مشروع تجاري
لَطيف عَبد سالم

لَطيف عَبد سالم

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لطيف عبد سالم

  الأديبَّة الزميلة فضيلة مسعي، أهدتني مشكورة قبل أيام عدة نسخة من روايتِها الموسومة (صبريانا) التي صدرت طبعتها الأولى بواقع (320) صفحة عن دار غراب للنشر والتوزيع في مصر عام 2018م. وقد وجدتني منشدّاً إلى ما ضمنته مسعي من أحداثٍ في غاية الاهمية والدلالات بروايتها المذكورة، ما شجعني أكثر على الانهماك في قراءتِها، ولم استطع أنْ أدعَها جانباً إلا بعد أنْ أنهيتَها بالكامل.       

 فضيلة مسعي أديبةٌ وإعلاميَّة تونسية، حاصلة على شهادة الماجستير في علم الاجتماع، كتبت الشِّعر، القصة، الرّواية، النقد، النقد السوسيولوجي وفي مجال علم الاجتماع، عضو اتحاد الكتاب التونسيين، واتحاد الكتاب العرب، بالإضافة إلى عضويتها في العديد من المؤسسات الثقافيَّة المحليَّة والخارجيَّة ونشاطاتها الإجتماعيَّة والسياسيَّة، تُرجمت بعض أعمالها إلى اللغتين الإنجليزية والصربية، بالإضافة إلى ما أجرته من حواراتٍ صحفيَّة مع كبار الأدباء العرب والسياسيين والمفكرين والفنانين.

 بعد رّواية (معسكر الحبّ) التي أصدرتها مسعي عن دار المغاربية للنشر في تونس عام 2007م، جاءت روايتها الثانية موضوع بحثنا (صبريانا)، والتي تُعَدّ من ناحيتي الأسلوب وحداثة التِقنيَّة التي اعتمدتهما مؤلفتها في كتابةِ نصها الروائيّ من بين الإعمال الساعية إلى ترسيخ مرتكزات تطور الرّواية العربية التي تتمحور حول تجسيد هموم الحياة ومعاناة عامَة النّاس برؤى تسمو إلى توظيف الحب والجمال بدلالاتٍ تشكّل صورة البحث عن الوطن والحرّية والكرامة والسلام.  

 قُدر لهذه الرّواية بفصولها الخمسة أنْ تتجاوزَ كلاسيكية الطرح التي سادت العديد من الأعمال الروائيَّة العربية التي اطلعنا على جوانبٍ عدة منها، بعد أنْ تمكنت كاتبتها من تقديمِ نصوصٍ حداثية في دلالاتها وبنائها لجملة الأحداثٍ والوقائع والأمكنة والأزمنة التي تفاعلت فيها حركة شخصياتها، فضلاً عن جنوحِها صوب توظيف آليات السّرد العجائبي والفنتازيا في مهمة نسج بعض الأحداث الرئيسة لروايتها كبلورة ولادة أثنان من أبنائها الثلاثة بشكلٍ مثير للدهشة والاستغراب بسبب افتقارهما إلى حبلٍ سُرّي يربط الطفل بحزمٍ مع المشيمة، والذي من المفترض أنْ يكون قاسمهما المشترك، إذ بالإضافة إلى تكفلها بتبني (زيدون) على خلفية فقدانه عائلته بحادثةٍ محزنة مردها إلى تداعيات الحرب ومآسيها، جاءت ولادة ابنها البايولوجي (أويس) بعد تسعة أعوام من وفاة زوجها ناظم الذي أحبته في حياته وعشقته جثة بعد مماته بفضل عملية تلقيح بويضة بحيواناتٍ منوية أودعها ناظم الذي تزوجته قبل سويعات من مماتِه في بنكٍ جيني بعد أنْ كلفته هذه المهمة رهن جميع أملاكه. أما ابنها البايولوجي الأخر وهو مجند أمريكي اسمه (بريتشارد) فقد جاء إلى الدنيا في أعقاب أحداث غزو الكويت؛ نتيجة تلقيح بويضة أودعتها صبريانا إبانَّ شبابها في بنكٍ جيني أمريكي - في إشارةٍ ذكية من مؤلفة الرّواية إلى تزعزع ثقة المواطن العربيّ بمؤسساتِ الدولة - بحيامن رجل كويتي كان مصاباً بمرض السرطان. 

 لعلَّ من المناسب والمهم أيضاً أنْ نمرَّ ولو في عجالة على إزاحة مسعي الستار عن استغلال الأمريكان البشع للطُفولَة من خلال إثارتها فرضية استنساخ خلايا وأنسجة بشريَّة؛ لأجل صنع نسخة مطابقة وراثياً لجنودٍ أمريكان، والتي يشار إليها اصطلاحا باسم الاستنساخ البشريّ أو الركون إلى عمليات أطفال الأنابيب التي تعتمد على تلقيح بويضةٍ لامرأةٍ عربية بحيوان منويّ لرجلٍ عربيّ؛ لأجلِ ضمان إراقة الدماء العربية على الاراضي العربية. وهو الأمر الذي كان ضحيته ابنها بريتشارد الذي استفهمت منه أثناء حبسها في زنزانة الآلام التي يتعرض لها المجندين الامريكان بعد تسريحهم من الخدمة العسكريَّة بسبب الإعاقات أو الأمراض النفسية. وما زاد الأمر بشاعة هو أنَّ صبريانا استُخدمتْ بويضتها لإنجاب بريتشارد من دون علمها، ما يعني التجاوز على بعض المعايير الأساسية لحقوق الإنسان. ولعلَّ من المهم الإشارة إلى أنَّ كاتبةَ الرّواية اعتمدت الرمزية أيضاً في قضية ولادة بريتشارد حين أكدت رجوعه إلى حضن أمه، وإحاطته بفيض حنان الأمومة، بالإضافة إلى اعتراف زيدون به كشقيق؛ تجسيداً لوحدة الدم العربيّ وإنْ طالته الشوائب. وبعبارةٍ أخرى سعت مسعي إلى تبيان رسالتها بوضوح، كوضوح الشمس في رابعة النهار، والمتضمنة حقيقة الأخوة التي تربط الشعبين العراقي والكويتي.  

