مشروع تجاري
عبد الكاظم حسن الجابري

عبد الكاظم حسن الجابري

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ما إن تمر بزقاق من أزقتها, أو شارع من شوارعها, أو أن تعبر على جسر من جسورها, إلا وتشاهد أمامك عشرات من الصور لشهداء العراق, ممن قدموا أنفسهم دفاعا عن الوطن وتلبية لنداء المرجعية.

محافظة ذي قار تحتل الصدارة في عدد ابناءها الشهداء والجرحى الذين قدمتهم فداءا للوطن, حيث بلغ عدد الشهداء من رجالات الحشد ما يقرب من الألف شهيد, ومن الجرحى ما يبلغ الفين وخمسمائة شهيد, أما ما قدمته من شهداء الجيش والشرطة وجهاز مكافحة الإرهاب, ولنفس الفترة منذ صدور الفتوى بلغ 250 شهيد 1200 جريح حسب الإحصاءات الرسمية.

هذه التضحيات التي قدمتها محافظة ذي قار ليست جديدة عليها ولا على ابنائها, فهي المدينة التي انطلق منها المجاهدون لمحاربة صدام وزمرته البعثية, وكانت أهوارها مقرات لعمليات الجهاد ضد الطغيان الصدامي, وقد قدمت أيضا في تلك الفترة شهداء تلو الشهداء.

البحث عن أسباب التضحية والإيثار لدى أبناء ذي قار بهذه الهمة والغيرة العالية يجعلنا نضع أصابعنا على عدة نقاط مهمة جعلتهم مضحين ومؤثرين, منها إن شعب ذي قار هو شعب متدين وعقائدي وصلب الإيمان, كذلك الشعب في ذي قار شعب وطني محب لوطنه, باذلا نفسه في حمايته, كذلك يمتلك أبناء ذي قار من المروءة والشهامة والغيرة ما يدفعهم ليضحوا بالغالي والنفيس والذود بأرواحهم عن الوطن والمقدسات.

يبقى أمر مهم لابد أن نشير إليه! وهو إن أعداد الشهداء والجرحى يضع المسؤولية الكبيرة على عاتق الحكومة, لإنصاف هذين الشريحتين –الشهداء والجرحى- وعوائلهم, وخصوصا مع ما تعانيه محافظة ذي قار من فقر جعلها في مقدمة محافظات العراق على خط الفقر, لذا على الحكومة ومؤسساتها العمل جاهدة لتوفير ما يلزم لسد احتياجات عوائل الشهداء, كذلك فإن مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني, ومنظمات حقوق الانسان, من جانبها تتحمل مسؤولية أخلاقية في دعم هذه الشرائح.   

اضطلع السيد علي الحسيني السيستاني بمسؤوليات جِسام, حيث تحمل أعباء المرجعية, وحفظ الحوزة في أحلك الظروف وأسوئها واكثرها ارتباكا وتشويشا.

كان هم السيد السيستاني بناء الحوزة العلمية وترميمها والحفاظ عليها, بعدما دمرها صدام وجلاوزتها إذ تناقص عدد طلاب الحوزة من سبعة الاف طالب عام 1970 الى سبعمائة فقط بداية التسعينيات.

بعد التغيير عام 2003, تحرك السيد السيستاني دام ظله لحفظ مقدرات الشعب العراقي, والعمل على استقلال العراق ورفاهة مواطنيه, وكان دائما يردد مقولته الشهيرة "ليس لي أمل إلا أن أرى العراقيين سعداء".

نعم فعل سماحته كل ما في وسعه للعمل بهذا الاتجاه, فالزم المحتل بكتابة دستور بأيدٍ عراقية, وأجبره على أن ينسحب من العراق, وأن تقوم انتخابات حرة في البلد.

أصدر سماحته فتوى الجهاد الكفائي استكمالا لدوره في الحفاظ على العراق, فبعد أن استباحت العصبات التكفيرية الوطن, وتغولت هذه التنظيمات المجرمة, وأصبحت على مرمى حجر من بغداد, وغابت الحلول الحكومية, تصدى سماحته بنفسه ليذود عن العراق معتمدا على الله تعالى, وعلى ثقته بإيمان العراقيين بوطنهم, هؤلاء العراقيون الذين لم يخيبوا ظن المرجعية فانبروا للدفاع عن العراق وصد الهجمة الإرهابية.

