مشروع تجاري
ثامر الحجامي

ثامر الحجامي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 من يصدق.. أن العراق الذي حكم بالحديد والنار طيلة 35 عاما، وتعرض الى حصار إقتصادي دولي خانق لعشرة أعوام، وأحتله " العم  سام " وجنوده، مغيرا طبيعته السياسية والإجتماعية، وإجتيح ثلث أراضيه بين ليلة وضحاها، من " أبرهة العربي " وفيلته، مشردين أهله ومحرقين مدنه، لم يسلم منهم بشر ولا حجر، أصبح البلد الأبرز في المنطقة، ومحطة إلتقاء المتخاصمين والمختلفين؟!

    منتصف العام 2014 توقع العالم  نهاية دولة إسمها العراق.. فقد كانت خفافيش الظلام تحوم حول أسوار بغداد، بإنتظار ساعة الصفر لدخول قبلتهم المنشودة، فيما لملم البعض أمتعته وحزم حقائبه، وفيها ما خف وغلا.. موليا وجهه شطر الغرب هربا، لكن " الأبابيل " حلقت لترمي أبرهة وجنوده بحجارة من سجيل، في حرب دامية إستمرت ثلاث سنين، إنتهت بقتل الفيل وتشتت شراذم داعش، وبداية صفحة جديدة، عنوانها العراق قبلة العالم.

   يعتبر العراق نقطة الإرتكاز في منطقة الشرق، فهو الجسر الذي يربط تركيا ومن خلفها أوربا، بمنطقة الخليج وبحر العرب ومن بعدها آسيا.. وهو  الطريق البري بين إيران والسعودية، والميزان لما يحصل في المنطقة، فإذا ما إستقر العراق، كانت المنطقة مستقرة، وإذا ما حصل إضطراب فيه ينعكس عليها، وهذا ما شهدناه بعد أحداث عام 2003 وما تلاها، فحين ضربته هزة التغيير .. تبعته هزات إرتدادية لما حوله، ولما إجتاحه الإرهاب الداعشي، أصبح العالم كله يعاني من تلك التداعيات، حتى أستنفرت الجهود من أجل القضاء عليه.

  ما يمتلكه العراق من ثروات إقتصادية كبيرة، وإمكانات بشرية شبابية هائلة، وموقع جغرافي يتوسط دول لها أمكانيات إقتصادية وسياسية مؤثرة، تجعل منه ساحة للإلتقاء وتبادل المصالح، وخلق علاقة تكاملية بين هذه الدول،  إذا ما توفرت الإردة والحكمة والقرار الشجاع، الساعي لتقريب وجهات النظر، بدلا من جعله ساحة للصراع والتدافع، حيث دفعت المنطقة ثمنا باهضا من الدماء والأموال، بصراعات غير مبررة، أثرت على تطلعات الشعوب ورغباتها، في العيش بسلام وإستقرار.

  اليوم وبعد مرور خمس سنوات عن ذلك اليوم " المشؤم "، نرى العراق أصبح جسرا  يربط دول المنطقة، من شرقها لغربها ومن شمالها  لجنوبها، على الرغم من  حجم الخلافات بينها، وصار حلقة تواصل بين إيران والولايات المتحدة، وتركيا والسعودية وقطر وسوريا، بل ربما يكون هو اللاعب المؤثر فيها، خصوصا وأن العلاقات الدبلوماسية مقطوعة بين هذه الدول، لكن خيوط الحرير الموصلة بينها أصبحت كلها بيد العراق.

    العراق مؤخرا؛ كان الوسيط بين قطر وسوريا، من أجل عودتها الى الحضن العربي، وتبادل الرسائل بين السعودية وتركيا وأيران وسوريا، لترتيبات ستشهدها المنطقة قريبا عن طريقه.. ومطار بغداد صار مزدحما بوفود القادة والمسؤلين، فمن وزير الخارجية الأمريكي بومبيو الى وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، تبعهم العاهل الأردني الملك عبدالله، والزيارة التاريخية للرئيس الايراني حسن روحاني الذي ما إن غادر العراق، حتى حط ثامر السبهان وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج مصحوبا بوفد إقتصادي كبير، وما زالت بغداد تستعد لإستقبال الرئيس الفرنسي ماكرون ونظيره التركي أردوغان، بحسب مصادر عراقية.

  المرحلة القادمة مرحلة مفصلية، في طبيعة العلاقات والتوازنات في المنطقة، ستجعل العراق محجا لقادة العالم، كونه الخيمة القادرة على لم شمل الجميع، والطاولة التي ستخرج منها تفاهمات تاريخية.

