مشروع تجاري
لَطيف عَبد سالم

لَطيف عَبد سالم

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

يمكن القول إنَّ الحربَ العالمية الثانية كانت أحد أبرز الأسباب التي ساهمت بفاعليةٍ في زيادة الطلب على مادة البلاستيك الصناعي أو ما يشار إليها باسم (اللدائن)، والتي جرى اختراعها في عام 1929م، إلا أنَّ مرحلةَ ما بعد الحرب شهدت توسعاً في رواجها بسبب ابتكار الصناعيين العديد من المجالات الجديدة لاستخداماتها في أغلب مجالات الحياة. ولعلَّ السبب في زيادة تطبيقات صناعة البلاستيك هو امتلاكها جملة من الخواص المميزة، فضلاً عن سهولة التعامل معها صناعياً وتجارياً. وهو الأمر الذي أفضى إلى تحديد التوجه التنموي للعديد من الصناعات بالاعتماد على مادة البلاستيك الصناعي.

لا مغالاة في القول إنَّ عام 1948م، يُعَدّ البداية الفعلية لاستبدال البلاستيك بالتعليب الزجاجي للمواد الاستهلاكية ذات الاستخدام الواحد مثل المواد الغذائية، المشروبات وغيرها، ثم ما لبث أنْ دخلت الصناعات البلاستيكية حياتنا في العقود الماضية بشكلٍ مثير للانتباه بعد أن استحوذت منتجاتها على جزء كبير من الاستخدامات اليومية كالأدوات الجراحية، عدسات أجهزة التصوير وتحسين الرؤية، الأكياس، ألعاب الأطفال، تخفيف وزن السيارات والقوارب والطائرات باستخدام أنواع جديدة من البلاستيك المقوى بألياف زجاجية وغيرها من الأغراض الصناعية والمنزلية، والتي ما تزال تغزو الأسواق والمحال التجارية وبسطات الأرصفة في مختلف بلدان العالم من دون دراية بأضرارها البالغة على صحة الإنسان أو إدراك لآثارها السلبية ببيئة الحياة في المدى البعيد. ويضاف إلى ذلك أنَّ صراعاً تنافسياً يحتدم الآن ما بين العديد من الشركات العالمية في مجال صناعة المعالجات وتغليفها وصناعة الترانزستور البلاستيكي المرن والقابل للشد، والذي تُنفق عليه أموالاً طائلة.

يُعَدّ النفط المصدر الرئيس لجميع أنواع البلاستيك الذي يجري تصنيعه باعتماد عملية يطلق عليها اصطلاح (البلمرة)، والتي تقوم آلياتها على بناء سلاسل مركبات هيدروكربونية بواسطة تفاعلات كيميائية بمساعدة الضغط والحرارة، مع العرض أنَّ هذه العملية التي تنتمي إلى صناعة البتروكيماويات، توصف بأنَّها عملية كبيرة ومعقدة، وتخلفُ الكثير من المواد الملوثة والضارة، إذ تشكل بوليمرات متعددة الأنواع المواد الأولية لصناعة البلاستيك، بالإضافة إلى مواد كيمياوية أخرى متباينة الوظائف كإعطاء اللون، الشفافية، الصلابة، الليونة، الطراوة، قابلية الانثناء، إلى جانب موادَ أخرى تضاف أيضاً لأجل رفع جودة أداء هذا النوع من المنتجات مثل إزالة الشحنات الكهربائية الساكنة عن سطح البلاستيك، مضادات أكسدة، مواد مزيتة وغيرها.

يمكن الجزم بأنَّ الموادَ الكيمياوية السامة التي تدخل في صناعة المنتج البلاستيكي بمقدورها دخول جسم الإنسان وفي مجرى الدم بالاتصال المباشر، إذ يمكن أن تتسرب من خلال الهواء، المأكل والمشرب، إذ أثبتت العديد من الدراسات المنجزة في جامعات ومراكز بحثية معتمدة أنَّ هناك أنواعاً من المنتجات البلاستيكية تُعَدّ أحد أسباب الإصابة بمرض السرطان حتى في جرعات منخفضة جداً. والمذهل في الأمر أنَّ الضررَ لا يتوقف على هذا المرض الخبيث فحسب، حيث كشفت دراسات مقترنة بتجارب عديدة أنَّ البلاستيك يتسبب في إحداث عيوب خلقية وتغيرات جينية، بالإضافة إلى تعريض المستهلكين للإصابة بالعديد من الأمراض الأخرى كإلتهاب الشعب الهوائية المزمن، القرحة، الأمراض الجلدية، الصمم، فشل الرؤية، عسر الهضم، اختلال الكبد، ضعف المناعة، بداية مبكرة للبلوغ، البدانة، السكري، فرط النشاط لدى الأطفال، بالإضافة إلى العديد من المشكلات الأخرى التي يمكن أن يتعرض لها الناس في عالم اليوم بسبب استخدام البلاستيك.

