مشروع تجاري
رضوان العسكري

رضوان العسكري

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ذوي النظر المحدود في الأفق السياسي، يَرَوْن ان خطبة الجمعة ليوم ٩ آب/ اغسطس ٢٠١٩ الموافق

٧ذي الحجة_١٤٤٠هجري، على لسان ممثل المرجعية الدينية في النجف الاشرف نهاية الطريق  للمرجعية مع السياسيين، اما اصحاب النظرة البعيدة فيعتبرونها البداية.

تساءل ممثل المرجعية العليا في خطبته عدة تساؤلات: "نحن كشعب عراقي: هل هناك أفق ونور لحل مشاكلنا؟ لماذا دائما نحن متعبون ونعاني؟ أما آن الأوان كشعب أن نرتاح، وتُلبى أبسط حقوقنا اليومية؟ أين المشكلة ؟".

من تابع الخطبة وكان همه التربص بها، ليجمع بعض الكلمات ويترجمها حسب ما يريد هو، او بحسب رأي من كلفه بذلك، ليرجعها بصورة عكسية للنيل من المرجعية.

وهناك من أكملها حتى النهاية وفهمها على الأقل فهماً مناسباً، فوجد في مضامينها بعض الحلول الكفيلة بالنهوض للواقع العراقي، وتصحيح مسار الحكومة، لأنها أكدت على جملة من التوصيات او النصائح، لاتخاذها حلول جذرية لمشاكل البلاد، ومنها القوانين المشرعة التي تصب في مصلحة المواطن، المركونة على الرفوف، التي لم تتعامل معها الحكومة بصورة جدية.

كما ركزت على اهم مسؤوليات الحكومة، بتربية المجتمع على حب الوطن، وزرع الوطنية في نفوس الشعب، وهذه المسألة بحد ذاتها كفيلة في إصلاح جميع الأخطاء، وكفيلة بالقضاء على الفساد، ونمو الاقتصاد، لأنه متى ما شعر المواطن بوطنه، بذل مهجته فيه، وتفانى في بناءه وإعماره، وإخلاصه في عمله، لكن الوطنية لا تبنى بالكلام المعسول، بل بالأفعال، فمكافئة المخلص في عمله, والمحسن بأداء وظيفته، يكفي في استنهاض الشعب باكمله من اجل وطنه.

فيما اذا عجزت الحكومة عن ذلك، أشارة الخطبة الى استخدام المئات من العقول والكفاءات الموجودة في البلد، لتضع الحلول الحقيقية الناجعة للمشاكل الموجودة العاجزة عن حلها.

كما ركزت على مسألة مهمة جداً، وهي التجاذبات الإقليمية التي تعصف بالبلاد، وهي إشارة واضحة لا تحتاج الى تحليل، نتيجة الولاءات الخارجية لعدد كبير من السّياسيين، واطاعتهم العمياء لمخابرات تلك الدول.

تحدثت كما في كل مرة عن الفساد والفاسدين، وعن الإجراءات غير الحقيقية والجدية اتجاه تلك المسألة التي بح صوتها من اجل ذلك، لأنه اساس خراب البلد، فلا متصدي حقيقي لذلك، وكل ما يقال هو عبارة عن ادعاءات لااصل لها.

كما علقت على الزراعة ودعت الى الالتفات والتنبه لها، لأن العراق بلد زراعي كفيل في توفير سلة غذائية متكاملة للفرد العراقي، وهذا ما يزيد في تحسن الواقع الاقتصادي من جهة، وتوفير العمل للكثير من العاطلين من جهة اخرى، ما بين العامل البسيط وصاحب الاختصاص.

 اما الاعلام المشوش فكانت له حصة من ذلك، ويحتاج المواطن الى الورع والتروي في نقل الاخبار وبثها داخل المجتمع، لأن الاعلام المأجور يستخدم التزييف والتدليس للحقائق التي تقتل الانسان من داخله، وتقضي على الامل الموجود عنده.