 تفاعل العالم كله مع الجريمة النكراء، التي إرتكبها سفاح المسجدين في نيوزلندا، وراح ضحية ذلك الفعل الإرهابي أكثر من 50 ضحية، ليس لهم ذنب سوى إنهم كانوا مسلمين، لكن إستنكار هذه الجريمة محليا وعالميا، خفف الكثير من آلامها، ومنع كثيرا من التداعيات السياسية والإجتماعية في نيوزلندا، التي كادت تحصل بسبب ذلك العمل الإرهابي المتطرف.

  فجعت الموصل العراقية بمأساة أعظم مما حصل في نيوزلندا، كان جل الضحايا من الأطفال والنساء، الذين غرقوا في نهر دجلة، بسبب إنقلاب عبارة كانت تقل ضعف العدد المسموح به، وفقدانها لشروط السلام والأمان، في منتجع سياحي يفترض أن تكون أهم أولوياته المحافظة على سلامة السواح، وليس جني الأموال والأرباح، دون أن تكون هناك قيمة للإنسان، وحرص أن لايصاب أحد بأذى، أو يتعرض الى خطر.

   بعد سنين عجاف، إنقشعت سحب الإرهاب، وتحقق النصر الكبير، وعادت الحياة الى أم الربيعين من جديد، لتنعم هذه العوائل بالحرية والأمان، وتتمكن من الترفيه عن نفسها والخروج الى الحدائق والمتنزهات، فرحا بأعياد النوروز وقدوم الربيع الذي يختلف في الموصل، فكانت ضحكات الأطفال وإبتسامات النساء وأحاديث الرجال تملأ المكان، متناغمة مع صوت الماء في نهر دجلة، الذي إشتدت أمواجه وكأنه يستعد لحدث عظيم.

  لم يتخيل أحد من الذين صعدوا عبارة الموصل، إنها ستكون اللحظات الأخيرة، ولم يتوان العاملون على العبارة، في إصعاد كل من يريد أن يسير الى مصيره المحتوم، وكأن صوتهم ينادي من يريد الصعود في تايتنك، فتزاحم الأطفال والنساء فرحين برحلتهم النهرية التي لم تدم إلا لحظات، حتى إنقلبت العبارة بمن فيها، لتسلمهم الى نهر دجلة الهائج فابلتع منهم حوالي 100 ضحية !

   لم يكن الذين غرقوا وأفجعوا العراق بأكمله، مجرد ضحايا عبارة فحسب، وانما ضحية فساد وإستهتار بأرواح المواطنين، فالمسؤولين عن العبارة كان همهم حصد الأموال فحصدوا الأرواح، وغابت الإجراءات الإحترازية في مدينة الألعاب لمثل هذه الحالات، فلا نجادات متوفرة في محل الحادث، ولا نجدة نهرية قريبة، وغياب للغواصين في هكذا موقع، فلو كانوا متواجدين فيه، كان من الممكن تقليل عدد الضحايا بنسبة كبيرة.

   هذا الحادث يفتح الباب واسعا أمام الكثير من الأسئلة، عن المشاريع الإستثمارية ومراعاتها لشروط السلامة والحفاظ على حياة المواطنين، ولماذا حين نصاب بفاجعة فقط ننتبه الى أنفسنا ؟ وتستنفر الجهات المعنية إمكاناتها لفترة معينة حتى يتم نسيان الواقعة، فذاكرة الكثير من المسؤولين أشبه بذاكرة السمكة، ينسون ما حصل عاجلا، بعد أن يحال الى لجنة تحقيقية.

  لعنا كثيرا سفاح نيوزليندا، وطالبنا إنزال أشد العقوبات بحقه، فهل بإمكاننا أن نحاسب السفاح الآخر ؟ الذي تسبب بهذه الجريمة المروعة، أم نكتفي بإعلان الحداد، ونذرف دموع التماسيح، ونضع رؤوسنا في الرمال، منتظرين كارثة أخرى.

 إنشق جدار الكعبة .. لتدخل منه سيدة تعاني أعراض الولادة، فلم تزل في البيت العتيق، حتى إمتلأ نورا، وفاح شذى أطيب العطور، وجاء المولود الى الدنيا ساجدا، فقد تواترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت علي بن أبي طالب " عليه وآله السلام " في جوف الكعبة.