بالاستناد إلى حقيقة عدم تحلل المنتجات البلاستيكية التي يجري التخلص منها بأسلوب الطمر في التربة، وما يمكن أن تفضي إليه هذه المواد من أضرارٍ بليغة على البيئة، فإنَّ العديدَ من الأطباء المتخصصين ينصحون المستهلكين بالابتعاد نهائياً عن استخدام الأكواب والأكياس البلاستيكية بسبب الخشية من أضرارها المتمثلة بتعريضهم للإصابة بمختلف الأمراض؛ بالنظر لإمكانية انتقال العديد من المركبات السامة الموجودة في البلاستيك إلى الأغذية، ولاسيما الأغذية الحمضية والساخنة، والتي تحتوي على دهون.   في أمان الله.

تشير الدراسات العلمية إلى أنَّ حدوثَ التسمم الغذائي مرتهن بفاعلية مجموعة عوامل، لعلَّ من أهمها تلوث الأيدي أو الملابس للعاملين فِي المطابخ أو تعرض أدوات المطبخ أو أسطح تحضير الطعام المستخدمة لتجهيز اللحوم والدواجن والأسماك إلى حالات تلوث، بالإضافة إلى عوامل أخرى من بينها وجود ناقل للجراثيم الممرضة في الأطعمة والأشربة أو حملها من العمالة أو الحيوانات الموجودة بمحيط العمل أو المعيشة. ويضاف إلى ذلك أنَّ بقاءَ الطعام مكشوفاً في جوّ الغرفة العادي لفترةٍ من الزمن، من شأنه المساهمة في جعله مهيأ لنمو الجراثيم الممرضة، مع العرض أنَّ توفرَ أحد العوامل المذكورة آنفاً بوسعه إحداث حالة تسمم غذائي.     

يشارُ إلى مجموعة الأعراض الناجمة عن تناول طعام أو شراب ملوثٍ بالبكتريا، الفيروسات، الجراثيم، الطفيليات والمواد الكيماوية السامة باسم التسمم الغذائي. وقد أظهرت الدراسات العلمية أنَّ التسممَ الغذائي، والَّذِي يُعَدّ من الأمراض المتفشية عند ظهور أعراضه فِي أكثرِ من شخصين، تعود مسببات ( 80 % ) من حالاته إلى وجود البكتريا فِي الأطعمة والأشربة الّتي يتناولها الإنسان.

يمكن القول إنَّ الإصابةَ بحالات التسمم الغذائي تحدث غالبا بعد تناول وجبات طعام ملوثة كاللحوم، البيض، الأسماك الفاسدة وغيرها، ولعلَّ ما يعزز من احتمالية إصابة الفرد بالتسمم الغذائي هو ظهور الأعراض التقليدية للإصابة به بعد ساعات قليلة من تناول وجبة طعام ملوثة، وتتمثل تلك الأعراض في الشعور بالغثيان، القيء، الإسهال وتقلصات البطن. وفي السياق التقليدي المتبع في عملية علاج التسمم الغذائي، ينصح أصحاب الاختصاص المصابين تناول كميات كبيرة من السوائل - الماء والشاي الأسود ومختلف أنواع الأعشاب الساخنة - من أجل تعويض ما يفقده الجسم من سوائل وأملاح، إلى جانب تناول بعض الأطعمة في هذه المرحلة كالتفاح والموز. ويضاف إلى ذلك ضرورة تقيد المصاب بالتعليمات الصحية التي تخفف من شدة فعالية الآثار التي يحدثها التسمم.

