مشروع تجاري
ثامر الحجامي

ثامر الحجامي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

   رفعت الرايات، وتعالت الأصوات، وجعجعت الأحزاب بأسلحتها، ترمي يمينا وشمالا كل معارض، وإشتد غبار المعركة، حتى إختلط الحابل بالنابل، وصعد القادة على المنابر، يرددون الشعارات الرنانة، ويعيدون على آذان الحاضرين كلمات مستهلكة بلحن جديد.

   إنجلى غبار المعركة، ونزل الفرسان من سفح الجبل، وحان وقت تقاسم المغانم، والتكالب على المناصب، وتشكلت حكومة توافقية، شعارها المهنية وباطنها الحزبية، مخالفة لأبرز فقرة دستورية، فأضاعت تسمية الكتلة الأكبر البرلمانية، تحت قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، فأنتجت لنا حكومة فاقدة الشرعية، وإياك أن تقول ذلك! فربما تزعل عليك جارة شرقية، أو تتعرض لعقوبات صارمة من دولة غربية، فأصبحنا شعبا ودولة فاقدين الهوية.

   متلازمة التوافقات أصابت العملية السياسية من رأسها الى أصغر قاعدة فيها، فالوزراء محاصصة ووكلائهم محاصصة، والهيئات موزعة على الأحزاب الحاكمة، والمدراء العامون كل يستنجد بحزبه ليبقيه في محله، مقابل الدعم والتمويل من عقود المؤسسات، ومفوضية الإنتخابات تناهشتها الأحزاب فيما بينها بقرار برلماني، وإذا ما حدث خلاف على النتائج تحرق صناديق الإنتخابات.

   وزارات تدار من مكاتب الأحزاب، ومشاريع وإستثمارات في جيوب الفاسدين، حدود مباحة للتجار والمهربين، وموانئ إستولت عليها أحزاب ومليشيات، ونفط مهرب تجول به الباخرات، فنادق أصبحت مرتعا للدعارة وتجار المخدرات، عشائر تضاهي الدولة في تسليحها، وأزمة كبيرة في تطبيق القانون، ينجو منه الكبير ويضيع فيه الصغير، لو صرخت ليلا ونهارا، لا أحد يسمع منك، ولا حلول تلوح في الأفق، فالقرار خارج الحدود!

   لأن الغالبية مشترك في حكومة جعلت الوطن ملعبا للصراعات الإقليمية، وليس لاعبا ومؤثرا في الأحداث الدولية التي تكاد تعصف به، مهددة أرضه وشعبه وخيراته، ولأن الأغلب أخذ نصيبه من الكعكة، غاب الحسيب والرقيب، وإختفى الصوت المعارض الذي ينبه على أماكن الضعف ومناطق الخلل، بل إن المعارضة للحكومة أصبحت شذوذا في نظام ديمقراطي، يفترض به أن يقوم على معادلة الموالاة والمعارضة.

    مرت السنوات وتعاقبت خمس حكومات، لكنها لم تستطع أن تجيب على التساؤلات، نحن في العراق.. هل هناك في الأفق حل لمشاكلنا؟ لماذا نحن متعبون دائما؟ لماذا لا توفر أبسط  الطلبات لحياتنا اليومية؟ فنحن نفتقد الماء الصالح للشرب، ومشكلة الكهرباء أصبحت عصية، وشبابنا عاطل عن العمل، يشكون مستقبلا مجهولا، يعانون الضياع والعوز واليأس والإحباط، لا يرون حلولا لمعاناتهم في المستقبل القريب.

   السؤال الأهم الذي لم تتم الإجابة عنه هو أين تذهب أموال البلاد؟ ولماذا يطالب أعلى مسؤول في السلطة بأدلة على وجود الفساد؟! وماهي الحلول الناجعة للوقوف بوجه المفسدين؟ الذين أثروا على حساب الدولة، وأصبحت لهم ما فيات إعلامية تدافع عنهم، بل إن أياديهم إمتدت لثروات الوطن، فبتنا نشهد حرائق المزارع، وحرق المؤسسات وحرب المولات، والحكومة تقف موقف المتفرج من كل ما يجري، وكأن الأمر لا يعنيها.