  ولد علي قبل البعثة النبوية بعشر سنين، وبعد عام الفيل بثلاثين سنة، وعاش 63 سنة، كانت مدة حكومته خمس سنوات، فكان أول القوم إسلاما وأقدمهم إيمانا، وهو ما زال صبيا، فشخص يولد في جوف الكعبة، بطريقة هي أكرم من ولادة السيد المسيح، حين منع الله السيد مريم أن تلد في محل لعبادة الله، بينما إنشق لفاطمة، فهذا الشخص سيكون له شأن عظيم في الاسلام.

 علي يفتدي النبي، وينام في فراشه، حتى يتمكن من الهجرة الى المدينة، لتكون عاصمة الدولة الإسلامية، ومنها ينطلق الفتح الإسلامي الى العالم كله، فقد كان هناك تخطيط نبوي للهجرة، ومخطط قريشي لإفشالها وقتل الرسول في فراشه، ولم تكن لتنجح الهجرة، إلا بتوفر أشبه الناس برسول الله، ليتوهم كفار قريش إن الرسول نائم في فراشه.

  حامل الراية؛ في معركة بدر، ذلك الفتى الهاشمي، الذي خرج لسادات قريش، فكان سيفه الأشد عليهم قتلا وبطشا، ولما تنتهي معركة بدر إلا وقد قتل سبعون من المشركين، نصفهم قتلهم علي، وأذل جبابرتهم، وأوقع الهيبة للمسلمين في قلوب العرب واليهود، وثبتت دعائم النبوة ومبادئ الأسلام، عندها نادى مناد من السماء : " لافتى إلا علي، ولا سيف إلا ذو الفقار ".

 في معركة أحد، حين أنهزم المسلمون، بعد إن دار عليهم خالد بن الوليد، لم يثبت مع النبي ألا علي، حين نظر له النبي وقال له : ياعلي إكفني هؤلاء، فدفعهم عن النبي، وكان أكثر المقتولين بسيف علي، فكان هو الصابر يوم " المهراس " مع النبي، لم يبرز في معركة الخندق أحد غيره، حين طلب عمر بن ود  العامري من المسلمين المبارزة، فأطرقوا رؤوسهم ورجفت قلوبهم، ولم يستجيبوا لدعوات النبي لثلاث مرات إلا علي، فخرج لعمر الذي كان يعد بألف فارس، وأسقطه بأول ضربة.

   ما زال اليهود يذكرون عليا محطم قلاعهم، وفاتح حصونهم، وكاسر شوكتهم، بعد أن فشل جميع من أرسلهم الرسول قبله، فإقتلع الباب التي عجزت عن حملها أكف أربعون وأربع، وشطر مرحب الى نصفين، وأنهى خبث وتآمر اليهود على المسلمين، فلا فتح إلا وفيه علي، ولا نصر إلا وكان حامل اللواء علي، فهو أبن عم الرسول، وزوج إبنته فاطمة البتول، وهو الصاعد على أكتافه يوم الفتح، محطما أصنام قريش، وآخاه النبي مع نفسه، حين آخى بين المسلمين.

   لا يخفى أن علي " عليه السلام " أعظم شخصية في التاريخ بعد رسول الله " صلى الله عليه وآله " ، وأن ما بين ولادته في بيت الله، وإستشهاده في بيت الله أيضا، حياة مليئة بالجهاد دفاعا عن الإسلام والمسلمين، لم يخش في الله رمية رمح أو طعنة سيف.

 إمسك ورقة وقلم، وأكتب ما مر به العراق منذ عام 2003، حين بدأ تاريخ جديد لم يكن أحد يتخيله، وأحداث عظمى لم ير العالم لها مثيلا،  تتسارع لها دقات قلبك، و يسترسل بالكتابة قلمك لتنه الصفحة الأولى، وأنت لم تحص أحداث فترة الإحتلال، وتغير شكل النظام السياسي في العراق الى صورته الجديدة.

  عشر صفحات إكتملت، وما زال قلمك مستمرا بالكتابة، وكيف جرت الإنتخابات ؟ وكيف تشكلت الحكومات ؟ وكيف بدأت الصراعات السياسية ؟ حتى ولدت صراعات طائفية ضربت البلاد وقتلت وشردت العباد، سيكتب قلمك عن تعاقب الحكومات على العراق، وكيف إن بعض الإحزاب المشتركة فيها، بنت نفسها على حساب بناء الدولة !  فكل حزب حول حصته من الوزارات الى حصن له ولإنصاره، فإستشرى الفساد وتدهورت الخدمات.

