مشروع تجاري
عمار العامري

عمار العامري

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 ربما لا يتفق الكثير إن الاسلام الاصيل متمثلاً بالتشيع هو الاكثر استهدافاً منذ عصر الرسالة الاول، وإن كل الحكومات التي أعقبت دولة الرسول الاكرم، حاربت التشيع وكافحت جذوره واضطهدت رجاله.

   ما يهمنا دراسة اوضاع شيعة العراق في التاريخ المعاصر، وتحديداً بعد الاحتلال البريطاني للعراق عام 1914، مقارنةً باجتياح عصابات داعش للعراق صيف 2014، مئة عام من التحدي الفكري والعقائدي والسياسي.

   شيعة العراق كانوا اكثر مظلومية من قبل حكومة الدولة العثمانية، لكنهم استنهضوا بفتوى المرجعية العليا لمواجهة طلائع القوات البريطانية الغازية، التي وصلت موانئ البصرة، وبعد ست سنوات من الصراع بين الطرفين، اندلعت شرارة ثورة العشرين، استند الشيعة فيها الى (معادلة ثلاثية الابعاد) مثلت عواملها الرئيسة:

اولاً: المرجعية الدينية -إجازة المشاركة في الجهاد والثورة-.

ثانياً: العشائر العراقية -لبى رجالها الفتوى وقدموا التضحيات-.

ثالثاً: القوة الساندة -قدمت الدعم والاسناد متمثلة بالتجار والصناعيين-.

   خسر الشيعة ثورة 1920 عسكرياً وخسروا الدولة سياسياً، بعدما تصدرت بريطانيا المشهد في العراق، وضعت خطة استراتيجية، مكون من ثلاث مراحل متتالية لاستهداف التشيع، كان أولها ترشيح فيصل ملكاً للعراق، متصفاً بـــــ(جذوره الهاشمية الاكثر تأثيراً بالأوساط الشيعية، والسمة العشائرية السائدة والحاكمة، والخبرة السياسية، والولاء لبريطانيا).

   نجح الحكم الملكي إبان الفترة (1921-1958) في ترويض ما يقارب 90% من رؤساء العشائر بطريقة الترغيب، حيث اصبحوا أعضاءً في مجلسي النواب والاعيان، ويتمتعون بامتيازات جعلتهم يدينون بالولاء للملك ويفرطون بطاعتهم للمرجعية، نجح الانكليز في تنفيذ الجزء الاول من خطتهم، وهو تحييد دور رجال العشائر.

   بعد نفاد صلاحية الحكم الملكي وانتهاء دوره، جاء مخطط ضرب العامل الثاني للمعادلة المتمثل بـــ(الجانب الاقتصادي)، كان المخطط إن يلعب الحزب الشيوعي دور المنفذ من خلال اطروحته الاشتراكية للسيطرة على الثروات الاقتصادية، خاصة التي يمتلكها رجال الشيعة المواليين للمرجعية الدينية.

   الا إن الصراع بين الشيوعيين والقوميين بعد عام 1958 رجح كفة القوميين، وبسبب فشل عبدالكريم قاسم بمهامه حل محله عبدالسلام عارف بانقلاب 1963، الذي كان اكثر عنصرية وتطرفاً في سياسته، قام الأخير بتأميم الاقتصاد الحر (التجارة والصناعة) خاصة ببغداد، التي يمتلك الشيعة لاسيما (الكرد الفيلين) 70% من رؤوس اموال العاصمة، تم بذلك تقويض الدعم المالي للمرجعية الدينية في النجف الاشرف.

   عند انهاء الدعم العشائري والاقتصادي للمرجعية الشيعية، استعدت بريطانيا لتنفيذ المرحلة الثالثة من خطتها، وهي استهداف المرجعية العليا مباشرةً، التي كانت متمثلة بالإمام محسن الحكيم، كونها تعد العامل الاهم في المعادلة، لأجل ذلك جاء الانكليز بالبعث عبر انقلاب 1968، وضع البعثيون بعد (8) اشهر من انقلابهم مخطط (مكافحة الرجعية)، قاصدين به ضرب أركان المرجعية الشيعية.