ثلاث سنوات مرت على الفتوى كانت كفيلة بتحقيق النصر, وها هي اليوم الجموع المجاهدة تعلنها نصرا كبيرا مؤزرا, بإسقاط دولة الخرافة, وتحرير مدينة الموصل من براثن العصابة الإرهابية المجرمة.

لم يطلب السيد السيستاني شيئا لنفسه, ولم يدعي بأنه صاحب الفضل في الانتصارات, بل كان كل كلامه هو شكر للمقاتلين الملبين للنداء, ولعوائلهم الكريمة التي ضحت بأبنائها فداءا للوطن, ولأولئك الداعمين من المتبرعين والهيئات والمواكب في الدعم اللوجستي, وقد أكد هذا التوجه سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في خطبة الجمعة ليوم 5 شوال 1438 الموافق 30 حزيران 2017 بقوله: "ونودّ أن نؤكّد على أنّ صاحب الفضل الأوّل والأخير في هذه الملحمة الكبرى التي مضى عليها الى اليوم ثلاثة أعوام, هم المقاتلون الشجعان بمختلف صنوفهم ومسمّياتهم, من قوّات مكافحة الإرهاب والشرطة الاتّحادية وفرق الجيش العراقيّ البطل والقوّة الجويّة وطيران الجيش وفصائل المتطوّعين الغيارى وأبناء العشائر العراقيّة الأصيلة، ومن ورائهم عوائلهم وأسرهم ومَنْ ساندهم في مواكب الدعم اللوجستيّ، وأنّهم هم أصحاب هذه الملحمة التي سطّروها بدمائهم الزكيّة وتضحياتهم الكبيرة، وهم الأحقّ من الآخرين -أيّاً كانوا- برفع راية النصر النهائيّ قريباً بإذن الله".

ضرب سماحته أروع صوره في نكران الذات, وهو يعيش عيشة الفقراء, ولم يتعالى على العراقيين, بل كان كأحدهم, ولما حل النصر فلم ينسب النصر لنفسه بل للمقاتلين الأشاوس ولمن ساندهم.

كفلت جميع النظم الوضعية, وكذلك النظم الشرعية, وجود البينة للأخذ بالاتهامات الموجهة لجهة معينة أو مؤسسات أو أفراد.

والمدعى عليه مكفول الحق ليأتي بالبينة التي تدحض الاتهامات الموجهة إليه, والدفاع عن نفسه وتوضيح الحقائق أمام المجتمع.

ينقل لي أحد القضاة من أصدقائي يقول "لو إن قاضيا يعلم بأن المتهم الماثل أمامه قاتلٌ, ولكن لا وجود لبينة أو دليل على هذا الإتهام, فالقاضي ملزم بالأخذ بالقرائن وعدم الحكم على المتهم بهواه أو بما يحسه, وعليه فيحكم بالبراءة في هذه الحالة".

القرينة والدليل والبينة هي منهج إنساني قبل أن يكون شرعي, فلو رمينا التهم جزافا! لرأينا إن المجتمع سيتفكك ويتحلل, وتغيب الثقة بين الناس, وقد أكد الفكر القرآني على وجود البينة والدليل قبل الحكم على الآخرين حيث قال تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6( سورة الحجرات, واعتبر إن رمي التهم جزافا هو من الجهالة, وإن هذا الفعل سيفضي إلى الندامة, لما له من مردودات سلبية على مستوى سمعة الأفراد والمؤسسات والمجتمعات.

"كلهم حرامية" و"باسم الدين باكونه الحرامية" و"الاسلاميين حرامية" كلها شعارات انتشرت في العراق كانتشار النار في الهشيم, شعارات باعت الأخضر بسعر اليابس, وجعلت جميع الناس متهمين سواء أكانوا مسؤولين أو موظفي خدمة عامة.