  سترتجف يدك ويتوقف قلمك، حين ينظر الى حالنا، فقد أصبحنا شعبا متمزقا طائفيا وقوميا، وداعش إحتلت ثلث إرضه حتى وصلت أطراف العاصمة، وحكومة حصنت نفسها في المنطقة الخضراء، لاهية في التصارع على مغانم السلطة، ففقدنا عنوانا إسمه " دولة "، لكن لإننا أصحاب أول دولة في التاريخ، وأحفاد أولئك الرجال الذين حكموا الجهات الأربع، فقد إنتفضنا لنعيد التاريخ الى مساره الصحيح.

   توحد الشعب بكل طوائفه، وأعيدت الأرض المسلوبة، وهزم الغزاة الجدد شر هزيمة، وصنع العراقيون ملحمة لم ير التاريخ لها مثيلا، وتغير مسار العملية السياسية في العراق، فتغيرت التحالفات الطائفية والقومية، وبتنا نشهد تكتلات وطنية، وأصبحنا نملك دولة ينظر العالم اليها بشكل مغاير، فصارت تتسابق الوفود الى بغداد، تعيد رسم الاتفاقيات السياسية والاقتصادية، لكن ما زال للأمر بقية.

  على قلمك أن يكتب بالخط العريض، أن هناك معارك مؤجلة على الحكومة القيام بها لتفرض " هيبة الدولة "، فالحرب على الفساد تعادل الحرب على الإرهاب، بل ربما أشد منها، لأن أغلب الفاسدين وحماته هم في الهرم الأعلى للسلطة، ولن يستقر للدولة قرار إذا ما بقي الفاسدون، ينهبون ثروات البلاد ويعطلون مشاريع التنمية، مسببين البطالة والفقر والفوضى في صفوف المجتمع.

   أكتب بخط أحمر، أن هناك خطر ما زال يهدد كيان دولتنا الفتية، فالسلاح السائب خارج أطار الدولة نار مستعرة، في كل يوم يصيب شررها أبناء الوطن، فبعض الكيانات المسلحة ما زالت ترفض الإنصياع للحكومة، وبعض العشائر تملك من الأسلحة ما يعادل فرقة عسكرية، وبعض العصابات إستولت على الأراضي الحكومية بقوة السلاح، تبيعها كيفما تشاء دون خوف أو رادع من أحد.

   لقد خاض العراقيون تحديات كبرى هددت وجودهم، لكنهم خرجوا منها منتصرين، وبقيت تحديات محاربة الفساد وتوفير الخدمات وحصر السلاح بيد الدولة، تقف عائقا أمام فرض هيبة دولتهم، وإستعادت مكانتها التاريخية بين الأمم، ويقينا إنهم سينتصرون فيها، إذا ما توفرت النية الصادقة والقوانين الفعالة، وأشخاص أكفاء يمتازون بالصدق والنزاهة والشجاعة، وإلا سنبقى دولة مع وقف التنفيذ.

 رفعت الأقلام وجفت الصحف.

 الرئيس الإيراني في العراق .. تلك الصورة الكبيرة لهذا الإسبوع، فهي جاءت بعد أحداث كبيرة مر بها العراق والمنطقة، أبرزها إنتهاء صفحة الإرهاب، والإنتخابات العراقية التي إنتجت صبغة سياسية جديدة، وتطور المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، وإصرار العراق أن لا يكون جزءا منها.

   صورة ملفتة سبقت الزيارة، هي تكريم القائد في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، من المرشد الأعلى السيد الخامنائي، وهي لها مداليل كثيرة، ربما منها إنتهاء دور الجنرال سليماني في المنطقة، بعد إنتهاء الحرب مع داعش، وحاجة إيران الى تحسين وضعها الاقتصادي، مما يعني أن هناك تغيير في طبيعة العلاقة بين العراق وإيران، وهذا التغيير سيكون في صالح العراق من جهة والإصلاحيين من جهة أخرى.

   الرئيس الإيراني يزور الكاظمية المقدسة قبل مراسيم الإستقبال في القصر الرئاسي، حرصا من الرئيس الإيراني على إثبات هويته الإسلامية الشيعية، قبل هويته الرسمية، ولطالما حرص الإيرانيون على التعامل مع شعوب المنطقة وفق البعد الإسلامي العابر للحدود، وتفاعلهم مع الملفات المهمة في المنطقة، سواء في العراق أو سوريا و فلسطين وحتى اليمن، فليس غريبا أن نرى مثل هذا التصرف الحذق من روحاني.