   بدأ الصراع يحتدم بين المرجعية الدينية وحكومة البعث، لكن المرجع الحكيم فاجئهم حينما قاد تحركاً شعبياً من النجف الى بغداد محاولاً التصدي للمشروع البريطاني-البعثي، فسارع البعثيون بتوجيه ضربة قاصمة للشيعة عامة والمرجعية الخاصة، باتهامهم السيد مهدي نجل الإمام الحكيم بمحاولة قلب نظام الحكم بالتعاون مع جهات خارجية، استطاع بذلك الانكليز تحطيم المعادلة الشيعية والقضاء عليها.

   استمرت هيمنة القوى الخارجية على المشهد السياسي في العراق، تحولت الادارة الحاكمة عالمياً من التاج البريطاني الى البيت البيض الامريكي، اللذان سعا الى تجفيف عوامل قوة الشيعة داخل العراق، الا إن القوى الشيعية السياسية المهاجرة الى الخارج لم تستسلم لتلك المخططات، التي احيكت ضدها ما يزيد على ثلاثة عقود خلت.

   نسقت المؤسسات الدينية والسياسية داخل البلد وخارجه الامور فيما بينها، من اجل استمرار كفاحهم، والدفاع عن كيانهم، وحفظ هويتهم، وتنمية وعي جمهورهم، وتطوير فكرهم السياسي.

   بعد تغيير النظام عام 2003، بدء الوجود الشيعي يتعافى داخلياً، والفكر السياسي الشيعي ينضج مجدداً، استطاعت القوى الشيعية مسك زمام المبادرة، واعادة ضبط اسس المعادلة.

   وضع الامريكان مخططاً لمواجهة التشيع وتحطيم معادلة بناءه السياسي في عراق بعد نهاية البعث، مع مراعاة الوقت، باشروا بتنفيذ الخطة رقم (1) الهادفة الى تصفير العملية السياسية من خلال الاتي:

1.  محاولة اشعال فتيل الحرب الاهلية.

2.  خلق اضطرابات بين الشيعة انفسهم.

3.  ايجاد مرجعيات دينية عميلة.

4.  شن حملات للاستهداف رموز التشيع.

5.  ايجاد جيل مناهض لفكر وتاريخ التشيع.

   بعد ذلك باشرت القوى الخارجية بتنفيذ الخطة رقم (2) التكميلية بإدخال عصابات داعش الى العراق صيف 2014، كان مخططاً لها اجتياح المحافظات الشيعية، وتدمير المدن المقدسة، واحداث مجازر بشرية بالسكان، الا إن الارادة الشيعية الواعية كانت حاضرة فاستطاعة قلب الطاولة عليهم، والتصدي للمشروع المناهض للتشيع والوطن معاً، من خلال الاتي:

1.  صدور فتوى الجهاد الكفائي -كانت المرجعية العليا صاحبة امتياز فيها-.

2.  استنهاض الشباب الشيعي -الذين تحملوا 90% من التضحيات-.

3.  الدعم والاسناد الداخلي والخارجي.

   بعد ثلاث سنوات ونصف من الحرب، وما رافقها من تضحيات جسام، واراقة دماء الالاف بين شهيد وجريح، واستنزاف الثروات الوطنية، انتصروا الشيعة عسكرياً لكن لم ينتصروا سياسياً، وتحقق ذلك بـــ(معادلة الانتصار ثلاثية الابعاد)، اصبح التشيع اكثر استهدافاً من ذي قبل.

   بدأت الولايات المتحدة تنفيذ الخطة رقم (3)، استكمالاً للمرحلتين السابقتين التي نوهت المرجعية اليها، من خلال اللقاءات الخاصة وخطب الجمعة، واشارت "أن المرحلة القادمة ستكون حرباً حضارية -فكرياً وثقافياً وعقائدياً واخلاقياً-"، وحذرت من "انعدام الحياء الفكري والعلمي"، وهذا ما اتضح تنفيذه بعد صيف 2015 كالاتي:

1.  دعم اطروحة الالحاد بشكل واسع، خاصة في اوساط طلبة الجامعات والمثقفين غير الدينيين.