لعلَّ ما تجدر الإشارة إليه هو أنَّ استمرارَ الأعراض لمدة ثلاثة أيام تُعَدُّ من الحالات المهمة التي توجب عرض الشخص المصاب على الطبيب. كذلك ينبغي الانتباه إلى أنَّ ظهورَ أعراض أخرى مثل الحمى والدم في البراز قد تشير إلى مشكلةٍ أخرى تفوق في خطورتها حالة الإصابة بالتسمم الغذائي. ومن الضروري أيضاً توخي الحذر الشديد عند التعامل مع أعراض التسمم الغذائي التي يتعرض لها الأطفال، الحوامل وكبار السن؛ لأنَّ تدهور الحالة الصحية عند هؤلاء الأشخاص يمتاز بكونه أكثر سرعة، ما يعني خطورته الشديدة.

من المهم حرص العاملين في المطابخ على اتباع بعض الإرشادات الصحية البسيطة، والتي بوسعها المساهمة في الوقاية من الإصابة بالتسمم الغذائي وتجنب ما يترتب عليه من مساوئ، والتي من جملتها الامتناع عن تقطيع اللحوم والأسماك على لوحة تقطيع الخضروات، إلى جانب التقيد التام بغسل اليدين بشكلٍ جيد قبل المباشرة بإعداد الطعام. كذلك يشدد المتخصصين على ضرورة قلي اللحوم والأسماك لفترة كافية قبل الشروع بعملية الطهي؛ بغية ضمان قتل الجراثيم المحتمل وجودها.

فِي أمان الله.

أظهرت البيانات الصادرة عن إدارتي مجلس القضاء الأعلى ومفوضية حقوق الإنسان زيادة مخيفة بمعدل حالات الطلاق في عموم العراق خلال السنوات الماضية، ففي الوقت الذي أعلن فيه مجلس القضاء الأعلى عن تسجيل محاكم العراق أكثر من (70) ألف حالة طلاق في عام 2017م، أظهر بيان لمفوضية حقوق الانسان أنَّ محكمةَ استئناف بغداد الرصافة تُعَدّ الاكثر تسجيلاً لحالات الطلاق في عام 2018م بالمقارنة مع ما شهدته محاكم الاستئناف الأخرى، مع العرض أنَّ بيانَ مجلس القضاء الأعلى المذكور آنفاً أشار إلى احتلال العاصمة بغداد المرتبة الأولى أيضاً في حالات الطلاق مقارنة ببقية محافظات البلاد، إذ سجلت محاكمها أكثر من (27) ألف حالة طلاق في العام ذاته!.       

ليس خافياً أنَّ ما أشرنا إليه آنفاً من إحصائياتٍ صادمة، يدق ناقوس الخطر إثر تنامي مشكلة اجتماعية كبيرة بشكلٍ يقلل من فرص معالجتها قريبا، بالإضافة إلى الخشية التي توجبها جملة المخاطر المترتبة على تضخُّم معدلات الطلاق التي شهدها مجتمعنا في الآونة الاخيرة. ولا ريب أنَّ هناك عوامل متعددة تقف خلف بروز تلك المشكلة بصورتها المقلقة من حيث البيئة المناسبة لنضوجها، والتي تجعل منها إحدى الظواهر الغريبة والطارئة على مجتمعنا. وفي هذا السياق تشير الكثير من الدارسات إلى أنَّ في طليعة العوامل الرئيسة التي تسببت في استفحال ظاهرة الطلاق في مجتمعنا هو الاستخدام السلبي لتقنيات الاتصال الحديثة التي اجتاحت بلادنا بشكلٍ مفاجئ بعد سنوات من عزلة دولية ومحلية. 