الحقيقة إن هذا التعميم والمفهوم قدم الفائدة للصوص والسرّاق أكثر من غيرهم, بل أصحب اللصوص أكثر سلاطة في اللسان, وبدأوا يروجون هذا المفهوم أكثر, ويستدروا به عواطف الناس, ليظهروا هم –اللصوص- بصورة المصلحين الحريصين على حقوق الشعب, وفعلهم هذا يذكرني بالمثل الشعبي الجنوبي الذي يقول "هايشة البواكه تريدلها رفاكه".

كما إن التعميم صار حجر عثرة أمام المخلصين والنزيهين والشرفاء, فمفهوم "كلهم حرامية" سيمنع أي مخلص ونزيه من التصدي خشية أن تصاب سمعته بسوء, كذلك فإن مفهوم "باسم الدين باكونه الحرامية" لا يعفي غيرهم من مدنيين وعلمانيين وليبراليين من شائبة الفساد.

"هناك قانون في علم النفس يقول: بأنه اذا شكل المرء في ذهنه صورة لما يود ان يفعله, ثم احتفظ بهذه الصورة وتعلق بها لفترة طويله بما يكفي, فانه يتحول الى ما تخيله تماما"

نعيش نحن العراقيون غالبا مع كثير من الانطباعات التي صارت وكأنها قدرنا المكتوب, فكثير ما نردد كلمات مثل "هي خربانه", "بقت عليه", "السمجه خايسه من راسها" وغيرها كثير من هذه الإيحاءات السلبية, التي جعلت من العراقي فردا قانطا آيسا غير مبادر للتغيير.

لعبت السياسات والحكومات دورا في ترسيخ هذه الثقافة لدى العراقيين, إبتداءا بالحكم الأموي, الذي اشاع فكرة كاذبة ومغلوطة بإن أهل الكوفة هم من قتل الإمام علي عليه السلام, وإنهم –اهل الكوفة- أهل الشقاق والنفاق, وكذلك اشاعة الفكرة السلبية بأن العراقيين هم من قتل الحسين عليه السلام وعادوا ليبكوا عليه, وقد اثبت المحققون كذب وبطلان هذه الاتهامات.

 استمر مسلسل ترسيخ هذه الفكرة مع الحكومات المتعاقبة, وقد عمل صدام وحزب البعث ونظامه على ترسيخ هذه الفكرة أكثر, فصارت السلبية شعارا لأغلبنا كعراقيين.

الحقيقة إن هذا التفكير مخطوء جدا, وإن تغيير نمط التفكير بمقدوره أن يغير الواقع, وكذلك فإن تغيير التفكير يؤدي إلى تغيير السلوك, مما يجعل الإنسان ينتج ويبدع, وهذا ما حصل في الثورة الصناعية حينما تحول الأوربيين من النظام الإقطاعي إلى القيام بانتقاله تكنلوجية عملاقة.

لقد أكد القرآن الكريم هذه الحقيقة بالقول "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ"(الرعد:11) وهو المنطق السليم, فالفرد يجب أن يعمل على تغيير نمط تفكيره ليأتي بأفكار مبدعة.

نعيش كعراقيين أزمة مستحكمة, ومنزلق وصلنا معه إلى حافة اليأس والقنوط, ولا يمكننا أن نخرج منه إلا بتغيير نمط تفكيرنا, فبدلا من القول إني لا أذهب للانتخاب لأن الأحزاب سيعودون أنفسهم, أعمل العكس فأذهب لأنتخب الأصلح والأفضل, وحينما أنتخب لا أنتخب لأجل إن المرشح من حزبي أو من أقاربي بل يجب ان يكون المدار هو انتخاب الأقدر على خدمة البلد.

التفكير في مصلحة البلد دون المصلحة الشخصية, هو ما سيمكننا من بناء وطننا.