هناك من يستغل تحريف وتزييف الخطبة، ليدفعها بصورة عكسية، للحفاظ على سلامة الاحزاب الحاكمة، وتبييض صفحتها السوداء، لأجل قضم ما تبقى من خيرات البلاد، والهروب بها الى خارج البلد، وهنا يتطلب من الشارع العراقي التمييز بين ما طرحته المرجعية، وما تطرحه الاحزاب الموالية للسلطة، او بالأحرى الاحزاب الحاكمة او المشكلة للحكومة.

ان خطبة المرجعية هذه هي البداية مع الحكومة، وليست النهاية كما روج لها، وهناك نقاط كثيرة ستطرحها المرجعية في قادم الايام، تكون نقطة فاصلة بين الماضي والحاضر، لكن الامر يحتاج الى العقلاء واصحاب النظرة البعيدة، كما يحتاج الى ثورة او صحوة فكرية للمواطنين لبداية المرحلة القادمة، للتمييز بين مصالحهم ومصالح الآخرين.

 
 

لم يصبح الصباح حتى اعد الجميع عدته، لإعلان الحرب على الحكيم وتياره، بعدما فشلوا في إقناعه بالبقاء ضمن احزاب السلطة، فما كان تأجيله لهذا المشروع الا لإكمال عبد المهدي كابينته الوزارية، لكن يبدو ان الامر اصعب مما توقع الجميع، فالرجل بين نارين، نار سائرون التي تقاتل من اجل الاستحواذ على المناصب الحكومية، لبناء دويلات عميقة بالأصالة، خلفاً للدولة العميقة بالوكالة، ونار الفتح التي تريد ان تتقاسم كل شيء بينها وبين شركائها.

مع ان الاثنين أعلنوا عن تخويل عبد المهدي باختيار حكومته بحرية مطلقة، وتنازلهم عن استحقاقاتهم السياسية والانتخابية، الا انهم لم يصدقوا لا مع جمهورهم ولا مع مرشحهم للحكومة، الذي كان بين الأمرين اهونهما اشد مرارةً من الآخر، الذي لا يقوى على ابتلاعه، فلا يكاد يدخل جوفه حكومته.

الرجل بين العذر والمسؤولية، لأنه غير قادر على الاستقالة من الحكومة، فهو بين التحدي وتعلق الآمال عليه، ولا يستطيع الإعلان عن سبب التأخر وانحراف المشروع الحكومي، لقلة ناصره وضعف قراره، فمن خوله أقوى منه بطشاً، بمجرد إعلانه عن السبب الحقيقي وراء تأخر إكمال حكومته، سيجد نفسه وسط كم هائل من التهم الكيدية التي لا يمكنه التخلص منها، وسيجد نفسه على أبواب محاكم الدولة العميقة، فإعلامهم كفيل في ليلة واحدة ان يحمله كل شيء، صراعهم المحتدم, وفسادهم العميق, واستغلالهم للسلطة، مما يجعله عاجزاً أمامهم، في الدفاع عن نفسهن ونفي التهم المعدة له مسبقاً، فقضية مصرف الزوية خير شاهد.

تلك الامور هي من اضطرت الحكيم النأي بنفسه، عن الصراع القائم بين الحكومة من جانب والفتح وسائرون من جانب آخر، ليضع نفسه وحيداً في مرمى النيران، ولأنهم لا يجدون ما يهددونه به، اخذوا يلصقون اليه ما ليس فيه.

لن يقف الامر عند هذا الحد، فهناك شباك تحاك, ومشاريع يخطط لها, وتهم جديدة سترمى عليه، ولأن الامر سيكون عبارة عن كذب وتدليس، فلا يمكنهم عمل اَي شيء له، او لمن هو تحت لوائه، والا لو وجدوا عليه ما يدينه، لما انتظروا حتى هذه الساعة وهم سكوت، فما زالوا يبحثون تحت الانقاض البالية، عن سهم عتيق يرموا به فسطاطه، وما زالت محاولاتهم تبوء بالفشل.

هناك من سبقهم بتسديد الرميات تلو الرميات، ليعلنها جهاراً في وضح النهار، وقال قولته الشهيرة "سوف اجعل منهم منظمة مجتمع مدني، يوزعون الشاي في المواكب الحسينية" فبادره الحكيم عبر احد خطاباته قائلاً "ان خدمة الحسين شرفٌ لنا".