 لا ندري حين نسأل هذه الأسئلة.. هل نتبنى الخطاب المعارض للحكومة؟ أم نريد بناء دولة كباقي الأمم، يشعر أبنائها بالأمان والراحة، تتوفر لهم حقوق وعليهم واجبات، يعيشون في ظل حكم رشيد، يكون فيه الناس سواسية تحت مظلة القانون.

 
 

 إجتاحت مدن العراق موجات كبيرة من أسراب الصراصير، ولم تترك بيتا إلا ودخلته سواء في الريف أو المدينة، فقيرا كان أم غنيا، فما إن تشعل مصباحا للإضاءة حتى تتجمع حوله، وكثر الجدل حول هذه الظاهرة، التي يرجعها البعض الى غزارة الأمطار هذا الموسم، بينما يعزوها البعض الى إرتفاع درجات الحرارة.

    إختلفت أساليب العراقيين في التعامل مع هذه الحشرات، فبعضهم هرع الى إحضار المبيدات والقضاء عليها، وبعضهم صار ينظف منزله يوميا كي يتخلص من المجاميع التي دخلته، بينما عمد البعض الى إستخدام الطرق البدائية بواسطة ضربها بالمكانس والأحذية، والمضحك أن النساء لم تعد تخشاها كما كان يشاع سابقا، الأمر المهم أنه لم يعمد أحد الى إطفاء مصابيح الإنارة والعيش في الظلام، للتخلص من الصراصر.

  إنتهى الموسم السياسي في العراق بعد تشكيل الحكومة العراقية، حيث كان هذا الموسم مختلفا عمن سبقه من المواسم في شكل التحالفات السياسية، وفي تشكيل الكتل التي إبتعد أغلبها عن الطائفية والقومية، لكن السمة الغالبة لها كان تكالب الجميع على المناصب الحكومية، ومحاولة الإستئثار بالمناصب التنفيذية، للحصول على مغانمها من عقود وأموال وتعيينات، بينما فضل بعض الأحزاب السياسية التوجه الى المعارضة، ورسم خارطة سياسية جديدة قوامها الموالاة والمعارضة.

  بعيدا عن التسميات والأهداف والغايات، فإن تغير نمطية العملية السياسية ذات الصبغة التوافقية، الى حالة جديدة مبنية على أغلبية حاكمة تشكل الحكومة، وترسم السياسات العامة لإدارة الدولة وتتحمل النجاح أو الفشل أمام الجمهور، وأقلية معارضة تراقب الأداء الحكومي وتشير الى مواطن الخلل، وصوتا معبرا عن رأي الشارع، والمحرك الذي يحرك الجماهير الرافضة للأداء الحكومي بطريقة سلمية " إن إستطاعت ذلك ".

   الغر يب أن هذه التجربة الجديدة لم ترق للبعض، الذي كان مستفيدا من الحالة السابقة، حين كان شريكا في الحكومة ويتظاهر ضدها في ساحة التحرير، بينما جند آخرون أقلامهم لمهاجمة جبهة المعارضة ومحاولة الإنتقاص منها، وصبوا جام غضبهم عليها، محاولين حهدهم مهاجمة شخوصها مرة، أو تسفيه شعاراتها وأهدافها، حتى أنهم يحملوها فشل الحكومة في تطبيق ما تعهدت به في برنامجها الحكومي، وبقاء كثير من المناصب تدار بالوكالة حتى هذه الساعة!

  لايوجد شيء مكتمل، ولا يخلوا أي أمر من أهداف وغايات لاسيما في السياسة العراقية، وقضية المعارضة معرضة للنقد والنقاش دون تسفيه أو تسقيط، أو محاولة قتل لتجربة جديدة في السياسة العراقية، تبعدنا عن طريقة التوافقات وتقسيم المغانم التي جلبت الفساد والفشل والإرهاب، لذلك فإن محاولات الأقلام المأجورة الإنتقاص من تجربة المعارضة هو أشبه بتجمع الصراصير على مصباح الإنارة.