 اللافت للنظر أنَّ بطلةَ الرّواية الرئيسة - المستترة - المتمثلة هُنا بشخصية راوية الخزرجي، أطلت على المتلقي من  نافذةٍ ضيقة جداً وبمساحةِ سردٍ صغيرة لا تتعدى بضعة أسطر تقاسمتها ما بين مقدمة الرّواية ونهايتها، بعد إنابتها مسؤولية بطولة الرّواية لشخصيةٍ أخرى وسمتها مسعي رمزياً باسم صبريانا، اختصارا لعبارة (صبري أنا)، والتي تُعَدّ الشخصية المحورية أو شخصية الرواية الرئيسة التي سيتعرّف المتلقي على ما تحملته من معاناةٍ نتيجة تأثّرها بهمومِ مُجتمعها المتأتية من تداعيات الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م، من خلال المحاكاة مع لوحة الفنان (جان أونري فراغونار) التي أهدتها إياها فتاة من أمٍ أمريكية وأب فرنسي، التقتها مصادفة في متحف اللوفر بإحدى سفراتها إلى باريس يوم كانت تعمل في الخطوط الجوية. ولعلَّ الشيء المميز في اللوحة المذكورة هو أنَّ مسعيَ نجحتْ في توظيفها فنياً حتى غدت إحدى الشخصيات الرئيسة في الرّواية، إذ كانت تجسد امرأة تقرأ رّواية اسمها (امرأة تعشق جثة)، احتفظت بها من القرن الثامن عشر، والتي تحكي قصتها مع ناظم التي توارثتها الفتاة جيل بعد جيل!.

 تحمُلُ صبريانا الصعاب بخلاف أهلها مرده إلى أنها لم تركن إلى مشاركة عائلتها الغربة بعد مقتل شقيقها الأصغر في أحداثٍ طائفية بسبب حاجة أمها إليها على خلفية تعرضها إلى الجنون المتأتي من  حادث الانفجار الذي طال شارع المتنبي ببغداد، وأفقدها إحدى ساقيها، إلا أنَّ ذلك لم يفقدها الاحساس بما يعانيه من الزمتهم الظروف الهُجرة من تّيهٍ وضياع وتشّظي.

- (أغلب ممن أعرفهم إما هاجروا وتشتتوا كالعصافير في أنحاء العالم أو قتلوا أو غرقوا في المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط. أو أُقعدوا بسبب إعاقات عضوية عميقة. الكثير منهم هاموا على وجوههم كالهوام، مجانين يبحثون عن عقولهم في الشوارع والساحات العامة والخرائب المنتشرة)... ص216. 

 لعلَّ ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو تأكيد صبريانا أنَّ جملةَ الظواهر التي طفت على السطح في المدةِ التي أعقبتْ الاحتلال الأمريكي للعراق، والمتمثلة بخيبةِ الحياة الوردية التي وعد بها الأميركيون، ليس بالإمكان نفي ما يماثلها أو يقترب من بشاعةِ أحداثها - وربما يتجاوزها من ناحية التأثير - في بلدانٍ عربية أخرى بعد أنْ تغيرتْ بوصلة ما أشير إليه باسم (الربيع العربي)، إذ تقول شخصية الرّواية الرئيسة:

- (أرى أن ثورة الربيع العربي قد سُرقت، وفشلت الفشل الذريع. الثورة انطلقت مع بدايتها في تونس تلقائية شعبية، ولكن منذ الأيام الأولى احتواها فريق فولكهام)...ص97.

 يبدو أنَّ إدراكَ الروائيَّة مسعي لأهمية توظيفَ الرموز في النصوصِ الروائيَّة، هو الذي أملى عليها توظيف الأمكنة والأزمنة في روايتها هذه توظيفاً رمزياً واستعاريًّا في العديد من جوانبِ خطابها السرديّ، الأمر الذي ساهم في تحقيق ملازمة الأمكنة وشخصيات الرواية للأحداث وأزمنتها في حبكةٍ فنيَّة مؤثرة تتماهى مع الفعل تجاه ما فرض على أهل العراق من تحولاتٍ شكّلتْ انعطاف حاد في تاريخهم السياسيّ والإجتماعيّ والثقافيّ. ولعلَّ أبرز ما تمظهرت به صورة السرد هو المزاوجة ما بين واقع الحياة اليومية وآفاقها الجديدة وبين الأحلام الورديَّة التي ينشدها عامّة النّاس بخيالٍ سورياليّ. ومن بين تلك الوقائع التي اجتهدتْ كاتبة الرّواية في سردِها بأسلوبٍ رمزي يوحي بدلالاتٍ عميقة هو إشارتها في الصفحة 193 إلى التفويض الخطي الذي تركه ناظم زوج صابريانا بشأن حملها منه، والذي قام بإمضائه وختمه بتاريخ 20 مارس 2003م، مع العرض أنَّ طفلَ الأنابيب الذي رأى النور بعد تسع سنوات من وفاة زوجها ناظم، أوقعها في مشكلة الحاقه بوالده في سجلات الأحوال المدنيَّة بسبب رفض السطات تسجيله؛ لتعارضه مع الشرع والقانون. وفي الإطار ذاته نقتطع جزءً من حوارِ صبريانا مع إحدى مدرساتها التي التقتها بالمصادفة:

- (قولي لي يا أبنتي هل توجد صيدلية قريبة من هنا؟ أريد أن أشتري قنينة أنسولين، لم أجدها في عّدة صيدليات.

- وهل الأنسولين يشترى في بلد يعوم فوق بحيرة بيترول؟.