2.  دعم الواجهات الشيعية -الشخصيات الدينية والسياسية- المتقاطعة فكرياً مع مرجعية العليا.

3.  دعم الفعاليات السياسية والاجتماعية لمواجهة التيارات الوطنية التي لا تأتمر امريكياً.

4.  دعم بعض الشخصيات سياسياً واعلامياً سعياً لإسقاط هيبة الرموز الدينية والسياسية الشيعية.

5.  دق اسفين الفرقة بين شيعة العراق الموالين لمرجعية النجف والشيعة الموالين لولاية الفقيه.

   مارس الامريكان سياسة الحرب الناعمة باستخدامهم برامج (السوشل ميديا) السلاح الاكثر تأثيراً في الاوساط الشعبية، من خلال بث الاشاعات، وترويج الاكاذيب، وتهويل الاحداث، واشغال الشباب، فأثمرت تلك الحرب في ارتفاع نسب الانحرافات الفكرية والعقائدية خاصة في جامعات المدن الشيعية، وزيادة ظواهر التراجع الاخلاقي في المجتمع.

   استطاعت بذلك القوى الخارجية من تحطيم الاسوار الدفاعية للتشيع في العراق، من خلال تنفيذ خطتها الثلاثية، ما يجعل المرجعية العليا تبدو وكأنما حاسرة الرأس مباشرة في مرمى الاستهداف الداخلي والخارجي.

   الا إن القوى والمؤسسات الشيعية على مدى خط التاريخ لم نجدها استسلمت لنتائج الحرب، رغم الازمات التي تضرب اطنابها في عمق التشيع محاولةً التركيز على مفردات -الفكر والعقيدة والوعي- لدى الفرد الشيعي، وإن الشيعة لم يبرحوا حتى ينتفضوا مدافعين عن كيانهم، محامين عن هويتهم -الفكرية والعقائدية-، مضحين من اجل وطنهم.

   اذ إن المبادئ التي يتمسك بها الشيعة لاسيما –الامامية- كفيلة للتغلب على شرور الحرب بمختلف توصيفاتها، إذا ما تكاتفوا وتوحدوا وتمسكوا بالمرجعية الدينية الصالحة، وركزوا على اهداف العدو وغاياته، ودعموا نقاط القوة وعالجوا مواطن الضعف لدى شيعة العراق تحديداً، واعادوا ترتيب اوراقهم الداخلية بشكل موضوعي، بعيداً عن الرؤى والتصورات الضيقة، مستعينين بكل ما لديهم من قوى وشخصيات واعية ومخلصة ومؤثرة.

تفردت بعض الكتل السياسية بعملية توزيع وإدارة ملف الوزارات الحكومية، وانتقلت الى ملفات اخرى، محاولةً منها لفرض اراداتهما على رئيس الوزراء، وتهميشاً للكتل السياسية الاخرى، ما ادى الى ارسال رسائل مشفرة بالانقلاب على الوضع الحالي في حالة عدم تحقيق رغباتها، وحصولها على مكاسب حكومية منها ما فشلت في نيلها سابقاً.

 

   وصلت تلك الرسائل المتطرفة، وظهر في طياتها تلميحات باستخدام الشارع ذريعة لتحقيق غايات معينة، بإطلاق اتهامات غير واقعية؛ منها ضعف رئاسة الوزراء، وعدم تنفيذ طموحات الشارع، متجاهلين إن اغلب ما يتهم به عبد المهدي جاء نتيجة عرقلتهم اكمال كابيتنه الحكومية، وابتزاز بعض وزرائه، ومحاولة الاستحواذ على ما تبقى من  مواقع.

 

   رئيس الوزراء على ما يبدو اخذ يخطو خطوات ناجحة، تتسم بالعقلانية والحكمة، لاسيما في تقديم القوانين الخاصة في بناء الدولة، وطرح المشاريع الاستراتيجية واهمها معالجات ازمة السكن، والانفتاح في السياسة الخارجية ذات الايجابية على البلد في مجالات الاقتصاد والامن والثقافة وغيرها، الامر الذي زرع تفاؤلاً خارجياً وداخلياً بوجود عبد المهدي على رأس الفريق الحكومي العراقي.