 رغم إن طريقة سانت ليغو أبتكرت عام 1910، إلا أن العراقيين لم يعرفوا هذا الإسم إلا حين مارسوا الإنتخابات، وأجريت عليه تعديلات كثيرة،عند كل عملية إنتخابية، مما إثار جدلا واسعا في الشارع السياسي العراقي بين مؤيد ورافض.

  ففي عام 2014 أعتمدت صورة معدلة لقانون سانت ليغو، بقاسم إنتخابي 1.4 بعد إن كان 1.7 في الإنتخابات التي سبقتها، ثم أصبح 1.9 في إنتخابات عام 2018، مما أضاع على القوائم والكتل الصغيرة فرصة الوصول الى البرلمان والمشاركة في العملية السياسية، حيث كان وجودها واضحا في الدورة التي سبقتها.

    مجالس المحافظات في العراق ما زالت تعيش تأثيرات قانون سانت ليغو المعدل، فالكثير من الكتل المشتركة في تلك المجالس، هاجسها الحصول على أكبر المغانم من وجودها في السلطة، فلا إئتلافات مستقرة تدير المحافظات، والمناصب التنفيذية تتغير كل فترة بإختلاف تلك الكيانات، وآخرها ما شهدناه من إقالة للمحافظين في أغلب محافظات العراق، في بغداد الموصل والنجف وكربلاء وذي قار والسماوة والديوانية، والفوضى التي حصلت فيها جعلتها عاجزة عن القيام بالمهام الموكلة اليها، مما أثر على مستوى تقديم الخدمات الى المواطن.

   البعض يريد من قانون سانت ليغو أن يضمن مشاركة القوائم الصغيرة ويسهل وصولها الى السلطة، كي لا يكون الأمر مقتصرا على القوائم والأحزاب الكبيرة، تحت ذرائع متعدد منها المساعدة على وصول الكفاءات وضمان مشاركة الجميع في الحكم، وعدم ضياع الأصوات وتسهيل مشاركة أعداد كبيرة من الناخبين، لكن التجربة أثبتت الفشل الذريع لهذه الآراء وولدت فوضى ما زالت تعاني منها المحافظات، بعد أن تخلص البرلمان من التركة السابقة بعد إنتخابات عام 2018.

   أقر البرلمان العراقي قانون الإنتخابات الجديد، الذي سينظم إنتخابات مجالس المحافظات في بداية نيسان 2020، معتمدا على القاسم الإنتخابي 1.9 الذي سيقصي القوائم والاحزاب الصغيرة، التي لن تجد لها فرصة في منافسة الأحزاب الكبيرة، ويمنع " أفضل الخاسرين " من الوصول الى السلطة، وهو أمر وإن كان يقلل من فوضى تشكيل الأحزاب والكيانات التي تجاوز عددها 250 حزبا، لكنه سيعزز سطوة الأحزاب الكبيرة وإمساكها بقرار إدارة المحافظات.

   ما بين سانت ليغو وسانت ليغو المعدل وتغير قواسمه الإنتخابية تبعا للظروف السياسية ومصالح الكتل الحاكمة، غاب الإستقرار عن المشهد السياسي العراقي محليا وإتحاديا، بسبب غياب القانون الذي يضمن نزاهة العملية الإنتخابية، ويوفر العدالة للجميع، ويعطي ثقة للناخب بعدم ضياع صوته، ويبعد البلاد عن الصراعات السياسية التي لا تحمد عقباها، التي من آثارها حرق الصناديق وإقالة مفوضية الإنتخابات السابقة.

ما نريده هو قانون ينظم العملية الإنتخابية في العراق، ويوفر ظروف ملائمة للتطور والإزدهار، وليس لعبة تساعد أصحاب القرار على التشبث بالسلطة.