يمكن الجزم بأنَّ قنواتَ التواصل الاجتماعي - التي دخلت البيوت في أبعد مدننا - أفضت إلى تهديد الاستقرار الأسري بفعل مساهمتها في تعزيز العوامل الرئيسة المسؤولة عن رفع نسب الطلاق؛ بالنظر لتسببها في إصابة الأزواج - ومختلف الشرائح العمرية - بالإدمان على تلك القنوات والعيش تحت تأثير العالم الافتراضي الذي استحوذ على الكثير من وقت واهتمام أغلب من يستخدم تلك المواقع، إلى جانب تسببها في زيادة العوامل المساهمة في إعاقة محاولة الفرد العيش حياة طبيعية، إذ لم يعد ممكناً حضور مبدأ التواصل الواقعي في علاقة الزواج الذي يوجب الارتقاء بالحياة الزوجية إلى مستوى المشاركة بالأحداث والمشاعر والهموم مثلما كانت تقوم عليه فيما مضى. ولعلَّ ما يؤكد هذه الرؤية هو ما أحدثته قنوات التواصل الاجتماعي من تغيرات بنيوية في نمط حياة الأشخاص في بلادنا، مع العرض أنَّ مختلف بلدان العالم عانت بدرجات متفاوتة من تلك التحولات بفعل ما تعرضت له مجتمعاتها من ثورة عنيفة في أنماط سلوكيات أفرادها، لدرجة أفضت إلى زيادة اهتمام الباحثين في مجالات علمي النفس والاجتماع بهذا الأمر الذي أثمر عن ركون الحكومات إلى إنشاء مراكز لعلاج الإدمان على قنوات التواصل الاجتماعي في العديد من دول العالم.      

في أمان الله.

   من المعلوم أنَّ الحبَ كحالة إنسانية سامية، وما يكتنفه من لواعج العشق وصور الجمال، شكل على مدى العصور حافزاً قوياً لإثارة إبداع الشعراء، فضلاً عن مساهمة إبداعية المنجز الشعري بفاعليةٍ في تميز بعض الشعراء عن نظرائهم. ولا ريب أنَّ إبداعَ الشاعر يرتكز بشكلٍ أساس على الموهبة المقترنة بتنوع مصادر المعرفة التي يوظفها هذا الشاعر أو ذاك لرغبةٍ جامحة في التعبير عما يشعر به، أو قد يوجه بوصلتها نحو بلوغ المجد والإحساس بالتميز حيناً ما، مع العرض أنَّ الشعورَ الخفي الذي يؤرق الشاعر، ويرغب البوح به قصد إيصاله إلى المتلقي، يبقى على الدوام رهين ما يمتلكه من أدواتِ البناء الشعري التي بوسعها ترجمة ما بداخله من رؤى، وما يطرق في ذهنه من هواجس.

 أسوق هذه المقدمة الموجزة بعد ما أطلعت على ديوان (ترانيم الفتى البغدادي) للشاعر غزوان علي ناصر الصادر عن مكتبة فضاءات الفن في بغداد، والذي يُعَدّ إصداره البكر. وعلى الرغم من اختلاف معايير المشارب والأذواق، الاّ أنَّ ما أثار انتباهي بدايةً بخصوص الديوان موضوع البحث هو ما تجسد بأمرين، أولهما الانتقائية في اختيار العنوان الذي ضمنه كلمة ترانيم، وهذه المفردة كما هو معروف في معاجم اللغة العربية تستمد خاصيتها المؤثرة في المتلقي مما تحمله في طياتها من معانٍ ترقى بالرؤيا الجمالية، وتستفز بما تحمله من بهاء ذائقته الجمالية، فالتَّرْنِيمُ لغةً: تطريب الصوت. الرَّنِيمُ والتَّرْنيمُ: تَطْرِيبُه، وقد رَنَّمَ الحَمامُ والجُنْدَبُ والقَوْسُ، وما اسْتُلِذَّ صَوْتُهُ، وتَرَنَّمَ. ترنَّمَ يترنَّم، ترنُّمًا، فهو مُترنِّم، ترنَّم المُغنِّي ونحوُه، رَنَّمَ الْمُطْرِبُ: غَنَّى على نَغَماتِ العُودِ غِنَاءً عَذْباً حَسَناً وَرَجَّعَهُ، رنِم: رجَّع صوته وتغنَّى في تطريب وتَحنان ترنَّم الطائرُ في هديره. 