 

   الفترة التي مضت من عمر الحكومة على قصرها، وتحقيقها لخطوات تصب في المصلحة العليا للبلاد، يبدو انها لم تحظى بقناعاتهم لانهم يريدون أن يكون زمام الامور بأيديهم، وإن ما يسير عليه رئيس الوزراء من سياسة موضوعية ومنفتحة، وباعثة للأمل في نفوس العراقيين، لا تحقق مصالحهم الحزبية، حيث ثبت واقعياً؛ إن لا وطن اولاً قبل مصالحهم.

 

   تهديد هؤلاء بتحريك الشارع في الصيف القادم، بات ورقة مستهلكة لركوب الموجة، فالشارع لم يعد مغفلاً، ولن يكون اداة لتدمير بلده وحرقه مرة أخرى، فالصيف لن يخيف المخلصين العاملين لأجل العراق، والنار ستحرق الفاسدين والنفعيين واصحاب المآرب الخاصة، ممن افتضحت نواياهم الفاسدة، وبانت عورات اساليبهم، التي كلما افتضح مشروع طرد عنصر فاسد على رؤوس الاشهاد.

 

    المسؤولية تحتم على رئيس الوزراء إبراز جهوده الرامية لإعادة هيبة العراق، ووضع الأسس الحقيقية لبناء الدولة، وإقناع المواطن العراقي بواقعية برنامجه.. والمسؤولية الاخرى تقع على عاتق الشارع الواعي والمثقف، أن لا يقع فريسة مرة أخرى للشعارات غير الصادقة، المسؤولية الثالثة والأهم تتحملها التحالفات السياسية بدعمها للبرامج الحكومي وخطواته الناجعة، بما يخدم مصالح المواطنين، والابتعاد عن التجاذبات وكشف مافيات الفساد كافة.

حديث دار بين اصدقاء، تناولوا فيه ماهية الرؤية المستقبلية اذا ما حققت الجهة الفلانية اغلبية برلمانية، واصبحت المقاليد بيدها، تفاجئ الجميع من جواب صاحبهم المتغطرس الميال في آرائه لتلك الجهة، حيث قال: (اذا قال فلان قال الجميع)، الكلمة المستوحاة كما تعرفون من ثقافة وفكر حزب البعث، هكذا الحقيقة يا سادة.

 

هكذا يفكر سنان العزاوي، الذي ينطلق من السياسة لفرض آرائه على الثقافة، متجاهلاً انه انطلق من الثقافة اصلاً، وكان ينادي بتحرير الثقافة من السياسة، ولكن يبدو إن انغماسه فيها انساه متبنياته الثقافية، فراح يغرد خارج اسراب المثقفين في خطة مبرمجة لتسخير الثقافة من اجل السياسة، وتجريدها من دورها لإرضاء اسياده.

 

النشيد الوطني الذي أصبح اغلبية العراقيين لا يتحمسون له، لعدة اسباب اهمها؛ إن السياسة اكلت كل شيء، وبات الساسة يتدخلون في ابسط الامور، حتى وصل الحال ببعضهم بفرض آرائه في الثقافة والاقتصاد والقضاء والتعليم، لا لأجل الرقي والنهوض بتلك المجالات وغيرها، ممن اكل الفساد عليها وشرب، انما من اجل أن يقال إن فلان فعل كذا وكذا، وكما تتذكرون فعلة الطاغية صدام عندما نحت اسمه على احجار بابل الاثرية هذا أنموذج.

 

منذ عام 2003 والى الآن وسوف يستمر حراك النواب، وكل دورة انتخابية تطرح نشيد يسمى "وطنياً"، لكنه نشيد الاقوى تحت قبة البرلمان، حتى وصل المطاف بأن يقود فنان معروف التاريخ والسيرة الناصية ليحاول فرض ما يحلو له، فيما يقال عنه نشيد العراق، فمن نشيد فيصل الثاني وعبدالكريم والعارف وصدام الى موطني، ناهيك عن نشيد بلبول وقصته امام هتلر، ليعود الينا بلبول من جديد ليغرد نشيداً للوطن، ويحاول فرضه بقوة الصراخ.