 أعيش في مدينة نائية، يكاد يكون سكانها المائة ألف من عائلة واحدة، بسبب الإرتباطات العشائرية المتداخلة والعلاقات الإجتماعية المتوارثة من الأجداد الى الأبناء، وأن كل ما يجمع سكان هذه المدينة سوق صغير لا تدخله النساء! ومجموعة مقاه على جنبات الشارع الذي يقسمها الى نصفين.

     كان من الغريب أن تشاهد في هذه المدينة تصرفات خارجة عن المألوف، فالمعلم إبن المحلة سيلتقي بوالدك عصرا ليخبره بأدق التفاصيل عنك في المدرسة، وإذا غاب والدك بإمكان والدتك أن تنادي على جارهم ليقصم ظهرك حين ترتكب تصرفا يغضبها، وعند مغيب الشمس لابد من العودة للبيت والتهيؤ ليوم غد، فلا وجود للكوفي شوب وتدخين الأركيلة، ولا جلوس في النوادي الليلة وتناول المشروبات الكحولية، ولا خروج للشوارع وركوب السيارات المكشوفة او الدراجات النارية.

    على حين غرة؛ ضربت هذه المدينة عاصفة هوجاء! وتبدلت أحوالها، وتغيرت طباع أهلها، وما كان محرما أصبح مباحا، وما كان مكروها أصبح مستحبا، وضاع الإرث التاريخي لها وتغيرت تسميات أبرز معالمها، فمقهى حجي علي الذي كان يجتمع فيه كبار المدينة أصبح "كوفي شوب الأمراء" ومحل حلاقة "سلمان " تحول الى صالون " المدينة" لحلاقة وتجميل الرجال وبيع الخلطات لتنظيف وتبيض البشرة! ومن كان يخاف أن يتناول شراب " الدكسون " أو حبة " الفاليوم " صار يتناول المشروبات الكحولية ويسير مترنحا في الشوارع دون خوف أو خجل.

   ظواهر غريبة بدأت تظهر في تلك المدينة الصغيرة، فالحبوب المخدرة أخذت تنتشر في صفوف الشباب بطريقة مخيفة، وصار كثير يتفاخر بإقتناء الأنواع الغالية منها، ولا أحد يعاني من الحصول عليها كونها متوفرة بكل يسر وسهولة، وأستخدمت وسائل كثيرة لغسل دماغ الشباب وإستغلال الإحباط الذي يعانون منه، بسبب الظروف الإقتصادية، وألاعيب مروجي المخدرات التي تسهل الحصول عليها، وجعلها الحل لما يعانيه الشباب من مشاكل إجتماعية وإضطرابات نفسية، فتغيرت طباع الشباب وتصرفاتهم، وبرزت مشاكل كثيرة، أبرزها إنتشار الجريمة والسرقة.

    كان " أبو حافظ " الشرطي الوحيد المسؤول عن حفظ النظام في المدينة، فهو يعاقب المتجاوزين على أملاك البلدية والأرصفة، ويهابه جميع أصحاب المركبات فلا يخالف منهم أحدا، وهو المسؤول عن أوامر القبض بحق من إرتكب جرما أو مخالفة، فما أن يخرج " أبو حافظ " من مركز الشرطة واضعا عصى التبختر تحت إبطه حتى يستتب الأمن في ربوع المدينة، عكس فوج الشرطة الآن الذي يملأ الشوارع  دون أن يكون قادرا على بسط الأمن، فضلا عن محاسبة المجرمين ومروجي المخدرات، والضعف الواضح في تطبيق القانون.

    يضاف الى ضعف أداء الإجهزة الأمنية، الضعف الواضح في عدم كفاية الأحكام والقوانين التي تردع تجار المخدرات، وأحكام العفو المتكررة عن التجار للهروب من العقاب، بل إن هناك علاقة قوية بين بعض تجار المخدرات ومتنفذين في الدولة، يسهلون عملهم وترويج بضاعتهم، وضعف الأداء الحكومي في معالجة مشاكل المتعاطين، وعدم إيجاد الحلول لوقف إنتشارها وغياب المراكز التأهيلية لمعالجة المدمنين، وعدم وجود وسائل التثقفيف والتوعية للتعربف بمخاطر المخدرات.