انفراد الحكيم بالمعارضة، جعلته وحيداً في مواجهة احزاب السلطة، التي لا تستطيع الانسلاخ عن ماهيتها وتركيبتها البنيوية والحزبية، من الوعود الكاذبة, واستغلال الظروف, وتقديم مصالحهم الشخصية والفئوية على مصلحة البلد, والضحك المستمر على الجماهير الجاهلة، التي لا تميز السواد من الظلمة، بإطلاق الشعارات الرنانة في النهار، ليبتلعوها في الليل.

ان انتصار جناح المعارضة قائم على اساس واحد، وهو وقوف الجماهير الواعية المدركة للحقيقة، التي تتحكم بها عقولها لا ادوات الفاسدين، والاعلام المغرض المأجور، الجماهير التي تحركها الغيرة والحمية على البلد لا اعلام السوشيال ميديا، وقوفهم الى جانب المعارضة كفيل بفضح وكشف كل ما يدور في كواليس السياسة، لأنهم يستمدون قوتهم من قوة الشعب، الذي يبحث عن الإصلاح الحقيقي، والا لن تكون هناك فاعلية مؤثرة في تغيير مسار العملة السياسية، او مردود إيجابي منها، وعلى الشارع ان يميز بين الحقيقة والكيدية، فما بينهما اربعة أصابع فقط، فمن وضع أصابعه بين الأمرين رأى الحقيقة كما هي، ومن ازالهم التبس عليه الحق بالباطل، وضل في تيهةٍ من أمره.

لم يكن الاصلاح دعوى، او امنيات يطلبها دعاة الاصلاح، لأنه يحتاج الى عمل حقيقي مبني على اسس صالحة، لا دعوى زائفة يراد منها استقطاب الناس, او اثارة الشارع, لتحقيق مكاسب قائمة على اساس المنافع الشخصية والمصالح  الفئوية، او سياسية قائمة على اساس الكسب السياسي.

يتجسد الاصلاح على قواعد عملية رصينة قابلة للتطبيق الفعلي والعملي، لا خيالات منسوجة من احلام اليقظة، او من حواتيت الف ليلة وليلة، لأنه بالفعل يحتاج الى (الجدية والجذرية والشمولية والتدريجية والاستمرارية والتخصص والإرادة).

فالجدية بالإصلاح هي ان يكون الاصلاح حقيقي واقعي, لا شكلي فارغ من محتواه العيني, وجذريته بضع اليد على المشاكل الواقعية العميقة التي هي أُس الفساد وأساسه، واحتوائها احتواءً شمولياً، من جميع جوانبه المادية والشكلية والصورية، لا إصلاح جانب معين وترك الجوانب الأخرى، اَي رؤية شاملة لجميع جوانبه, ولا يمكن ان يحدث هذا جملة واحدة، فيجب ان يكون تدريجي مبني على أسبقيات, وأولويات, وخطوات مدروسة, وخارطة طريق, وجداول زمنية, موضوعة بعناية.

هذه الخطوات يجب ان تسير باستمرارية، لأن الإصلاح لا يتم بين عشية وضحاها, بسبب وجود بؤر الفساد الواسعة والعميقة الممتدة الأطراف، بين جميع مفاصل الدولة وأركانها، فيحتاج الامر الى الصبر والمطاولة، لازالت ذلك الفساد المستشري داخل مؤسسات الدولة، والذي وصل الى تعاملات المواطن البسيط.

هذا الامر يحتاج الى التخصص، فليس كل مدعي للإصلاح يملك فيه التخصص والمعرفة، نعم انه يأمل او يسعى لكنه لا يحوط بمفرداته الممكنة التطبيق، فلا يمكن ان يجري  بعقلية الأزمة, وإنما بعقلية الحل, والمنطق, والموضوعية ، وقراءة الأحداث بشكل سليم وصحيح.

ما سبق ذكره يحتاج الى الإرادة حقيقية، لا مجرد دعوى وامنيات، فيجب ان تكون هناك إرادة قوية لتحقيق الإصلاح, لأنه إذا ما حصل سيربك الكثير من التوازنات والبناءات والمصالح المشتركة بين مدعي وأذرع الفساد، حتماً سيكون هناك صدام بين الاثنين، ينتج فوضى عارمة تضيع فيها الحقوق, وتداس تحت اقدامها الأبرياء, وسيختلط فيها الحابل بالنابل.

