة استراتيجية، مكون من ثلاث مراحل متتالية لاستهداف التشيع، كان أولها ترشيح فيصل ملكاً للعراق، متصفاً بـــــ(جذوره الهاشمية الاكثر تأثيراً بالأوساط الشيعية، والسمة العشائرية السائدة والحاكمة، والخبرة السياسية، والولاء لبريطانيا).

   نجح الحكم الملكي إبان الفترة (1921-1958) في ترويض ما يقارب 90% من رؤساء العشائر بطريقة الترغيب، حيث اصبحوا أعضاءً في مجلسي النواب والاعيان، ويتمتعون بامتيازات جعلتهم يدينون بالولاء للملك ويفرطون بطاعتهم للمرجعية، نجح الانكليز في تنفيذ الجزء الاول من خطتهم، وهو تحييد دور رجال العشائر.

   بعد نفاد صلاحية الحكم الملكي وانتهاء دوره، جاء مخطط ضرب العامل الثاني للمعادلة المتمثل بـــ(الجانب الاقتصادي)، كان المخطط إن يلعب الحزب الشيوعي دور المنفذ من خلال اطروحته الاشتراكية للسيطرة على الثروات الاقتصادية، خاصة التي يمتلكها رجال الشيعة المواليين للمرجعية الدينية.

   الا إن الصراع بين الشيوعيين والقوميين بعد عام 1958 رجح كفة القوميين، وبسبب فشل عبدالكريم قاسم بمهامه حل محله عبدالسلام عارف بانقلاب 1963، الذي كان اكثر عنصرية وتطرفاً في سياسته، قام الأخير بتأميم الاقتصاد الحر (التجارة والصناعة) خاصة ببغداد، التي يمتلك الشيعة لاسيما (الكرد الفيلين) 70% من رؤوس اموال العاصمة، تم بذلك تقويض الدعم المالي للمرجعية الدينية في النجف الاشرف.

   عند انهاء الدعم العشائري والاقتصادي للمرجعية الشيعية، استعدت بريطانيا لتنفيذ المرحلة الثالثة من خطتها، وهي استهداف المرجعية العليا مباشرةً، التي كانت متمثلة بالإمام محسن الحكيم، كونها تعد العامل الاهم في المعادلة، لأجل ذلك جاء الانكليز بالبعث عبر انقلاب 1968، وضع البعثيون بعد (8) اشهر من انقلابهم مخطط (مكافحة الرجعية)، قاصدين به ضرب أركان المرجعية الشيعية.

   بدأ الصراع يحتدم بين المرجعية الدينية وحكومة البعث، لكن المرجع الحكيم فاجئهم حينما قاد تحركاً شعبياً من النجف الى بغداد محاولاً التصدي للمشروع البريطاني-البعثي، فسارع البعثيون بتوجيه ضربة قاصمة للشيعة عامة والمرجعية الخاصة، باتهامهم السيد مهدي نجل الإمام الحكيم بمحاولة قلب نظام الحكم بالتعاون مع جهات خارجية، استطاع بذلك الانكليز تحطيم المعادلة الشيعية والقضاء عليها.

   استمرت هيمنة القوى الخارجية على المشهد السياسي في العراق، تحولت الادارة الحاكمة عالمياً من التاج البريطاني الى البيت البيض الامريكي، اللذان سعا الى تجفيف عوامل قوة الشيعة داخل العراق، الا إن القوى الشيعية السياسية المهاجرة الى الخارج لم تستسلم لتلك المخططات، التي احيكت ضدها ما يزيد على ثلاثة عقود خلت.

   نسقت المؤسسات الدينية والسياسية داخل البلد وخارجه الامور فيما بينها، من اجل استمرار كفاحهم، والدفاع عن كيانهم، وحفظ هويتهم، وتنمية وعي جمهورهم، وتطوير فكرهم السياسي.

   بعد تغيير النظام عام 2003، بدء الوجود الشيعي يتعافى داخلياً، والفكر السياسي الشيعي ينضج مجدداً، استطاعت القوى الشيعية مسك زمام المبادرة، واعادة ضبط اسس المعادلة.

   وضع الامريكان مخططاً لمواجهة التشيع وتحطيم معادلة بناءه السياسي في عراق بعد نهاية البعث، مع مراعاة الوقت، باشروا بتنفيذ الخطة رقم (1) الهادفة الى تصفير العملية السياسية من خلال الاتي:

1.  محاولة اشعال فتيل الحرب الاهلية.

2.  خلق اضطرابات بين الشيعة انفسهم.

3.  ايجاد مرجعيات دينية عميلة.