 أما الأمر الآخر، فقد تمثل باعتمــاد غزوان المواءمــة والتكييــف ما بين الشعر والفن؛ لأجل الوصــول إلــى صياغــةٍ ذات قيمة أدبية وفنية معبرة، إذ أطل علينا في وليده الأدبي هذا بما يعتمل في ذاته من مشاعر وخيالٍ جامح بعد أنْ عودنا على الاندهاش بلوحاته الفنية. فقد ركن غزوان إلى اقتران قصائد الديوان الشعرية بلوحاتٍ فنية غاية في الجمال. وأكثر من ذلك أنَّ جميعَ اللوحات - التي وجدت لها حضوراً في صفحات ترانيم الفتى البغدادي - رسمها الشاعر بريشته من دون الاستعانة بفنانٍ آخر كما هو شائع في أغلب الإصدارات الأدبية. ومن الجدير بالذكر في هذا السياق، هو تباين الرؤى حيال موضوع المواءمة والتطابق ما بين الرسم والشعر، والتي وصلت إلى قناعة بعضهم إلى أنَّ الشاعرَ ما يزال متخلفا كثيراً عن الرسام في تجسيم الأشياء المادية، إلا أنَّ هناك رأياً آخر للرسام والنحات الإسباني خوان ميرو (1893 - 1983م)، والذي يُعَدّ أحد أشهر فناني المدرسة التجريدية، يقول فيه: (أنا لا أميز أبداً بين الرسم والشعر. أحيانا أوضح لوحاتي بعبارات شعرية وأحيانا العكس). كذلك يشير أعظم الفنانين وأكثرهم تأثيراً في القرن العشرين الرسام العالمي والنحات بابلو بيكاسو (1881 - 1973م) إلى منجزه بوصفه رساماً وشاعراً. وبالاستناد إلى هذه الرؤى، فإنَّ تمسكَ الشاعر غزوان بالمواءمة في ديوانه هذا ما بين البوح والصورة، فضلاً عن الحرص على تفاعلهما، مكنه من النجاح في مهمة جعل الصورة تكيف نفسها مع قريضه، ولم يستثني من ذلك حتى اللوحة التصويرية التي اعتمدها المصمم في تصميم غلاف مجموعته الشعرية. ولعلَّ المذهلُ فِي الأمر أَنَّ اقترانَ الشعر بالرسم في هذا الديوان أضفى عليه مسحة من الجمال والرونق سعياً من الشاعر لتحقيق أعلى درجة من التفاعل ما بينه وبين المتلقي أو القارئ. ويبدو أنَّ هذا الامتزاج والتماهي ما بين الشعر وفن الرسم هو الذي دفع الدكتور إياد الباوي إلى الإشارة للشاعر غزوان بوصفه من رواد قصيدة (القصورة) المعاصرين.

إنَّ القراءةَ المتأنية لقصائد الديوان المذكور، تظهر بشكلٍ جلي أنَّ عاطفةَ الحب الصادق المقرونة بمسحة الجمال تشكل أبرز الينابيع التي أثارت قريحة الشاعر غزوان الإبداعية، وحفزته على البوح شعراً، إلى جانب تجسيد عواطفه رسماً؛ لذا كان الغزل حاضراً بقوة في أروقة الديوان فقد كانت القصيدة الوجدانية تشكل سمته الأساسية، وتعكس ما يخالج نفس الشاعر من مشاعرٍ جياشة ومتدفقة بالوجد والحب، والتحرق عطشاً وشوقاً صوب الجمال. وهذه القصائد كما يصفها الشاعر والناقد الجزائري الأستاذ الدكتور يوسف وغليسي (قصائد تحترف الغزل البغدادي العريق، وتستعيد شيوخ العشق الشعري العراقي القديم) ويلقب الشاعر (بصريع الغواني) تشبيها له بالشاعر العباسي المشهور مسلم بن الوليد الملقب بصريع الغواني. وتدعيماً لما ذكر، أرى من المناسب اختيار أبيات عدة من أحد نصوص الشاعر، والتي يقول فيها:

اني صريعُ الغواني والهوى دأبي 

عشق الجمال وحبّ البيضِ يصبيني 

قد كان أقصى مرامي يامعذبتي

أن بين نهديك ياروحي تضمّيني / من قصيدة (صريعُ الغواني) ص37

فهو شاعر عاشق يتبع الجمال ويلاحقه:

أضعتُ رشدي واني عاشقٌ ولهٌ

يهوى الجمالَ ولا يبغي به ضررا / من قصيدة ( معجزةُ الحسنِ ) ص 68

المتوجب إدراكه أنَّ الجمالَ في تشكيل القصيدة الشعرية بهذا الديوان مغمساً بالصدق والنقاء، ما يعني أنَّ هيامَ عشق غزوان الذي فاض بوحاً وغدا ركيزة لإنجاز لوحاته الفنية لا يخرج عن دائرة الغزل العذري والحسي، فالجمال لا ينبغي أنْ يفسرَ بوصفه قضية حسية ترتهن بالغرائز الجنسية. وتحضرني في هذا الإطار مقولة للشاعر إميل ناصيف ضمنها كتابه الموسوم (أروع ما قيل في الوجدانيات)، والتي يقول فيها: (الشعر الوجداني ينطلق من قلب الشاعر ليتوجه إلى قلبه موحداً بين الذات والموضوع محولاً الشاعر إلى النبع والمصب في آن واحد). ويمكن القول إنَّ السماتَ الجمالية المميزة للقصائد التي ضمها الديوان المذكور، وفي المقدمة منها اللغة الشعرية والصورة الشعرية، تكشف لنا عن شاعر وجداني عميق الإحساس، متمكن من أدواته الشعرية، ضليع باللغة ومحب لجماليتها، ولا غرابة في هذه الميزة ما دام غزوان علي ناصر يدرس اللغة العربية كونه احد طلبة الدكتوراه في اختصاص النقد والأدب. ولعلَّ من المهم الإشارة هنا إلى أنَّ مؤلفَ هذا الديوان يشتغل على القصيدة العمودية الكلاسيكية على الرغم من انفتاحه على أجناس الشعر الأخرى، إذ يبدو بما لا يقبل التأويل أنَّه يجد قصيدة العمود أقرب إلى نفسه.

إنَّ القراءةَ المتأنية المتأملة لقصائد ديوان ترانيم الفتى البغدادي تقود إلى الاحساس بتميز الشاعر غزوان فيما يكتبه وذلك يتجلى  بأسلوبه السهل الممتنع، إذ يتصف أسلوبه في تركيب أبياته الشعرية بسلاسة المفردات ووضوح معانيها، وصدق عاطفتها، ما يجعل قصائده أكثر إثارة للمتلقي واقرب إلى نفسه وخلجات وجدانه. ومن وحي القراءةَ المذكورة آنفاً، ندرك أيضاً تميز شاعرية غزوان بلغةٍ شعرية عززت بنية القصيدة وساهمت في المحافظة عليها بفضل امتلاكه إمكانيات شعرية غير محدودة، والتي ساهمت في تدعيم منجزه الشعري الواعد بما أفضت إليه من شعرٍ رقيق، إذ اتسم شعره بقوة التأثير وصدق العاطفة، إلى جانب إجادته التفنن في نسج الصورة الشعرية. وأما الاوزان الشعرية التي استعملها الشاعر في ثنايا هذا الديوان فقد كانت متنوعة كالبحر الوافر، والبحر الكامل، والبحر المتقارب والبحر البسيط الذي كانت له هيمنة واضحة على باقي الأوزان الشعرية.

وفي الوقت الذي أبارك فيه منجز الزميل الشاعر غزوان علي ناصر، أختم حديثي عن ديوانه البكر باختيار أبيات عدة من قصيدته (غادة الفيحاء) ص 159 :

وتلطَّفي في عاشـــــقٍ متســـــوِّلٍ

                         أبكى السَّمـــا حزناً ومــا أبكـــــاكِ

عندي مِــن الأشـــعارِ ما لـو قلتُهُ

                        غارتْ نســــاءٌ لــــو بها ألقــــــاكِ

عندي مِن الأشواقِ حبٌّ ســـاحرٌ

                         باحـــــــتْ بـهِ الشَّفتانِ حينَ أراكِ

دنياي مِنْ غيرِ الوصــالِ مريرةٌ

                        فكأنَّني أمشـــي على الأشــــــواكِ

لكِ بسمةٌ من لطفِها لو أشـــــرقتْ

                          لتشعشعتْ من نـورِهـِـــا خــدَّاكِ

هـاتي الشِّفاهَ أهيمُ فيهـــــا لحظـةً

                         ولتسقني خمـــــرَ الحـــياةِ يـداكِ

................................................ 