في النهاية الاصلاح ليس دعوى او امنيات، انه عمل حقيقي يحتاج الى تضحيات واقعية ملموسة، تنتج تصحيح حقيقي للمسار السياسي، الذي بدوره يعمل على تقويض الفساد وتحجيمه، واستبدال الفوضى والاستهتار بقوانين صارمة ممكنة التطبيق على ارض الواقع، تنتشل البلاد من التيه والضياع الذي اصبح هاجس المواطن العراقي.

متى ما اعتمدت تلك الأساسات او السمات في مشروع الاصلاح كان الاصلاح حقيقي ممكن التطبيق على ارض الواقع، اما في حال جعله مجرد دعوى زائفة، لا يمكن تطبيقه والسير قدماً فيه، وسيخلق فوضى عارمة تجتاح البلاد من اقصاها الى اقصاها.

اذن نحتاج الى الحكمة والتعقل والتخطيط لإصلاح عجلة البلاد او إصلاح العملية السياسية من أبجدياتها الى اعماق جذورها.

لم يكن للمرجعية الدينية في العراق، مصلحة مع احد لا من قريب ولا من بعيد، ولا تقوم على ذكر احد في شيء ليس فيه، ولا تعمل على تجميل صورة شخص معين، فهي غير محتاجة لأحد بعد الله، ولا تحتاج مديح او شكر او ثناء احد، لكنها لا تخشى احد في قول الحق الذي لا يرغب في سماعه  الكثير.

لم تكن هناك مصلحة للسيد السيستاني عندما قدم تعزية بوفاة السيد عبد العزيز الحكيم قال فيها:

"تلقى سماحة السيد السيستاني (دام ظله)، ببالغ الاسى والاسف نبأ وفاة فضيلة العلامة حجة الاسلام السيد (عبد العزيز الطبطبائي الحكيم)، طاب ثراه الذي انتقل الى جوار ربه الكريم، بعد عمر حافل بالعطاء، في سبيل خدمة دينه ووطنه، وخلاص شعبه من الظلم والقهر والاستبداد، وإن سماحة السيد (دام ظله) اذ يعزي جميع محبي الفقيد السعيد، وعارفي فضله ومكانته- ولا سيما اهله الكرام واسرته الشريفة..."

اما المرجع الديني الكبير الشيخ بشير النجفي فقال في نعيه "لقد كان المرحوم السيد عبد العزيز الحكيم (قدس سره) رمزاً للثبات في أحلك الظروف وكان صبوراً متفانياً في خدمة الإسلام والمسلمين عامة وخدمة الشعب العراقي المظلوم خاصة".

 إشارة المرجعية الى دوره الكبير الحافل بالتضحية والعطاء، في مواجهة الظلم والاستبداد الذي لحق بالشعب العراقي، وخدمته العظيمة للدين والإسلام, ومساهمته في إيصال القضية العراقية الى المجتمعات الدولية، في الماضي والحاضر، الا ان الاعلام حاول تغييب ذلك الدور الريادي له، وتشويه الحقيقة الناصعة التي طالما غيبت عن اذهان كثير من الناس.

هناك من يتجاهل ذلك الكلام في حق الفقيد رضوان الله عليه فيظلمونه حقه، لذلك ترى ان السيد السيستاني يدرك ذلك الامر،  فابتدأ بتعزية محبيه وعارفي فضله, ثم من بعدهم أسرته وذويه، فحتماً هناك فضل كبير للفقيد يجهله عامة الناس، والا ما تطرق السيد السيستاني لذكره، الفضل كبير لآل الحكيم يعجز المنصفون عن ذكره، فضل لا يدانيه فضل، تضحيات عظيمة وكبيرة قدمتها تلك العائلة الكريمة.

لم تكن المرجعية وحدها، تعرف تلك المكانة وذلك الفضل للحكيم، فكل منصف يعرف ذلك ويتحدث به، بعيداً عن الحزبية والطائفة والقومية، فقد طرح مشروع الأقاليم عندما كانت وسيلة لحماية العراق من الضياع، قبل ان تصبح أداة للتقسيم، وطالب باللجان الشعبية تحت سلطة الدولة لحماية المناطق السكنية من الاعتداءات الارهابية, ومن نمو الخلايا الارهابية داخل المدن السكنية، قبل ان تصبح مليشيات خارج إطار الدولة.