 

نشيدك يا عراق في ضمائر المخلصين من ابنائك، والهامك الوطني ينبض في عروق الشرفاء من اهلك، جيل غدى وجيل يأتِ وبعده اجيال، لا نظن وليس جزماً، اذا بقي الوضع على ما هو عليه في البرلمان، فعذراً وطن الامجاد لا ننشد لك نشيد، ولن تردد المدارس كل خميس كلمات الولاء، ربما في كل موسم سيردد طلبتنا "بلي يبلبول بلي.. ما شفت عصفور بلي.. ينكر الطاسة بلي...".

 تطور لافت ما حدث في احياء الذكرى السنوية (16) لاستشهاد آية الله السيد محمد باقر الحكيم، حيث استطاع تيار الحكمة الوطني تحشيد الالاف من انصاره والمقربين منه، والمؤيدين لتوجهاته السياسية وعامة ابناء الشعب، للحضور في تجمع كبير، احتضنته ساحة الخلاني وسط بغداد فاق التوقعات السياسية والاعلامية التي كانت متباينة الاسباب.

   تيار الحكمة الذي فاجئ الجميع في انتخابات ربيع عام 2018، بعدما خاضها بمفرده وحصل على (20) مقعداً نيابياً، رغم الحملات التي شنها عليه منافسيه على الساحة الشيعية، فاستطاع أن يفاجئهم مرة اخرى، ويسقط توقعاتهم حينما نجح في جعل محافظات الوسط والجنوب فضلاً عن بغداد وديالى ونينوى تستنفر نحو العاصمة في سابقة غير مألوفة، لم تسطيع الكيانات السياسية الاخرى مجاراتها بمفردها.

   رغم تلك التوقعات، لعب العامل الامني دوراً في عرقلة مسيرة الحشود القادمة من محافظات الفرات الاوسط، فقد اوقفت النقاط الامنية تدفق انصار الحكمة من محوري جنوب بغداد وسامراء، ومنعت الدخول الى العاصمة تمام الساعة (10:30 صباحاً حتى الساعة 01:30) بعد ظهر يوم الجمعة، وهذا يكشف مدى تخوف الجهات التي تقف خلف ذلك من نجاح مهرجان الشهيد العراقي، الذي وصف بـالمليوني.

   النتيجة، النجاح الذي يقرأ في التجمعين الشعبي والرسمي المنعقدين ببغداد، واللذان اقامهما تيار الحكمة على التوالي، يكمن في الرسائل المتعددة التي تضمنها خطاب الحكيم، حيث حملت كلماته رسائل سياسية واعلامية واضحة، واخرى موجهة لجهات خارجية وداخلية، وايضاً للحكومة وللشعب معاً، ومنها رسائل لشباب العراق عامة ولشباب الحكمة خاصة، كما تلقى تحالفي الاصلاح والبناء وبقية الكتل السياسية حصتهم من رسائل الحكيم.

   عمار الحكيم وكما هي عادته، ذهب لتهيئة الاذهان نحو طرح مشروع جديد يتناغم والمرحلة الحالية، داعياً فيه الى صياغة استراتيجية تتطلب مشاركة واسعة من أرباب الفكر والثقافة والسياسة وقادة المجتمع والمؤسسة الدينية ومنظمات المجتمع المدني والناشطين لإقرارها، ووضع المعايير الصارمة للالتزام بها، وتحديد مساحة التعاون والتنافس، ومساحة المصلحة العامة والخاصة، عاداً الثوابت خطوطاً حمراء لا يجوز تجاوزها تحت اي ذريعة.