 المجموعة الشعرية: ترانيم الفتى البغدادي

المؤلف: الشاعر غزوان علي ناصر

تاريخ الاصدار: الطبعة الأولى 2019م

عدد صفحات الديوان: 207 صفحة

مطبعة تنوير

الناشر: مكتبة فضاءات الفن - بغداد - العراق

يمكن القول إنَّ العالمَ برمته يواجه في حاضرنا الكثير من التحديات التي تثير المخاوف من سلبية انعكاساتها على مستقبل البشرية، بالإضافة إلى تيقن جميع الحكومات من عدم إمكانية أي دولة التوصل إلى حلولٍ شافية لها بمعزلٍ عن الجهود الدولية. ولعلَّ من بين التحديات التي دفعت الكثير من الدول البحث عن مصادرٍ بديلة للوقود الأحفوري، والسعي الحثيث لإيجاد أمثل البدائل والحلول التي بوسعها تجاوز مشكلة عدم الوفرة المتوقعة، هو محدودية مصادر إنتاج الطاقة في ظل تناقص مواردها، وربما عدم توفرها بكفايةٍ في العديد من دول العالم، إلى جانب عدم استقرار أسعار النفط بفعل ما أفضت إليه التوترات الدولية التي يشهدها العالم من زيادةٍ في عدد متغيرات العرض والطلب. ويضاف إلى ذلك معاناة بيئة الحياة من سلبية آثار الوقود الأحفوري، والتي من أبرز صورها: تلوث الهواء، تلوث الماء، تآكل طبقة الأوزون، فضلاً عن آثار التغيرات المناخية التي ظهرت في مناطق مختلفة من أرجاء المعورة بفعل زيادة معدلات إنتاج الطاقة التقليدية بالاعتماد على حرق الوقود الأحفوري. 

على الرغم من ظهور مؤشراتٍ ملموسة تؤكد ما يتعرض له العالم من المخاطر التي تعبر عن حاجة ملحة إلى ركون الإدارات الصناعية لتخطيط مستقبلي بمقدور آلياته المساهمة في ضمان الوقاية من مشكلات التلوث البيئي، فالمذهل في الآمر هو أنَّ انتقالَ بعض الدول نحو مصادر الطاقة البديلة تميز بالبطء وعدم الجدية، فيما تسعى الكثير من دول العالم الأخرى إلى الانتقال التدريجي نحو اعتماد مصادر الطاقة المتجددة؛ بالنظر لأدراكها أهمية هذا المنحى الذي ألزمها الإسراع بخطى جادة في تبني العديد من الخطط والدراسات على الصعيدين الحكومي والخاص لتشجيع استخدامات الطاقة النظيفة.

في سياق التوجه العالمي صوب تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري في مهمة الحصول على الطاقة والاستعاضة عنه بمصادرٍ متجددة أو بديلة، نجحت كوستاريكا - إحدى دول أميركا الوسطى - في تحقيق ما وصف برقمٍ قياسي في مجال تحسين البيئية والمحافظة على عناصرها؛ إذ تمكنت هذه الدولة - التي تغطي الغابات الاستوائية نحو ثلث أرضها، وتبلغ المساحة المخصصة للمتنزهات والمحميات الطبيعية فيها نحو (25%) من إجمالي مساحتها - من استخدام الطاقة النظيفة طيلة (300) يوم متتالٍ لإنتاج الطاقة الكهربائية. ولعلَّ المثير للاهتمام أنَّ إدارةَ الطاقة في هذا البلد الذي يشار إليه بوصفه أكثر دول العالم صداقة للبيئة، استطاعت تحقيق هذا الإنجاز في الوقت الذي ما تزال فيه بعض العواصم الغربية تشهد جدلاً واسعاً حول التكاليف المترتبة على الطاقة النظيفة، فضلاً عن تأثيرها في النمو الاقتصادي. وتحتل طاقة الرياح ثم الطاقة الحرارية الجوفية، إلى جانب الطاقتين الحيوية والشمسية المرتبة الثانية بعد الطاقة الكهرومائية التي تشكل نحو (78%) من إجمالي إنتاج الطاقة المتجددة في عموم مناطق كوستاريكا. وعلى الرغم من محدودية الإنجاز البيئي التاريخي المذكور آنفاً بسبب اقتصاره على ميدان إنتاج الطاقة الكهربائية، وعدم شموله قطاع السيارات التي ما يزال الوقود مصدرا لنحو (7%) منها، فأنَّ اهتداءَ القيادات الإدارية في هذه الدولة الصغيرة الواقعة ما بين الأميركتين لاستراتيجية التحول صوب ميدان الطاقات النظيفة، أتاح لإدارة الطاقة فيها الإستغناء عن النفط وغيره من أنواع الوقود الأحفوري.