- أصبحنا لا نجد جراياتنا آخر الشهر لنشتري الأنسولين وغيره.. هه.. هذا حالنا.. ولا يختلف عن حال من هم موزعون على كامل الخريطة العربية)... ص49.

 تميزت رّواية صبريانا بالتماسك الداخلي في بنيتها بالإضافة إلى تكييف كاتبتها أدواتها الفنيَّة بصيغٍ ساهمت في إضافة جمالية لعموم أحداث الرّواية كجنوحها في الكثير من المقاطع السردية في بعض صفحاتها صوب أسلوب الكتابة النثريَّة في مهمة معالجة إحداثها، فبدأت تلك النصوص تتوهج بعمق المغزى ومصابيح الدلالة. ولا عجب في ذلك ما دامت مسعي قد أولت الشِّعر مبكراً أكبر قدرٍ من عنايتِها في مجال الكتابة الأدبيَّة، إذ تؤكد سيرتها الذاتيَّة أنَّها شاعِرة وإعلاميَّة قبل ولوجها عالم الرواية.  

- ( آه.. آه.. ثم آه مرّة أخرى. فاض صدري ألماً، أغرقني، تعثّرت أنفاسي بوحل ما تركه الأجداد على جدران أضلعي، أحملق إلى السواد الذي يجذبني إليه كمغناطيس. يُسقطني في سرداب دمعة تمرّدت على خدّي. دمعة حاصرت ذقني، في انتظار غزو عنقي الذي تسلّقَته الذكريات الحزينة المؤلمة. وغطّت مساحة عرضه خطوطاً عميقة جداً. تلك الخطوط حُفرت بجرّافة السنين ذات السكاكين الحادة)... ص 179. 

 الغريب في الأمرِ أنَّ مسعيَ التي لمْ يسبق لها زيارة العراق، كتبت رواية (صبريانا) بتعبيرٍ انفعاليٍّ جسد جملة من القضايا المُلحَّة التي عاناها العراقي في وطنه، فضلاً عما يحلم به - وإن كان على درجة من التواضع -  في هذا البلد الموشح تاريخه بأعرقِ الحضارات الإنسانيَّة، بأسلوبِ سردٍ مثير ومشوق، ارتكز على جعل نهايات الأحداث مفتوحة؛ بغية ربطها مع ما تمر به البلدان العربية من تحولاتٍ بنيوية في واحدةٍ من أهم مراحلها التاريخية وأكثرها خطورة.

 الى جانب تسليط الرّواية الضوء على مرحلة مهمة من حياة الإنسان في العراق، وعمق أزماته التي لم تسلم منها بعض البدان العربية الأخرى، فإنها لم تجد بداً من تعرية ممارسات الانظمة الإمبريالية بتناول بعض مظاهرها المباشرة والمُقنَعة، ولاسيما الأحداث المرتبطة بنكبة فلسطين، فضلاً عما تلاها من أحداثٍ عبرت عن تمادي تلك الدوائر في سياساتها الرامية إلى إذلال الشعوب واستعبادها والهيمنة على مقدراتها.

- (اختفى جمال النّهرين كما اختفى الصيّادون، واختفت أهازيجهم، واختفى السّمك، واختفى في ركامه ورماده ودمائه ودموعه وطني الحبيب. وطني الذي مزّقته الطائفيّة، والحروب الأهلية، والفتن، أكثر ممّا مزّقه الاحتلال الأمريكي. 

أمريكا التي جاءت تفرض ديمقراطية واهية على دبابة. سرقت ملح العيون، نفط البلاد، وبسمة الشفاه على وجوه الأطفال.

لا أمان، لا خبز، لا مأوى، وطني الآن كوم من الأشلاء، وأخرى من المزابل)... ص209 - 210.

 الروائيَّة التونسية الزميلة فضيلة مسعي التي شربت عصير حب الوطن من كف أبيها (طيَّبَ الله ثراهُ)، والذي أهداها قبل رحيله الأبدي زهرة لتخبئها في كتاب، جسدت في روايتها صبريانا صبر كل عراقيّ في سياحة سَرديَّة كانت نهايتها الهجرة، وهي التي تردد:

- (كيف أترك العراق؟ هنا ولدت، وهنا ترعرعت، هنا لعبتُ وهنا درستُ، وهنا أهلي وناسي وأحبتي وأصدقائي)... ص92.

 حلمُ العراقية راوية الخزرجي الذي كيفته مسعي إلى التناسل لدى صبريانا، جعل المتلقي يعيش حلماً داخل حلم في مجموعة حكاياتٍ رسمتها المؤلفة بعنايةٍ وأناة، فباب الأمل مفتوح على مصراعيه.       

- (آه يا عراق... عراق الحب أين أنت؟

- سيعود عراقنا وسيعود الحب إلى هذه الأرض. سيعود وستعود أعشاش الطيور الجميلة. سيعود الهواء النقي، ستعود البراءة إلى أطفالنا. سنرى ذلك الحب بعيوننا، سنعيشه بإذن الله)... ص92.

 في الوقت الذي أبارك فيه للروائية الزميلة فضيلة مسعي منجزها الأدبيّ هذا، وأشكرها على هديتها التي أتاحت ليَّ الاطلاع عليه، فأني أقول جازماً إنَّ مسعيَ أحبت العراق، وشربت حبه حتى الثمالة. تمنياتي لها بمزيدٍ من النجاح والتقدم في أعمالِها الأدبيَّة القادمة بعونه تعالى.