   خلال قراءة خطوات الحكمة، وخطب الحكيم ذات الرؤى الاستشرافية، تشعر إن الرجل يفكر خارج المألوف، ليس محاولة للتميز، بقدر إن ما يطرحه تجد اثره بعد سنوات من رفضه سياسياً، ومجافاته اعلامياً، فقادة الفكر والثقافة والسياسة والمجتمع والدين عودوه، اما بالوقوف على التل او معارضته، حتى يصدق عليه قول الشاعر: لا يسلم الشرف الرفيع من الاذى.. حتى يراق على جوانبه الدم.

 إن من المتعارف لدى العراقيين ينظرون الى توجهات الشخص قبل الحكم على اقواله وافعاله وتصرفاته، لكن حينما يستهدف سليم الحسني المرجعية الدينية فإن الاغلبية لا تنبر وتقول انه قيادي في الحزب الفلاني او لديه افكار كذا وكذا!! لذلك وجب القول إن الدفاع عن المرجعية الدينية يمثل مسؤولية شرعية واخلاقية علينا جميعاً منطلقة من عقائدنا الدينية والمبادئ السياسية، وهنا يكمن الفرق.

     لا يفوت القارئ ما لسليم الحسني من سلسلة كتابية يصور فيها انه مفكر فطحل، لا يكتب الا بأمر السماء، ولا يقول الا بحجة دامغة، ولكن الحقيقة تقول إن الرجل بما يمتلكه من قلم مبتور، وفكر ملوث، نابعين من عقيدته الحزبية وافكاره المنحرفة، وتجاوزاته المتكررة على المرجعية الدينية تعكس غاياته الخبيثة.

     بعد عدة مقالات له تهجم فيها على اركان اساسية في جهاز مرجعية العليا للسيد السيستاني، ابتدأها باستهداف السيد علاء الموسوي، والتي كانت بدوافع سياسية معروفة، ثم اخذ يطعن في وثاقة السيد احمد الصافي والشيخ الكربلائي، حتى وصل به الحال لتوجيه اتهامات سافرة بحق نجل المرجع الاعلى السيد محمد رضا السيستاني.

     كل هذه الاتهامات الباطلة؛ كانت لها مقدمات باطلة نجح سليم الحسني وحزبه بإقناع الاغلبية الازدواجية في المجتمع، باستهداف مدروس لآل الحكيم ابتداءً بالسيد شهيد المحراب والسيد عبدالعزيز الحكيم وصولاً للسيد عمار الحكيم، ليصل الدور اليوم في منهج الحسني لضرب مرجعية السيد محمد سعيد الحكيم من خلال زيارة وزير الخارجية الفرنسي.

     حيث خلط سليم الحسني في مقاله الاخير بين بيان السيد رياض الحكيم عام 2017، وتعيين رئيس الوزراء بعض ابناء الاسرة بصفة منسقين بين الحكومة والمرجعية الدينية، ووجود محمد علي الحكيم على رأس الدبلوماسية العراقية، فأتهم الجميع بعدم الاخلاص للوطن، واستغلال اسم العائلة لمصالحهم الشخصية، وكأنما الحسني وحزبه هم المخلصون فقط!!.

     التصور الذي اراد إيصاله سليم الحسني للشارع العراقي، ليس إن عمار الحكيم وعادل عبد المهدي ومحمد علي الحكيم بحاجة للاستهداف، كونهم استوفوا حصصهم من منهج الحسني التسقيطي، واصبحت ذواتهم مستساغة لدى الجميع بلا استحياء، ولكن ما اراده الحسني هو ضرب مرجعية السيد محمد سعيد الحكيم بعمل استباقي لخطوات استهدافية لاحقة.

 

     بهذا الفعل ومن خلال مقالاته يحاول سليم الحسني وفريقه الاعلامي، مستعيناً بالصفحات الممولة والكروبات في مواقع التواصل الاجتماعي زرع بذور التشكيك والطعن في المرجعية الدينية على مختلف رموزها، لكنه لم يصل لدرجة المساس بشخصية السيد السيستاني ليس احتراماً له او تقديساً لدوره، لكن الخطة المرسومة لم لتصل مبتغاه الى الآن.