   يمثل إنتشار المخدرات في صفوف المجتمع العراقي أزمة حقيقية، لا تختلف أبدا عن الأزمات السياسية والأمنية التي تعرضت لها البلاد، وجلس الجميع وتوحدت الصفوف من أجل القضاء عليها، لذلك لا بد أن تتوحد الجهود الحكومية والإجتماعية ابتداء من الأسرة والمدرسة والإعلام، من أجل الوقوف ضد الإرهاب الجديد وإنقاذ المجتمع من خطره.

 دأبت جميع المجتمعات على تشريع القوانين التي تنظم الحياة البشرية والعلاقة بين أفراد المجتمع، وتكون ميزانا لحقوق الناس وتمنع إنتهاكها، مستندة الى تشريعات دينية أو مبادئ دستورية ثابتة، تشتق منها تلك القوانين.

  لكن الغريب أن نرى إصرارا على قوانين في ظاهرها براق، ولكن عند تطبيقها نراها قد خالفت التشريعات السماوية، المنطلق الإساس لأغلب القوانين وتجاوزت المبادئ والتشريعات الدستورية، التي جعلها الشارع مقدسة يتعرض للعقوبة من يخالفها! بل إن هذه القوانين أخذت تساهم تدريجيا في هدم المجتمع، لأنها تهدم أهم أركانه وهو الأسرة، وذلك بإيجاد تمايز وفوارق بين أفرادها.

نصت المادة (2) أولا من الدستور العراقي: " لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت وأحكام الإسلام " كما إن المادة (41) منه نصت أيضا " العراقيون أحرار في إختيار أحوالهم حسب مذاهبهم وحسب إختيارهم " ورغم ذلك ما زلنا نجد قوانين تخالف التشريعات الإسلامية التي يعتقد بها غالبية العراقيين، أو موادا أساسية من الدستور العراقي، ربما لعجز المشرع العراقي عن إيجاد البدائل القانونية والتشريعية الصحيحة، أو خوفا من أن تثير هذه التعديلات موجة من الانتقاد للمشرعين، من قبل المستفيدين من إبقاء الأوضاع كما هي عليه الآن.

   من أهم تلك القوانين التي ما زال مسكوتا عنها منذ إقرار الدستور العراقي والبدء بسن قوانين مطابقة له، هو قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 وبالخصوص المادة 57 منه، التي تضمنت طبيعة الحضانة للطفل بعد إنفصال الأبوين، ووضعت شروطا وقواعد تسير عليها محاكم الأحوال الشخصية، لفض النزاعات بين الوالدين حول حضانة الاولاد، والتعديلات المجحفة التي وضعها مجلس قيادة الثورة المنحل على هذه المادة، حتى جعلت الأب لا يستطيع حضانة ولده أو العيش معه لحين بلوغه خمسة عشر عاما!

   رغم أن فقهاء المسلمين على إختلاف مذاهبهم أولوا موضوع الحضانة أهمية بالغة وأوجدوا التشريعات " الشرعية " لحضانة الأطفال وهذا ما إعتمده النظام الملكي، الذي أرجع حضانة الطفل بحسب المذاهب والأديان، جاء المشرع العراقي في قانون الاحوال الشخصية المرقم 188 لسنة 1959 ووضع المادة 57، بعد أن إستخلص من الآراء الفقهية تلك ما رأى أنه يحقق مصلحة المحضون، وبما ينسجم مع واقع المجتمع العراقي.