ينقل لي الأستاذ الباحث جسام السعيدي مسؤول الإعلام الدولي في العتبة العباسية المقدسة, أن  وفدا يابانيا زار العتبات المقدسة في كربلاء, برئاسة السفير الياباني في العراق, وقد سال الاستاذ جسام بروفيسورا ضمن الوفد قائلا: "كيف استطعتم أن تنهضوا باليابان بعد كل هذا الدمار والحرب" فأجاب البروفيسور الياباني "لقد غيرنا تفكيرنا! فبدلا من اننا كنا نضع الامبراطور في الاولوية, جعلنا اليابان بلدنا هي الأولوية, فعملنا من أجل تطويرها"

يقول الفيلسوف الألماني ايمانويل كانت " اعملوا عقولكم أيها البشر! لتكن لكم الجرأة على استخدام عقولكم! فلا تتواكلوا بعد اليوم, ولا تستسلموا للكسل والمقدور والمكتوب, تحركوا وانشطوا وانخرطوا في الحياة بشكل إيجابي متبصر"

نعم نحتاج هكذا تغيير لنمط التفكير, نفكر بالعراق وببنائه, وإن كانت الحكومة سيئة, فسيأتي اليوم الذي نصنع فيه الأفضل, ونزيح الفاسدين, وحين نترك مقولة "اني شلي غرض" و"وبقت عليه" عندها سنبني وطننا ولنجعل قول الله تعالى "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" (الرعد11)دستورنا

تتسارع وتتصاعد الأحداث في المملكة السعودية بشكل ملفت للنظر, فهذه الدولة التي زجت نفسها بحروب المنطقة, تعيش صراعات داخلية كبيرة بين أمراء الأسرة الحاكمة.

شهدت فترة الملك عبد الله بداية الانقسامات والصراعات, لكنها كانت بصورة ظلية وخفيفة, وخصوصا حينما حاول الملك عبد الله تمهيد الطريق لابنه متعب لكنه فشل بسبب المعارضة الشديدة من أفراد الأسرة الحاكمة, ووجود عديد من الأخوة ابناء الأب المؤسس للسعودية عبد العزيز ال سعود الذين لهم الأحقية في الملك حسب الدستور السعودي, حيث ينص الدستور السعودي لعام 1992 في مادته الخامسة/ب "يكون الحكم في أبناء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود وأبناء الأبناء... ويبايع الأصلح منهم للحكم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله".

وقد حذر ما يعرف بالأمير المتمرد سعود بن سيف النصر ال سعود من نشوب مشكلة بين أعضاء العائلة الحاكمة بعد رحيل الملك "عبد الله"، حين كتب على حسابه على تويتر أثناء مرض الملك "عبد الله" الذي رحل فيه قائلا: "قال نصر بن سيار مخاطبا بني أمية

أرى تحت الرماد وميض جمر ـ ويوشك أن يكون له ضرام

 فإن النار بالعودين تذكى ـ وإن الحرب مبدؤها كلام

وأكمل القصيدة في تغريدة أخرى قائلا:

فإن لم يطفها عقلاء قومي ـ يكون وقودها جثث وهام

 فقلت من التعجب ليت شعري ـ أ أيقاظ أمية أم نيام

 فإن يقظت فذاك بقاء ملك ـ وإن رقدت فإني لا ألام

بعد موت الملك عبد الله حدث ما حذر منه سيف النصر, حيث تولى سدة الحكم الملك سلمان, والذي قبض على السلطة بفترة قياسية لا تتجاوز الشهرين, حيث ادخل امرا جديدا على نظام الحكم بإبعاد ابناء الملك المؤسس عبد العزيز ال سعود, وقدم عليهم ابناء الابناء, وأهم المبعدين كان الامير احمد بن عبد العزيز -الذي ينتمي إلى الجناح السديري الأكثر نفوذا في العائلة المالكة السعودية، وهم أبناء الملك "عبد العزيز آل سعود" من زوجته "حصة بنت أحمد السديري"، وهم من المتوفون: (الملك فهد، ولي العهد الأسبق الأمير سلطان، الأمير تركي الثاني، ولي العهد الأسبق الأمير نايف والد ولي العهد الحالي (المعزول))، أما الأحياء فهم (الأمير عبدالرحمن -الذي لا يبدو أن له طموحا في العمل السياسي-، والملك الحالي سلمان بن عبد العزيز ثم الأمير أحمد بن عبد العزيز"- وأوكل المهمة لابن اخيه الامير محمد بن نايف فيما أوكل ولاية ولي العهد لأبنه محمد.