يقول السيد مرتضى العسكري: "إن الخطيئة الوحيدة التي ارتكبتها في حياتي السياسية، اني سلمت قيادة حزب الدعوة لشخص محمد هادي السبيتي، ولم اسلمها للشيخ عبدالهادي الفضلي"، ومنذ ذلك الوقت اخذ فكر الدعوة ينحرف نحو التشيع البريطاني، وما قرار الحذف الذي اصدره الحزب، الا تجسيداً واقعياً لبريطانية فكر الدعاة وتشيعهم واسلمتهم.

 بهذه المقدمة نختصر تاريخ حزب تأسس اسلامياً شيعياً؛ الا انه انحرف وبشهادة العسكري، الذي لا يعلوه بعد الصدر متعالي، فاصبح حزب الدعوة اخوانياً بامتياز، تقاسم زعامته الجعفري والمالكي بين لندن ودمشق، وتغذي تحركاته المخابرات الدولية مالياً ومعنوياً، ولم يبقَ من الحزب الا تجمعات انصاره في مواسم الحج حتى عام 2003.

 ما يهمنا إن فشل الجعفري مدة العشرة اشهر في ادارة البلاد، لم يكن القنبلة التي تعصف في اذهان العراقيين، ليستمر دور سفارات واشنطن ولندن بالعراق في البحث عن خليفة له، ولو لم يكن الاديب من أب ايراني، لكان هو رئيس الوزراء بميراثه التاريخي، فآلت بوصلة خليل زاده نحو جواد المالكي.

 لتصبح السفارة الامريكية هي الاب والوصي خلال الولاية الاولى للمالكي، والثانية للدعوة، ولولا تدخل سفارة الجارة، رغم تحذيرها من فشل المالكي في الولاية الثانية، الا إن الاصرار جعل المالكي يرعى رعاية ثنائية؛ من أب امريكي بريطاني، وأم ايرانية فاختلطت عليه الامور، فأذعن للاب بالسكوت عن التعامل الصحيح مع مخيمات الاعتصام.

 تلك المخيمات سيئة الصيت، التي تحولت الى ذريعة لسقوط 40% من الاراضي العراقية، وراح ضحيتها الاف العراقيين الابرياء، ودمرت البنية التحية لأربعة محافظات، مع تراجع كبير جداً في مستوى الخدمات، وارتفاع نسب البطالة والفساد في العراق، كل ذلك ولم يذعن الدعاة عن المطالبة برئاسة الوزراء، كونهم حصلوا على 105 مقعد.

 لتنتهي ولايات المالكي، ولكن لم تنتهي وصاية الامريكان على التشيع البريطاني، الذي اصبح تشيعاً امريكياً، ليستمر الدعاة في ثعلبتهم، فعندما استوزر العبادي وهو ليس اهلاً لها، قالوا الكثير إن الفكر الاخواني الدعوچي لن يموت، فلا تأمنوا لهم، فالثعالب ثعالب حتى وإن رعوا مع الاغنام في حقل واحد، وفعلاً صدقوا القول.

 اليوم؛ وبعدما فشل العبادي في الولاية الرابعة للدعاة، ورغم ما قيل بحق مسعود برزاني انه "صهيوني عميل وجاسوس"، يزحف ثعالب التشيع الامريكي الى اربيل اذلاء لاستحصال ولاية خامسة للدعوة، رغم ما وصل اليه حال الشعب العراقي من شحة الماء الصالح للشرب، وانخفاض معدلات توليد الطاقة الكهربائية، وقلة الادوية والخدمات الصحية.

 لذلك نجد إن اقلام الدعوة، وتلامذة التشيع البريطاني الامريكي من إرباب لندن كسليم الحسني وغيره، يحاولون تغيير المسار بكتاباتهم الكاذبة، التي اعتاشوا عليها ليكيلوا التهم للأخرين، متجاهلين الحقائق اولاً، والاستمرار في تغذية الشارع البسيط بأكاذيب من امهات افكارهم ثانياً، متناسين انهم يجسدون فكر التشيع الامريكي ثالثاً، وفقاً لفلسفة حسن البنا.