يرى المتخصصون أنَّ الحوادثَ المرورية في مختلف أرجاء المعمورة تُعَدّ من بين التحديات التي من شأن خطورتها المحدقة بالمجتمع تهديد حياة المواطنين، وإثارة العديد من النزاعات والمشكلات الاجتماعية والصحية والنفسية، فلا عجب من سعيّ إدارات المرور في أغلب بلدان العالم إلى تبني استراتيجيات شاملة تقوم آلياتها على صياغة القوانين التي تسهل حركة المرور والنقل بأعلى درجات الأمان والسلامة، وإحالتها إلى الجهات المعنية بالأمر؛ لأجل إقرارها بصورة تشريعاتٍ قانونية نافذة سعياً في تنظيم حركة المرور، وتحسين مستويات استجابة الجمهور لأهمية المشاركة في مهمة تنظيم السير على الطرق. ويضاف إلى ذلك  استخدام ما متاح من السبل الحديثة التي تتحكم بتنظيم سير المركبات؛ بغية المساهمة في تحسين مستويات الخدمات المرورية، إلى جانب رفع كفاءة مفاصلها الإدارية التي يتعين عليها بذل المزيد من الجهود التي من شأنها رفع مستوى وعي المواطنين بأهمية السلامة المرورية، والتي يُعَدّ الانضباط مادتها الرئيسة المتوجب مصاحبتها لجملة تدابير الجهات الحكومية المعنية.  

باستثناء العطل المفاجئٌ في المركبة أو تعرض سائقها لطارئ صحيّ أو ما شابه ذلك، فإنَّ النشاطاتَ البشرية تُعَدّ في طليعة الأسباب المؤدية إلى الحوادث المرورية على الطرق، ولعلَّ من أهمها إخفاق شرطي المرور في تنظيم سير المركبات، زيادة السائق سرعة مركبته عن المعدلات المقررة من إدارة المرور أو إهماله إشارات المرور وتجاهله قواعد السير والقوانين المرورية النافذة، بالإضافة إلى استهتاره وإغفاله اللياقة في السير مثل قيادته مركبته تحت تأثير الكحول أو انشغاله بأمورٍ عدة أثناء قيادة مركبته كالحديث مع من معه في المركبة أو استخدام هاتفه الجوال أثناء القيادة. ويضاف إلى ذلك أسباب أخرى أهميتها متأتية من فاعلية آثارها في التسبب بحصول الحوادث المرورية كسوء الأحوال الجوية، وإهمال المشاة الذين يعبرون الشارع وإغفالهم الحذر، إلى جانب قيادة المركبات من أشخاصٍ غير مؤهلين بسبب فقدهم الأهلية، أو كونهم دون سن الرشد وغيرها من الأسباب.     

بالاستناد إلى العديد من الدراسات التي أجرتها مراكز بحثية معتمدة، أتضح أنَّ من بين العوامل الفنية والإدارية المؤدية إلى التسبب بحوادث المرور، والتي تتحمل مسؤولية وقوعها جهات حكومية عدة هو التشوهات في هندسة الشوارع التي ينبغي أن تخضع عملية التخطيط لإقامتها، والطرائق المعتمدة في مهمة تنفيذها إلى أسس ضامنة لسلامة مستخدميها، بالإضافة إلى أهمية حرص الإدارات على ضرورة تكييفها للانسجام مع معطيات برامج عملية التنمية، وما يتبعها من التطورات التي يحتمل أن تشهدها المدن في مجال النهضة العمرانية، إذ تلزم اشتراطات سير المركبات الآمن في الشوارع اهتمام الجهات ذات العلاقة بكافة العوامل التي بوسعها المساهمة في انسيابية الحركة المرورية وسلامة مستخدمي الطرق، وبخاصة توفير الإنارة والتيقن من  جودة الأنواع المستخدمة منها، تأمين خطوط المشاة، سرعة إصلاح ما يظهر من حفرٍ عميقة قد تؤدي الى حوادث، تحديد سرعة المركبات وعدم تعارض التخطيط لإنشاء الطرق مع مسارات خطوط الخدمات الاجتماعية الأخرى المارة تحت الشوارع كالأنابيب الناقلة لمياه الشرب والماء الخام، إمدادات الطاقة الكهربائية، أسلاك الهاتف، منظومات المجاري وغيرها، فعلى سبيل المثال لا الحصر قد يفضي عطب الإشارة المرورية أو تعرضها لخللٍ في آلية عملها الى كوارثٍ مرورية.

في أمان الله.

يمكن القول إنَّ الحربَ العالمية الثانية كانت أحد أبرز الأسباب التي ساهمت بفاعليةٍ في زيادة الطلب على مادة البلاستيك الصناعي أو ما يشار إليها باسم (اللدائن)، والتي جرى اختراعها في عام 1929م، إلا أنَّ مرحلةَ ما بعد الحرب شهدت توسعاً في رواجها بسبب ابتكار الصناعيين العديد من المجالات الجديدة لاستخداماتها في أغلب مجالات الحياة. ولعلَّ السبب في زيادة تطبيقات صناعة البلاستيك هو امتلاكها جملة من الخواص المميزة، فضلاً عن سهولة التعامل معها صناعياً وتجارياً. وهو الأمر الذي أفضى إلى تحديد التوجه التنموي للعديد من الصناعات بالاعتماد على مادة البلاستيك الصناعي.

لا مغالاة في القول إنَّ عام 1948م، يُعَدّ البداية الفعلية لاستبدال البلاستيك بالتعليب الزجاجي للمواد الاستهلاكية ذات الاستخدام الواحد مثل المواد الغذائية، المشروبات وغيرها، ثم ما لبث أنْ دخلت الصناعات البلاستيكية حياتنا في العقود الماضية بشكلٍ مثير للانتباه بعد أن استحوذت منتجاتها على جزء كبير من الاستخدامات اليومية كالأدوات الجراحية، عدسات أجهزة التصوير وتحسين الرؤية، الأكياس، ألعاب الأطفال، تخفيف وزن السيارات والقوارب والطائرات باستخدام أنواع جديدة من البلاستيك المقوى بألياف زجاجية وغيرها من الأغراض الصناعية والمنزلية، والتي ما تزال تغزو الأسواق والمحال التجارية وبسطات الأرصفة في مختلف بلدان العالم من دون دراية بأضرارها البالغة على صحة الإنسان أو إدراك لآثارها السلبية ببيئة الحياة في المدى البعيد. ويضاف إلى ذلك أنَّ صراعاً تنافسياً يحتدم الآن ما بين العديد من الشركات العالمية في مجال صناعة المعالجات وتغليفها وصناعة الترانزستور البلاستيكي المرن والقابل للشد، والذي تُنفق عليه أموالاً طائلة.