   التعديلات التي أدخلها مجلس قيادة الثورة على هذا القانون أفرغته من محتواه وجعلته خطرا يهدد الأبناء وتربيتهم، فبعد أن كانت مدة الحضانة للزوجة سنتين أو سبعة أصبحت عشرة ثم خمسة عشر عاما، وبعد إن كانت الحضانة تسقط عن الزوجة بمجرد زواجها، أصبحت تحتفظ بأولادها حتى لو كان زوجها الأجنبي عليه قيد جنائي! في مخالفة لشروط الحضانة، وهي مصلحة المحضون بحسب ما نص عليه القانون، إضافة الى وسائل الضغط والإكراه والتحرش التي يتعرض لها الأبناء في بيوت أزواج الأمهات، والآباء لا يستطيعون دفع الضرر عن أبنائهم لان القانون في صف الأم.

   ثم أن المشرع العراقي ظلم الآباء والأبناء في وقت واحد، حين ألغى دور الأب في عملية التربية المشتركة وجعل دوره مقتصرا على المشاهدة، التي لا تتعدى ساعتين نصف شهرية أي بمعدل 48 ساعة سنويا! إضافة الى ذلك حجم المشاكل التي يتعرض لها الآباء والأبناء عند سكن الزوجة بعيدا، أو رفضها إحضارهم الى محل المشاهدة لأعذار كثيرة، يدخل في جوانب منها حالات الإبتزاز والضغط النفسي.

   لا بد من مراجعة شاملة لقانون الأحوال الشخصية العراقي المرقم 188 لسنة 1959، بعد مرور 60 عاما على تشريعة وخصوصا المادة 57 منه، والتي فيها إحجاف كبير على شرائح مهمة من المجتمع العراقي، فإما إلغاء هذه المادة وبديلا عنها تكون الحضانة بحسب المذهب الذي تزوج عليه الاب والأم، أو إلغاء التعديلات التي أدخلها مجلس قيادة الثورة المنحل، والعودة الى أصل المادة في القانون.

 أن تكون هناك دولة؛ ليس بتوفر العناصر الأساسية لوجودها، الأرض والشعب والحكومة فحسب، فهذه العناصر يمكن أن توجد في قبيلة! ولكن أن تتوفر المقومات اللازمة لبقائها، خليط إجتماعي مستقر، ظروف أمنية طبيعية، أوضاع إقتصادية توفر حياة كريمة، وذلك لا يتحقق إلا بإدارة ناجحة تجعل الإنجاز في متناول اليد، وتوفر الظروف الملائمة على الإبداع.

   الحكومات العراقية المتعاقبة بميزانياتها الإنفجارية، ورؤوساء حكوماتها ووزارئها ببدلاتهم الرسمية وأربطتهم الأنيقة، والحكومات المحلية بمحافظيها ومجالس محافظاتها، بسياراتهم الفارهة ورواتبهم الكبيرة، مع كل ما متوفر من مؤسسات الدولة ومواردها البشرية، إفتقدت التخطيط الأستراتيجي والإدارة العلمية، لضمان بناء دولة على أسس صحيحة، تجعل من الشعب العراقي خليطا متجانسا لا تؤثر فيه النعرات الطائفية والقومية، ولا يكون الوضع الأمني كابوسا يؤرق الجميع، لا يعاني شبابه من البطاله وسوء الأوضاع الإقتصادية بسبب الفساد الإداري والمالي المستشري في مفاصل الدولة الرسمية!

   على النقيض من ذلك؛ هناك مؤسسة صغيرة، أصبحت تضاهي الدولة في عملها بل تفوقت عليها، بدون الروتين الإداري والترهل الوظيفي، بعيدا عن الإجراءات البيروقراطية التي تعيق الإنجاز وتقتل الطموح، مستندة الى تخطيط علمي وضعته عقول تسعى للتميز والإبداع، وإدارة متميزة للإمكانات المادية والبشرية، تدير المؤسسات التابعة لها بحرفية ومهنية عالية، في كيفية صرف وإستثمار الأموال، وبناء مشاريع إقتصادية وخدمية على مستوى عال من الجودة، تراعي الحاجة الفعلية لغالبية شرائح المجتمع، وتقدم خدماتها على مستوى ما نشهده في الدول المتطورة، فصرنا نشاهد الإنجازات الكبيرة من دولة تختلف عن دولتنا.