تولية محمد بن سلمان كانت خطة مدروسة لنقل الملك إليه, فما إن استحكم نفوذ بن سلمان -وخصوصا مع قيادته لحرب اليمن وتقاربه مع الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب- حتى رأينا هذه الأيام ازاحة ولي العهد بن نايف وتولية العهد لابن سلمان.

الانتقال السريع والمفاجئ لولاية العهد كما قلنا يعكس تسارع الأحداث في السعودية, وهذه الطريقة في الانتقال تؤكد وجود أمر خفي في أروقة الحكم السعودي, ويحتمل إن الملك سلمان أما توفي بشكل مفاجئ, أو تعرض لوعكة صحية سَرعت من إبعاد بن نايف, كي يتم التمهيد لابن سلمان المرضي عنه أمريكيا, وهذا ما أكدته مبادرة ترامب السريعة لتقديم التهاني لابن سلمان.

تولية ابن سلمان لا ترضي كثير من الأمراء في الأسرة الحاكمة, ويبدو إن هذه التولية هي المسمار الأخير في النعش الهَرِم لبني سعود, وستكشف عن انقسامات حادة بين أفراد الأسرة الحاكمة, قد تفضي إلى اقتتال كبير وإراقة دم وانفصال بعض المناطق والمدن السعودية تحت أمرة أفراد آخرين من ولد سعود.

يامن ولدت في بيت الله العتيق, وشق الجدار لأمك, وكانت هذه أولى فضائلك, يا من جمعت كل الفضائل والمكرمات, استميحك العذر لأقترب منك, وأتكلم عنك, وأعلم تمام العلم بقصوري وتقصيري, فأي كلمات تحدك؟! وأي حروف تفي حقك؟!.

سيدي يا أمير المؤمنين, سلام الله عليك, لقد كنت وحيد زمانك, لم يعرفك إلا خالقك ونبيُه, فقد أمنت حين كفر الناس, وصدقت حين كذَّبوا, حملت راية الدين, تقاتل الكافرين والمشركين والمنافقين, لا تأخذك في الله لومة لائم تجندل الأبطال, وتكسر هيبة العرب الذين كانوا يتفاخرون بشجعانهم.

لم تتترك أمرا لله إلا وعملته, ولا نهيا إلا وتركته, كنت ذائبا في الله, موطنا نفسك على أمره, مقدما رضا الله على رضا نفسك, وما عُرِض عليك أمران كلاهما صلاح إلا واخترت أشدهما.

صبرت حين خان القوم نبيهم, واغتصبوا حقك المفروض لك في القرآن, والذي بلغ به النبي صلى الله عليه وآله في يوم الغدير, فقال "من كنت مولاه فهذا علي مولاه" فتركوك وأمَّروا غيرك فسلام عليك من صابر.

ولما تسافل شأن المسلمين, بعد خلافة ثلاثة, جاءوك نادمون, فاضطررت لقبول خلافتهم, وأنت عالم بغدرهم, فحكمت وكنت نعم الحكم, لم تفضل نفسك على غيرك, كنت فقيرا كحال فقراء دولتك, منصفا من نفسك, عادلا بالرعية, عاملا بالسوية, لا فضل في حكومتك لأحد على أحد, كان أحبائك الأتقياء, وأصدقائك الفقهاء, لم تؤثر أحدا لقرابة أو نسب أو جاه أو مال, فحقد على القاسطين والمارقين فاشعلوا الحرب لما يأسوا من أن ينالوا حظوة في حكومتك, فألبوا عليك القبائل, وجيشوا الجيوش, وشقوا صف الأمة بجملهم وصفينهم ونهروانهم, ومع ذلك صبرت واحتسبت وفوضت أمرك لله.

وبعد أن فقدوا الأمل في أن يغلبوك بحرب, عمدوا الى المكر والغدر, فأرسلوا أشقاهم, فغدرك في بيت الله, وفي صلاتك, فضرب هامتك لتنادي فزتُ ورب الكعبة.

نعم يا سيدي إنه الفوز العظيم, فلقد خرجت من هذه الدنيا عاملا لله, نظيف اليد, اختصرتْ رحلتك بين بيتي الله حقيقتك التي كانت من الله ولله وفي الله, فالسلام عليك ايها العبد الصالح ورحمة الله وبركاته.