يُعَدّ النفط المصدر الرئيس لجميع أنواع البلاستيك الذي يجري تصنيعه باعتماد عملية يطلق عليها اصطلاح (البلمرة)، والتي تقوم آلياتها على بناء سلاسل مركبات هيدروكربونية بواسطة تفاعلات كيميائية بمساعدة الضغط والحرارة، مع العرض أنَّ هذه العملية التي تنتمي إلى صناعة البتروكيماويات، توصف بأنَّها عملية كبيرة ومعقدة، وتخلفُ الكثير من المواد الملوثة والضارة، إذ تشكل بوليمرات متعددة الأنواع المواد الأولية لصناعة البلاستيك، بالإضافة إلى مواد كيمياوية أخرى متباينة الوظائف كإعطاء اللون، الشفافية، الصلابة، الليونة، الطراوة، قابلية الانثناء، إلى جانب موادَ أخرى تضاف أيضاً لأجل رفع جودة أداء هذا النوع من المنتجات مثل إزالة الشحنات الكهربائية الساكنة عن سطح البلاستيك، مضادات أكسدة، مواد مزيتة وغيرها.

يمكن الجزم بأنَّ الموادَ الكيمياوية السامة التي تدخل في صناعة المنتج البلاستيكي بمقدورها دخول جسم الإنسان وفي مجرى الدم بالاتصال المباشر، إذ يمكن أن تتسرب من خلال الهواء، المأكل والمشرب، إذ أثبتت العديد من الدراسات المنجزة في جامعات ومراكز بحثية معتمدة أنَّ هناك أنواعاً من المنتجات البلاستيكية تُعَدّ أحد أسباب الإصابة بمرض السرطان حتى في جرعات منخفضة جداً. والمذهل في الأمر أنَّ الضررَ لا يتوقف على هذا المرض الخبيث فحسب، حيث كشفت دراسات مقترنة بتجارب عديدة أنَّ البلاستيك يتسبب في إحداث عيوب خلقية وتغيرات جينية، بالإضافة إلى تعريض المستهلكين للإصابة بالعديد من الأمراض الأخرى كإلتهاب الشعب الهوائية المزمن، القرحة، الأمراض الجلدية، الصمم، فشل الرؤية، عسر الهضم، اختلال الكبد، ضعف المناعة، بداية مبكرة للبلوغ، البدانة، السكري، فرط النشاط لدى الأطفال، بالإضافة إلى العديد من المشكلات الأخرى التي يمكن أن يتعرض لها الناس في عالم اليوم بسبب استخدام البلاستيك.

بالاستناد إلى حقيقة عدم تحلل المنتجات البلاستيكية التي يجري التخلص منها بأسلوب الطمر في التربة، وما يمكن أن تفضي إليه هذه المواد من أضرارٍ بليغة على البيئة، فإنَّ العديدَ من الأطباء المتخصصين ينصحون المستهلكين بالابتعاد نهائياً عن استخدام الأكواب والأكياس البلاستيكية بسبب الخشية من أضرارها المتمثلة بتعريضهم للإصابة بمختلف الأمراض؛ بالنظر لإمكانية انتقال العديد من المركبات السامة الموجودة في البلاستيك إلى الأغذية، ولاسيما الأغذية الحمضية والساخنة، والتي تحتوي على دهون.   في أمان الله.

تشير الدراسات العلمية إلى أنَّ حدوثَ التسمم الغذائي مرتهن بفاعلية مجموعة عوامل، لعلَّ من أهمها تلوث الأيدي أو الملابس للعاملين فِي المطابخ أو تعرض أدوات المطبخ أو أسطح تحضير الطعام المستخدمة لتجهيز اللحوم والدواجن والأسماك إلى حالات تلوث، بالإضافة إلى عوامل أخرى من بينها وجود ناقل للجراثيم الممرضة في الأطعمة والأشربة أو حملها من العمالة أو الحيوانات الموجودة بمحيط العمل أو المعيشة. ويضاف إلى ذلك أنَّ بقاءَ الطعام مكشوفاً في جوّ الغرفة العادي لفترةٍ من الزمن، من شأنه المساهمة في جعله مهيأ لنمو الجراثيم الممرضة، مع العرض أنَّ توفرَ أحد العوامل المذكورة آنفاً بوسعه إحداث حالة تسمم غذائي.     

يشارُ إلى مجموعة الأعراض الناجمة عن تناول طعام أو شراب ملوثٍ بالبكتريا، الفيروسات، الجراثيم، الطفيليات والمواد الكيماوية السامة باسم التسمم الغذائي. وقد أظهرت الدراسات العلمية أنَّ التسممَ الغذائي، والَّذِي يُعَدّ من الأمراض المتفشية عند ظهور أعراضه فِي أكثرِ من شخصين، تعود مسببات ( 80 % ) من حالاته إلى وجود البكتريا فِي الأطعمة والأشربة الّتي يتناولها الإنسان.

يمكن القول إنَّ الإصابةَ بحالات التسمم الغذائي تحدث غالبا بعد تناول وجبات طعام ملوثة كاللحوم، البيض، الأسماك الفاسدة وغيرها، ولعلَّ ما يعزز من احتمالية إصابة الفرد بالتسمم الغذائي هو ظهور الأعراض التقليدية للإصابة به بعد ساعات قليلة من تناول وجبة طعام ملوثة، وتتمثل تلك الأعراض في الشعور بالغثيان، القيء، الإسهال وتقلصات البطن. وفي السياق التقليدي المتبع في عملية علاج التسمم الغذائي، ينصح أصحاب الاختصاص المصابين تناول كميات كبيرة من السوائل - الماء والشاي الأسود ومختلف أنواع الأعشاب الساخنة - من أجل تعويض ما يفقده الجسم من سوائل وأملاح، إلى جانب تناول بعض الأطعمة في هذه المرحلة كالتفاح والموز. ويضاف إلى ذلك ضرورة تقيد المصاب بالتعليمات الصحية التي تخفف من شدة فعالية الآثار التي يحدثها التسمم.