4.  شن حملات للاستهداف رموز التشيع.

5.  ايجاد جيل مناهض لفكر وتاريخ التشيع.

   بعد ذلك باشرت القوى الخارجية بتنفيذ الخطة رقم (2) التكميلية بإدخال عصابات داعش الى العراق صيف 2014، كان مخططاً لها اجتياح المحافظات الشيعية، وتدمير المدن المقدسة، واحداث مجازر بشرية بالسكان، الا إن الارادة الشيعية الواعية كانت حاضرة فاستطاعة قلب الطاولة عليهم، والتصدي للمشروع المناهض للتشيع والوطن معاً، من خلال الاتي:

1.  صدور فتوى الجهاد الكفائي -كانت المرجعية العليا صاحبة امتياز فيها-.

2.  استنهاض الشباب الشيعي -الذين تحملوا 90% من التضحيات-.

3.  الدعم والاسناد الداخلي والخارجي.

   بعد ثلاث سنوات ونصف من الحرب، وما رافقها من تضحيات جسام، واراقة دماء الالاف بين شهيد وجريح، واستنزاف الثروات الوطنية، انتصروا الشيعة عسكرياً لكن لم ينتصروا سياسياً، وتحقق ذلك بـــ(معادلة الانتصار ثلاثية الابعاد)، اصبح التشيع اكثر استهدافاً من ذي قبل.

   بدأت الولايات المتحدة تنفيذ الخطة رقم (3)، استكمالاً للمرحلتين السابقتين التي نوهت المرجعية اليها، من خلال اللقاءات الخاصة وخطب الجمعة، واشارت "أن المرحلة القادمة ستكون حرباً حضارية -فكرياً وثقافياً وعقائدياً واخلاقياً-"، وحذرت من "انعدام الحياء الفكري والعلمي"، وهذا ما اتضح تنفيذه بعد صيف 2015 كالاتي:

1.  دعم اطروحة الالحاد بشكل واسع، خاصة في اوساط طلبة الجامعات والمثقفين غير الدينيين.

2.  دعم الواجهات الشيعية -الشخصيات الدينية والسياسية- المتقاطعة فكرياً مع مرجعية العليا.

3.  دعم الفعاليات السياسية والاجتماعية لمواجهة التيارات الوطنية التي لا تأتمر امريكياً.

4.  دعم بعض الشخصيات سياسياً واعلامياً سعياً لإسقاط هيبة الرموز الدينية والسياسية الشيعية.

5.  دق اسفين الفرقة بين شيعة العراق الموالين لمرجعية النجف والشيعة الموالين لولاية الفقيه.

   مارس الامريكان سياسة الحرب الناعمة باستخدامهم برامج (السوشل ميديا) السلاح الاكثر تأثيراً في الاوساط الشعبية، من خلال بث الاشاعات، وترويج الاكاذيب، وتهويل الاحداث، واشغال الشباب، فأثمرت تلك الحرب في ارتفاع نسب الانحرافات الفكرية والعقائدية خاصة في جامعات المدن الشيعية، وزيادة ظواهر التراجع الاخلاقي في المجتمع.

   استطاعت بذلك القوى الخارجية من تحطيم الاسوار الدفاعية للتشيع في العراق، من خلال تنفيذ خطتها الثلاثية، ما يجعل المرجعية العليا تبدو وكأنما حاسرة الرأس مباشرة في مرمى الاستهداف الداخلي والخارجي.

   الا إن القوى والمؤسسات الشيعية على مدى خط التاريخ لم نجدها استسلمت لنتائج الحرب، رغم الازمات التي تضرب اطنابها في عمق التشيع محاولةً التركيز على مفردات -الفكر والعقيدة والوعي- لدى الفرد الشيعي، وإن الشيعة لم يبرحوا حتى ينتفضوا مدافعين عن كيانهم، محامين عن هويتهم -الفكرية والعقائدية-، مضحين من اجل وطنهم.

   اذ إن المبادئ التي يتمسك بها الشيعة لاسيما –الامامية- كفيلة للتغلب على شرور الحرب بمختلف توصيفاتها، إذا ما تكاتفوا وتوحدوا وتمسكوا بالمرجعية الدينية الصالحة، وركزوا على اهداف العدو وغاياته، ودعموا نقاط القوة وعالجوا مواطن الضعف لدى شيعة العراق تحديداً، واعادوا ترتيب اوراقهم الداخلية بشكل موضوعي، بعيداً عن الرؤى والتصورات الضيقة، مستعينين بكل ما لديهم من قوى وشخصيات واعية ومخلصة ومؤثرة.