   في القطاع الصحي؛ أنشأت العتبات المقدسة صرحا طبيا عملاقا متمثلا بمستشفى الكفيل، الذي يوازي المستشفيات الطبية العالمية وفيه أمهر الكوادر الصحية من مختلف الاختصاصات، قلل من تكاليف العلاج للمرضى الذين يذهبون الى الخارج بنسبة 50% دون تحمل عناء السفر، إضافة التي تقديمه خدمات العلاج المجانية للعوائل المتعففة والآلاف من جرحى الحشد الشعبي والقوات الأمنية، يضاف له مراكز طبية متطورة تقدم تخدماتها مجانا الى المواطنين، مثل مستشفى زين العابدين الذي يجري العمليات الجراحية الكبرى بكوادر عراقية وأجنبية ماهرة، وقريبا منه مستشفى سفير الحسين، ومركز السيدة زينب لجراحة العيون والأسنان، وكذلك مستشفى خاتم الأنبياء للأمراض القلبية والأوعية الدموية، إضافة الى إنشاء معمل للصناعات الدوائية.

   أما في قطاع الزراعة؛ فقد نهضت العتبات المقدسة بتطوير القطاع الزراعي الذي عانى الإهمال المقصود من قبل الدولة، وأنشأت العديد من المشاريع الزراعية الكبرى، وزرعت آلاف الدوانم بمحاصيل الحنطة والشعير والمخاضير لسد الحاجة المحلية إليها، وحولت الصحراء الممتدة بين كربلاء والنجف الى بستان كبير، بعد أن زرعت عشرة آلاف نخلة من أجود التمور العراقية، وأنشأت بحيرات الأسماك ومزارع الأبقار والدواجن، ومعامل اللحوم والألبان، بعد أن عجزت الدولة عن القيام بهذه المشاريع والإكتفاء بالإستيراد من الخارج.

   في قطاع التربية تولت العتبات إقامة العديد من المدارس من الإبتدائية وصولا الى الجامعات، يكون التدريس فيها على أسس علمية رصينة، على أيدي أساتذة أكفاء، تجاوزت كثيرا في جودتها المدارس الحكومية البالية، أما في القطاع الخدمي فقد بنت العتبات المقدسة مدن الزائرين، تضاهي مدن العالم العصرية، تقدم خدماتها المجانية الى الزائرين من مأكل ومشرب ومبيت، وأنشأت مؤسسات خيرية لكفالة الأيتام وعوائل الشهداء والمحتاجين، وطورت المراقد المقدسة ووسعتها وفق طرق عمرانية متطورة لتسع حشود الزوار الوافدين، الذين وفرت لهم العتبات إسطول نقل بري، للتخفيف عنهم اثناء المناسبات الدينية بعد عجز واضح لمؤسسات الحكومة عن وضع الحلول، التي تسهل حركة الزائرين.

   على المستوى الثقافي والفكري، فقد تولت العتبات إقامة الكثير من الندوات والمهرجانات، التي تجمع بين أبناء البلد من مختلف الطوائف والقوميات، وإقامة معارض سنوية للكتب والمطبوعات، وإنشاء مؤسسات دينية وثقافية في العراق والعالم، وتكريم المبدعين والمتميزين من الكتاب والأدباء، فكانت محطة للقاء المفكرين من مختلف أنحاء العالم.

   حين ننظر الى الطرفين، وما يتوفر لهما من إمكانات مادية وبشرية، وبين ما تحقق من هذه وتلك، يجعلنا نطلب من الحكومة وكل مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية وأجهزتها الرقابية، ومنظوماتها التخطيطية وجيش المستشارين، وإجراءاتها الروتينية البالية، أن إتركونا لتحكمنا دولة العتبات المقدسة.