لعلَّ ما تجدر الإشارة إليه هو أنَّ استمرارَ الأعراض لمدة ثلاثة أيام تُعَدُّ من الحالات المهمة التي توجب عرض الشخص المصاب على الطبيب. كذلك ينبغي الانتباه إلى أنَّ ظهورَ أعراض أخرى مثل الحمى والدم في البراز قد تشير إلى مشكلةٍ أخرى تفوق في خطورتها حالة الإصابة بالتسمم الغذائي. ومن الضروري أيضاً توخي الحذر الشديد عند التعامل مع أعراض التسمم الغذائي التي يتعرض لها الأطفال، الحوامل وكبار السن؛ لأنَّ تدهور الحالة الصحية عند هؤلاء الأشخاص يمتاز بكونه أكثر سرعة، ما يعني خطورته الشديدة.

من المهم حرص العاملين في المطابخ على اتباع بعض الإرشادات الصحية البسيطة، والتي بوسعها المساهمة في الوقاية من الإصابة بالتسمم الغذائي وتجنب ما يترتب عليه من مساوئ، والتي من جملتها الامتناع عن تقطيع اللحوم والأسماك على لوحة تقطيع الخضروات، إلى جانب التقيد التام بغسل اليدين بشكلٍ جيد قبل المباشرة بإعداد الطعام. كذلك يشدد المتخصصين على ضرورة قلي اللحوم والأسماك لفترة كافية قبل الشروع بعملية الطهي؛ بغية ضمان قتل الجراثيم المحتمل وجودها.

فِي أمان الله.

أظهرت البيانات الصادرة عن إدارتي مجلس القضاء الأعلى ومفوضية حقوق الإنسان زيادة مخيفة بمعدل حالات الطلاق في عموم العراق خلال السنوات الماضية، ففي الوقت الذي أعلن فيه مجلس القضاء الأعلى عن تسجيل محاكم العراق أكثر من (70) ألف حالة طلاق في عام 2017م، أظهر بيان لمفوضية حقوق الانسان أنَّ محكمةَ استئناف بغداد الرصافة تُعَدّ الاكثر تسجيلاً لحالات الطلاق في عام 2018م بالمقارنة مع ما شهدته محاكم الاستئناف الأخرى، مع العرض أنَّ بيانَ مجلس القضاء الأعلى المذكور آنفاً أشار إلى احتلال العاصمة بغداد المرتبة الأولى أيضاً في حالات الطلاق مقارنة ببقية محافظات البلاد، إذ سجلت محاكمها أكثر من (27) ألف حالة طلاق في العام ذاته!.       

ليس خافياً أنَّ ما أشرنا إليه آنفاً من إحصائياتٍ صادمة، يدق ناقوس الخطر إثر تنامي مشكلة اجتماعية كبيرة بشكلٍ يقلل من فرص معالجتها قريبا، بالإضافة إلى الخشية التي توجبها جملة المخاطر المترتبة على تضخُّم معدلات الطلاق التي شهدها مجتمعنا في الآونة الاخيرة. ولا ريب أنَّ هناك عوامل متعددة تقف خلف بروز تلك المشكلة بصورتها المقلقة من حيث البيئة المناسبة لنضوجها، والتي تجعل منها إحدى الظواهر الغريبة والطارئة على مجتمعنا. وفي هذا السياق تشير الكثير من الدارسات إلى أنَّ في طليعة العوامل الرئيسة التي تسببت في استفحال ظاهرة الطلاق في مجتمعنا هو الاستخدام السلبي لتقنيات الاتصال الحديثة التي اجتاحت بلادنا بشكلٍ مفاجئ بعد سنوات من عزلة دولية ومحلية. 

يمكن الجزم بأنَّ قنواتَ التواصل الاجتماعي - التي دخلت البيوت في أبعد مدننا - أفضت إلى تهديد الاستقرار الأسري بفعل مساهمتها في تعزيز العوامل الرئيسة المسؤولة عن رفع نسب الطلاق؛ بالنظر لتسببها في إصابة الأزواج - ومختلف الشرائح العمرية - بالإدمان على تلك القنوات والعيش تحت تأثير العالم الافتراضي الذي استحوذ على الكثير من وقت واهتمام أغلب من يستخدم تلك المواقع، إلى جانب تسببها في زيادة العوامل المساهمة في إعاقة محاولة الفرد العيش حياة طبيعية، إذ لم يعد ممكناً حضور مبدأ التواصل الواقعي في علاقة الزواج الذي يوجب الارتقاء بالحياة الزوجية إلى مستوى المشاركة بالأحداث والمشاعر والهموم مثلما كانت تقوم عليه فيما مضى. ولعلَّ ما يؤكد هذه الرؤية هو ما أحدثته قنوات التواصل الاجتماعي من تغيرات بنيوية في نمط حياة الأشخاص في بلادنا، مع العرض أنَّ مختلف بلدان العالم عانت بدرجات متفاوتة من تلك التحولات بفعل ما تعرضت له مجتمعاتها من ثورة عنيفة في أنماط سلوكيات أفرادها، لدرجة أفضت إلى زيادة اهتمام الباحثين في مجالات علمي النفس والاجتماع بهذا الأمر الذي أثمر عن ركون الحكومات إلى إنشاء مراكز لعلاج الإدمان على قنوات التواصل الاجتماعي في العديد من دول العالم.      

في أمان الله.