ونحن نغادر تجربة هذه الدولة التي تُعَدّ الوحيدة في أمريكا اللاتينية المدرجة على قائمة أقدم (22) دولة ديمقراطية في العالم، بمقدورنا تلمس إحدى التجارب الحديثة الأخرى في هذا المنحى أيضاً، والمتمثلة بمطار (بكين داكسينغ) الدولي الجديد الذي ساهمت في تصميمه المهندسة المعمارية العراقية الراحلة زها حديد، والذي يمكنه استيعاب (72) مليون مسافر سنوياً، إذ أعلنت الصين أنَّ هذا المطار الذي يُعَدّ من أضخم المطارات الدولية على وجه الأرض، صمم للعمل جزئياً بالطاقة النظيفة، فبالإضافة إلى المصادر التقليدية، سيعمل هذا المطار العملاق بمصادرٍ متنوعة من الطاقة النظيفة تشمل طاقة الأرض والشمس، والتي تصل نسبة إنتاجها إلى (10%).

جدير بالإشارة أنَّ تغطيةَ متطلبات الطاقة الكهربائية لهذا المطار الذي أقيم استجابةً للارتفاع الشديد في حركة النقل الجوي الصيني، ومن المتوقع أنْ يصبحَ واحداً من أكثر مطارات العالم ازدحاماً، فرضت على المصممين نشر آلاف الوحدات من الأنظمة الضوئية الشمسية على امتداد سقف مبنى المطار، فضلًا عن مناطق الشحن، وسقوف المباني المخصصة لركن السيارات، إذ يتوقع أنْ تولدَ الأنظمة الضوئية المذكورة بمفردها طاقة كهربائية تصل إلى نحو   (6.1) مليون ساعة كيلوواط كهربائية سنوياً.

 

في أمان الله.     

ذاتَ لَيْلَةٍ مُطَيْرة في مطلع العقد الثامن من القرن الماضي، إستفاق مِنْ شروده عَلَى صوت صغيرته المدللة، فوثب مذعوراً قبل أنْ يهرعَ حافي القدمين وقلبه يسبق أوسع خُطُوَاتِه صوب حجرة والدته الَّتِي تَعِدها كُلّ ما ورثته عَنْ أبيه.

أصابه الذهول لفترةٍ من الزمن وهو يحاول لملمة أفكاره خلال انشغاله بعقدِ ذيل دشداشته العتيقة بوساطةِ حزامٍ متهرئ وهبه إياه قبل أعوام عدة جده لأمه، بعد أنْ جعل من بابِ حُجْرَتها المتهالك سندَاً لظهرِه، أطرقَ للأرضِ قبل أنْ يترك لعينيه النظر إليها وهي تكور جسمها محولة إياه لما يشبه كرة غير منتظمة الأبعاد بفعلِ احتضانها وسادة تحتفظ بها منذ ليلة زفافها لأجل التخفيف من ثقل امراضها.

كان جل اهتمامه منصباً علَى الظفر بمحاولةِ إبعاد كل ما يثبط عزيمته حول التعامل معها بطريقة مِنْ شأنها خلخلة وجدانها المعبأ غيظاً وألما.

وهي ترخي عينيها في إغماضهٍ خفيفة أعادت إليه ذكرى حزنها يوم مات أصغر أبنائها غرقاً، حدق في صغيرته وأشار بيده إليها أن تتقدم منه، تحركت ببطء شديـد، وقفت أمامه، انحنى قليلاً، رفعت رأسها نحوه، همس في أذنها وهو يداعب شعرها بإصبعه، ذهبت لحجرته راكضة، ثم عادت إليه تحمل حقيبتها المدرسية، احتضن الحقيبة وافترش الأرض، أخرج منها دفتراً صغيرا وقلم رصاص، أمسك القلم من المنتصف وانحنى به على الدفتر، ممرّراً إياه في الورق بالاتجاهات كافة.

كانت والدته حيرى فيما بوسعها فعله، ووسط ذهولها نظرت نحوه ثم قالت:

- ماذا تفعل يا ولدي؟

رفع رأســه نحوها مبتسماً وقال:

- أكتب رساله إلى أخي.

قالت له والذعــر بائن في نظراتها:

- كيف تكتب رسالة وأنت لا تقرأ ولا تكتب؟

أشار إليها بيده قائلاً:

- وما الضير في ذلك؟ ما دام هو أيضاً لا يجيد القراءة والكتابة!.