  الإنحناءة أمام العلم العراقي ! لم يفعلها أحد من المسؤولين الذين زاروا العراق، بل إن بعض العراقيين لايدرك المعنى العظيم لعلم دولته، ربما جهلا أو تذمرا، لكن حركات الرئيس الإيراني المدروسة بعمق، جعلت الكثير يدركون أن العراق سيدا لاتابعا ولا خاضعا، ذو سيادة ومنفتح على الجميع دون شروط وإملاءات، وأن المرحلة القادمة ستشهد عراقا جديدا، يكون له الدور الأبرز في المنطقة.

  لعل صورة جلسة المباحثات المشتركة بين الجانب الإيراني برئاسة روحاني، والجانب العراقي برئاسة عبد المهدي هي الأهم، فقد أسفرت هذه المباحثات عن جملة من الإتفاقيات الإقتصادية هي الأكبر في المنطقة، بسبب عدم تفاعل أغلب الدول الاقليمية والمجاورة للعراق مع قضاياه في الفترة الماضية، بل ربما إن بعضها كانت سببا فيما حصل في العراق من مآسي، لذلك جاء موسم الحصاد وجني ثمار الإنتصار الذي تحقق، فصار العراق وإيران يمتلكان أقرب وأوثق العلاقات في المنطقة سياسيا وشعبيا.

    روحاني يجتمع في مقر إقامته، مع زعماء الأحزاب والكتل السياسية" الشيعية " الأبرز في الساحة العراقية كلاً على حدة، بغياب زعيم الكتلة الأكبر، صور متعددة في إطار واحد، كان العلم الإيراني حاضرا فيها، بغياب العلم العراقي – ربما بسبب الأعراف الدبلوماسية – تؤكد الإختلاف في وجهات النظر بين هذه الكتل السياسية، وطبيعة علاقتها مع الجانب الإيراني، وأن كل مكون يمتلك رؤية مختلفة عن غيره.

  روحاني في كربلاء.. طبيعي جدا، فأكثر من ثلاثة ملايين إيراني يزورون كربلاء سنويا، فكيف لا يزورها الوفد الايراني ؟ وما إلغاء مبالغ التأشيرة بين البلدين إلا لتسهيل حركة الزوار، الذي سيعود بالمنفعة على كلا الشعبين ويزيد حركة التبادل التجاري وإنعاش الاسواق العراقية والإيرانية.

الصورة الأبرز.. روحاني في حضرة المرجع السيد السيستاني، أبرز وأقوى شخصية عراقية على الإطلاق في العراق الجديد – رغم إنه لم يحصل على جنسيته الى الان – مرجع الإعتدال والحوار، صاحب الفتوى التي غيرت موازين القوى في المنطقة، وهو أول لقاء يجمع رئيس إيراني بمرجعية النجف الأشرف منذ قيام الجمهورية، ومما لا شك فيه ستكون له تأثيرات إيجابية على وضع الإصلاحيين في الداخل، والوضع الإيراني بصورة عامة وطبيعة العلاقة بين العراق وايران.

الإطار ..

زيارة روحاني تعد تغييرا واضحا في شكل العلاقة بين العراق وإيران، فقد أصبح التعاطي بين دولة ودولة بعد إن كان محصورا على أحزاب ومليشيات مسلحة غابت صورتها أثناء الزيارة.

والعراق لن يكون شريكا للولايات المتحدة في الحصار المفروض على إيران، من أجل الحصول على صفقة القرن والإعتراف بإسرائيل، كما إنه سيكون المنطقة الاقتصادية الأهم في منطقة الشرق الأوسط، بعد إنضمام الأردن ومصر اللتان ستدخلان الساحة العراقية أيضا، فتوثيق العلاقة مع إيران لا يعني أن العراق سيغلق بابه تجاه الدولة الأخرى.

على الحكومة العراقية إستغلال مكانة العراق في المنطقة، لتعزيز علاقاته مع الجميع وفقا للمصالح المتبادلة، المبنية على أساس إحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، فلا نريد للعراق أن تبقى فيه صور الرئيس الايراني فقط، وإنما محطة للجميع وساحة للإلتقاء.

 المتابع لخطاب عمار الحكيم في ذكرى يوم الشهيد العراقي، يراه حمل رسائل متعددة خارجية وداخلية، فالخارجية منها كانت بصوت عال هذه المرة، موجهة الى الشرق تارة، والى الغرب تارة أخرى، أما الداخلية فكانت ذات مضامين متعددة، أبرزها عن دور تحالف الإصلاح والإعمار في الفترة القادمة.