   من المعلوم أنَّ الحبَ كحالة إنسانية سامية، وما يكتنفه من لواعج العشق وصور الجمال، شكل على مدى العصور حافزاً قوياً لإثارة إبداع الشعراء، فضلاً عن مساهمة إبداعية المنجز الشعري بفاعليةٍ في تميز بعض الشعراء عن نظرائهم. ولا ريب أنَّ إبداعَ الشاعر يرتكز بشكلٍ أساس على الموهبة المقترنة بتنوع مصادر المعرفة التي يوظفها هذا الشاعر أو ذاك لرغبةٍ جامحة في التعبير عما يشعر به، أو قد يوجه بوصلتها نحو بلوغ المجد والإحساس بالتميز حيناً ما، مع العرض أنَّ الشعورَ الخفي الذي يؤرق الشاعر، ويرغب البوح به قصد إيصاله إلى المتلقي، يبقى على الدوام رهين ما يمتلكه من أدواتِ البناء الشعري التي بوسعها ترجمة ما بداخله من رؤى، وما يطرق في ذهنه من هواجس.

 أسوق هذه المقدمة الموجزة بعد ما أطلعت على ديوان (ترانيم الفتى البغدادي) للشاعر غزوان علي ناصر الصادر عن مكتبة فضاءات الفن في بغداد، والذي يُعَدّ إصداره البكر. وعلى الرغم من اختلاف معايير المشارب والأذواق، الاّ أنَّ ما أثار انتباهي بدايةً بخصوص الديوان موضوع البحث هو ما تجسد بأمرين، أولهما الانتقائية في اختيار العنوان الذي ضمنه كلمة ترانيم، وهذه المفردة كما هو معروف في معاجم اللغة العربية تستمد خاصيتها المؤثرة في المتلقي مما تحمله في طياتها من معانٍ ترقى بالرؤيا الجمالية، وتستفز بما تحمله من بهاء ذائقته الجمالية، فالتَّرْنِيمُ لغةً: تطريب الصوت. الرَّنِيمُ والتَّرْنيمُ: تَطْرِيبُه، وقد رَنَّمَ الحَمامُ والجُنْدَبُ والقَوْسُ، وما اسْتُلِذَّ صَوْتُهُ، وتَرَنَّمَ. ترنَّمَ يترنَّم، ترنُّمًا، فهو مُترنِّم، ترنَّم المُغنِّي ونحوُه، رَنَّمَ الْمُطْرِبُ: غَنَّى على نَغَماتِ العُودِ غِنَاءً عَذْباً حَسَناً وَرَجَّعَهُ، رنِم: رجَّع صوته وتغنَّى في تطريب وتَحنان ترنَّم الطائرُ في هديره. 

 أما الأمر الآخر، فقد تمثل باعتمــاد غزوان المواءمــة والتكييــف ما بين الشعر والفن؛ لأجل الوصــول إلــى صياغــةٍ ذات قيمة أدبية وفنية معبرة، إذ أطل علينا في وليده الأدبي هذا بما يعتمل في ذاته من مشاعر وخيالٍ جامح بعد أنْ عودنا على الاندهاش بلوحاته الفنية. فقد ركن غزوان إلى اقتران قصائد الديوان الشعرية بلوحاتٍ فنية غاية في الجمال. وأكثر من ذلك أنَّ جميعَ اللوحات - التي وجدت لها حضوراً في صفحات ترانيم الفتى البغدادي - رسمها الشاعر بريشته من دون الاستعانة بفنانٍ آخر كما هو شائع في أغلب الإصدارات الأدبية. ومن الجدير بالذكر في هذا السياق، هو تباين الرؤى حيال موضوع المواءمة والتطابق ما بين الرسم والشعر، والتي وصلت إلى قناعة بعضهم إلى أنَّ الشاعرَ ما يزال متخلفا كثيراً عن الرسام في تجسيم الأشياء المادية، إلا أنَّ هناك رأياً آخر للرسام والنحات الإسباني خوان ميرو (1893 - 1983م)، والذي يُعَدّ أحد أشهر فناني المدرسة التجريدية، يقول فيه: (أنا لا أميز أبداً بين الرسم والشعر. أحيانا أوضح لوحاتي بعبارات شعرية وأحيانا العكس). كذلك يشير أعظم الفنانين وأكثرهم تأثيراً في القرن العشرين الرسام العالمي والنحات بابلو بيكاسو (1881 - 1973م) إلى منجزه بوصفه رساماً وشاعراً. وبالاستناد إلى هذه الرؤى، فإنَّ تمسكَ الشاعر غزوان بالمواءمة في ديوانه هذا ما بين البوح والصورة، فضلاً عن الحرص على تفاعلهما، مكنه من النجاح في مهمة جعل الصورة تكيف نفسها مع قريضه، ولم يستثني من ذلك حتى اللوحة التصويرية التي اعتمدها المصمم في تصميم غلاف مجموعته الشعرية. ولعلَّ المذهلُ فِي الأمر أَنَّ اقترانَ الشعر بالرسم في هذا الديوان أضفى عليه مسحة من الجمال والرونق سعياً من الشاعر لتحقيق أعلى درجة من التفاعل ما بينه وبين المتلقي أو القارئ. ويبدو أنَّ هذا الامتزاج والتماهي ما بين الشعر وفن الرسم هو الذي دفع الدكتور إياد الباوي إلى الإشارة للشاعر غزوان بوصفه من رواد قصيدة (القصورة) المعاصرين.