     ما يلفت الإنتياه في هذا الخطاب إنه كانت متحيزأ تجاه البصرة .. وخصها في فقرات منه دونا عن غيرها من المحافظات العراقية، بكلمات المدح والإيثار والرؤية السياسية لما يطمح له لهذه المحافظة - من وجهة نظره -  في الفترة المقبلة، وكأنه أراد أن يبعث رسائل الى الشعب البصري أولا، والقوى السياسية الحاكمة فيها ثانيا، فبعض البصرين أمضى يوما كاملا في الطريق الى بغداد، ومركباتهم سدت طرق العاصمة، من أجل إحياء يوم الشهيد العراقي، والوقوف لساعات أمام منصة الاحتفال، فكان لابد من رد الجميل لهذه الجموع الحاضرة،

   يمكن عد البصرة نموذجا مثاليا للعراق في طبيعتها السكانية، وفي طبيعة الصراعات السياسية فيها، التي جعلت البصرة تصل الى ما وصلت إليه، من سوء الخدمات وتفشي البطالة وإنتشار الأمراض السرطانية، وهي تنتج 90% من نفط العراق ومنفذه الوحيد على الخليج، لكن البعض تكالبوا عليها ينهشون بخيراتها كالأسود الضارية، كل يأخذ نصيبه من خيراتها، مسخرين إعلامهم لذر الرماد في عيون البصريين من أجل ان لا يرون الحقيقة، ولا تنهض البصرة ليبقى مستأثرا بثرواتها.

  حين كانت الحكومة المحلية للبصرة من نفس المكون السياسي للحكومة الاتحادية أغدقت الاموال على البصرة  لكنها أستغلت في مشاريع ليست لا جدوى وأخرى فاشلة تماما، فالمدينة الرياضية كلفت 3 مليار دولار والبصريون ليس لديهم ماء صالح للشرب ولامجاري لمياه الامطار أو للمياه الثقيلة ! ومشروع ماء الزبير كلف ملايين الدولارات لم يتم تشغيله إلا حين إفتتاحه فقط، بل أن النصب المعروف " بالباذنجانة " كلف ميزانة البصرة أكثر من تسعة مليارات دينار عراقي!

    حرمت البصرة من مستحقاتها النفطية، البالغة 4.5 مليار دولار على الحكومة الإتحادية، وميناء أم قصر تسيطر عليه أحزاب ومليشيات مسلحة، مستخدمة إياه لفرض الإتاوات ومنفذا لتجارتها، أما ميناء الفاو الكبير فلم يبصر النور بعد، رغم أن أحد وزراء الحكومة السابقة وعد بالإستقالة إذا لم يتم تنفيذه خلال مدة إستيزاره، فذهب وذهبت معه الأربعة مليارات دولار المخصصة لانشائه، ومنافذها الحدودية إستولت عليها العصابات، وأصبحت ممرا لتهريب المخدرات والبضائع الفاسدة.

    لطالما أثبت عمار الحكيم أنه بصري بإمتياز، وأن إنتشال البصرة من أوضاعها المتردية أهم أولوياته، فمشروع البترودولار كان من الممكن أن يرفع كثيرا من معاناتها ، لكنه بقي مدفونا في مكاتب الحكومة الإتحادية، كونها لا تريد أن يحسب هذا الانجاز لمنافس سياسي، ومشروع " البصرة عاصمة العراق الإقتصادية " يمثل مشروعا طموحا يجعل البصرة في مصاف المدن المتقدمة لو تم تطبيقه، لكن الحكومة المركزية تعاملت مع البصرة كما تتعامل إسرائيل مع غزة والضفة الغربية !

  ليس غريبا أن نسمع من الحكيم في خطابه الأخير بأن البصرة " لأهلها " ويدعو القوى السياسية والعشائرية والحراك الشعبي لإختيار شخصية كفوءة وقديرة لمنصب محافظ البصرة، وأن تيار الحكمة سيدعم خيارات البصريين، فهو لم يبخل عليها سابقا بإستحقاقه الإنتخابي وجعل إثنين من أهم وزراء الحكومة السابقة منها، هما وزير النقل والنفط، وهي التي عانت سابقا ولاحقا من التهميش، فالعلاقة بين الحكيم وأهل البصرة علاقة تاريخية ، فعودة محمد باقر الحكيم الى العراق عن طريق البصرة ليست محض صدفة.