إنَّ القراءةَ المتأنية لقصائد الديوان المذكور، تظهر بشكلٍ جلي أنَّ عاطفةَ الحب الصادق المقرونة بمسحة الجمال تشكل أبرز الينابيع التي أثارت قريحة الشاعر غزوان الإبداعية، وحفزته على البوح شعراً، إلى جانب تجسيد عواطفه رسماً؛ لذا كان الغزل حاضراً بقوة في أروقة الديوان فقد كانت القصيدة الوجدانية تشكل سمته الأساسية، وتعكس ما يخالج نفس الشاعر من مشاعرٍ جياشة ومتدفقة بالوجد والحب، والتحرق عطشاً وشوقاً صوب الجمال. وهذه القصائد كما يصفها الشاعر والناقد الجزائري الأستاذ الدكتور يوسف وغليسي (قصائد تحترف الغزل البغدادي العريق، وتستعيد شيوخ العشق الشعري العراقي القديم) ويلقب الشاعر (بصريع الغواني) تشبيها له بالشاعر العباسي المشهور مسلم بن الوليد الملقب بصريع الغواني. وتدعيماً لما ذكر، أرى من المناسب اختيار أبيات عدة من أحد نصوص الشاعر، والتي يقول فيها:

اني صريعُ الغواني والهوى دأبي 

عشق الجمال وحبّ البيضِ يصبيني 

قد كان أقصى مرامي يامعذبتي

أن بين نهديك ياروحي تضمّيني / من قصيدة (صريعُ الغواني) ص37

فهو شاعر عاشق يتبع الجمال ويلاحقه:

أضعتُ رشدي واني عاشقٌ ولهٌ

يهوى الجمالَ ولا يبغي به ضررا / من قصيدة ( معجزةُ الحسنِ ) ص 68

المتوجب إدراكه أنَّ الجمالَ في تشكيل القصيدة الشعرية بهذا الديوان مغمساً بالصدق والنقاء، ما يعني أنَّ هيامَ عشق غزوان الذي فاض بوحاً وغدا ركيزة لإنجاز لوحاته الفنية لا يخرج عن دائرة الغزل العذري والحسي، فالجمال لا ينبغي أنْ يفسرَ بوصفه قضية حسية ترتهن بالغرائز الجنسية. وتحضرني في هذا الإطار مقولة للشاعر إميل ناصيف ضمنها كتابه الموسوم (أروع ما قيل في الوجدانيات)، والتي يقول فيها: (الشعر الوجداني ينطلق من قلب الشاعر ليتوجه إلى قلبه موحداً بين الذات والموضوع محولاً الشاعر إلى النبع والمصب في آن واحد). ويمكن القول إنَّ السماتَ الجمالية المميزة للقصائد التي ضمها الديوان المذكور، وفي المقدمة منها اللغة الشعرية والصورة الشعرية، تكشف لنا عن شاعر وجداني عميق الإحساس، متمكن من أدواته الشعرية، ضليع باللغة ومحب لجماليتها، ولا غرابة في هذه الميزة ما دام غزوان علي ناصر يدرس اللغة العربية كونه احد طلبة الدكتوراه في اختصاص النقد والأدب. ولعلَّ من المهم الإشارة هنا إلى أنَّ مؤلفَ هذا الديوان يشتغل على القصيدة العمودية الكلاسيكية على الرغم من انفتاحه على أجناس الشعر الأخرى، إذ يبدو بما لا يقبل التأويل أنَّه يجد قصيدة العمود أقرب إلى نفسه.

إنَّ القراءةَ المتأنية المتأملة لقصائد ديوان ترانيم الفتى البغدادي تقود إلى الاحساس بتميز الشاعر غزوان فيما يكتبه وذلك يتجلى  بأسلوبه السهل الممتنع، إذ يتصف أسلوبه في تركيب أبياته الشعرية بسلاسة المفردات ووضوح معانيها، وصدق عاطفتها، ما يجعل قصائده أكثر إثارة للمتلقي واقرب إلى نفسه وخلجات وجدانه. ومن وحي القراءةَ المذكورة آنفاً، ندرك أيضاً تميز شاعرية غزوان بلغةٍ شعرية عززت بنية القصيدة وساهمت في المحافظة عليها بفضل امتلاكه إمكانيات شعرية غير محدودة، والتي ساهمت في تدعيم منجزه الشعري الواعد بما أفضت إليه من شعرٍ رقيق، إذ اتسم شعره بقوة التأثير وصدق العاطفة، إلى جانب إجادته التفنن في نسج الصورة الشعرية. وأما الاوزان الشعرية التي استعملها الشاعر في ثنايا هذا الديوان فقد كانت متنوعة كالبحر الوافر، والبحر الكامل، والبحر المتقارب والبحر البسيط الذي كانت له هيمنة واضحة على باقي الأوزان الشعرية.

وفي الوقت الذي أبارك فيه منجز الزميل الشاعر غزوان علي ناصر، أختم حديثي عن ديوانه البكر باختيار أبيات عدة من قصيدته (غادة الفيحاء) ص 159 :

وتلطَّفي في عاشـــــقٍ متســـــوِّلٍ

                         أبكى السَّمـــا حزناً ومــا أبكـــــاكِ

عندي مِــن الأشـــعارِ ما لـو قلتُهُ

                        غارتْ نســــاءٌ لــــو بها ألقــــــاكِ

عندي مِن الأشواقِ حبٌّ ســـاحرٌ

                         باحـــــــتْ بـهِ الشَّفتانِ حينَ أراكِ

دنياي مِنْ غيرِ الوصــالِ مريرةٌ

                        فكأنَّني أمشـــي على الأشــــــواكِ

لكِ بسمةٌ من لطفِها لو أشـــــرقتْ

                          لتشعشعتْ من نـورِهـِـــا خــدَّاكِ

هـاتي الشِّفاهَ أهيمُ فيهـــــا لحظـةً

                         ولتسقني خمـــــرَ الحـــياةِ يـداكِ

................................................ 

 المجموعة الشعرية: ترانيم الفتى البغدادي

المؤلف: الشاعر غزوان علي ناصر

تاريخ الاصدار: الطبعة الأولى 2019م

عدد صفحات الديوان: 207 صفحة

مطبعة تنوير

الناشر: مكتبة فضاءات الفن - بغداد - العراق