جلست ذات مرة مع عضو برلمان من احد الاحزاب التي لا تنسجم مع رؤيا ال الحكيم، ولها مرجعية مستقلة خاصة بها، قال بالحرف الواحد "لا يمكن لأحد ان يساوم على وطنية السيد (عبد العزيز الحَكِيم)، وأننا متى ما اشتدت بِنَا المحن لجأنا له، وانه والله كان صمام أمان للعملية السياسية، وهو الوحيد الذي كان يهابه الجميع، ويعامل الجميع بأبوية خالصة".

من هو قريب من السيد (عبد العزيز الحكيم) يعرف جيداً ما تحدثنا به، ويعرف مكانته وقوة كلمته, وحسن ادارته وحكمته, وطريقته في التعاطي مع الامور الطارئة، لكن الاعلام المغرض زيف الحقيقة وألبسها ثوب الكذب والتدليس، كي لا يطلع عامة الناس على حقيقة ذلك الشخص، ولكي لا يكون له تأثير قوي داخل المجتمع العراقي، فمنهم من يخشى من ضياع السلطة من بين يديه, وآخرين يخشون نفاذ كلمته داخل المجتمع فيؤدي ذلك الامر الى تقويضهم وتحجيمهم والحد من تماديهم في حق ابناء الشعب العراقي،  رحم الله السيد عبد العزيز الحكيم.

 
 

كتب (سليم الحسني) مقالاً عنوانه (أفكار إسرائيلية على أبواب النجف) نعم انه صادق، عندما تم استخدامه كدعاية مدفوعة الثمن، في كتابته سلسلة مقالات روج من خلالها لكتاب (الإسلام الديمقراطي المدني) للكاتبة اليهودية (شيريل بينارد) زوجة (زلماي خليل زاده) السفير الأمريكي السابق في العراق.

نعم قد يتبنى الكاتب رؤية سياسية او حزبية اقتنع فيها وآمن بها، تنسجم انسجاماً كبيراً وليس كلياً مع ما يُؤْمِن به في ذاته، وهذا رأيه، لكن يتأثر تأثيراً بالغاً في أفكار عدوه وعدو بلده ودينه ومعتقده؛ هذا شيء يجب الوقوف عنده والتنبه إليه.

استخدم الحسني اُسلوباً بغيضاً في الترويج لمحتوى الكتاب، متخذاً طريقة الاستغراب عند التحدث عن فحواه، وتأكيد صحتها عند التعبير، كي يؤثر في المتلقي بسهولة، طبعاً الطريقة فنية وتأثيرها كبير، لكن كم يدوم هذا التأثير؟ وكم سيبقى عالقاً في الأذهان؟.

نعم لا يدوم طويلاً، لأن الجميع يدرك جيداً البغض والكراهية الذي يضمره اليهود بالخصوص والإسرائيليين والأمريكيين بالعموم اتجاه الشيعة، ومحاولاتهم المتكررة في صناعة مرجعيات شيعية من اجل حرفهم عن المسار الصحيح.

اليهود يدركون جيداً مدى خطورة الشيعة وصعوبة السيطرة عليهم، وهذا ما عبرت عنه (غيرتود بيل) وهي جاسوسة بريطانية، دخلت العراق بصفة عالمة آثار، عملت مستشارة المندوب السامي  البريطاني للعراق قبل خمسة وتسعين سنة، حيث قالت بانفعال شديد "اما انا شخصياً فابتهج وافرح ان ارى الشيعة الاغراب يقعون في مأزق حرج فإنهم من اصعب الناس مراساً وعناداً في البلاد" بعد اعتراضها على استيزار الشيعة في الحكومة الملكية.

اليهود يجيدون فن التأثير على العقل البشري، ولديهم إمكانية في صناعة العقل الجمعي، اتجاه القضايا التي يرومون الوصول اليها.

 اما اليوم فالوسائل المؤثرة متعددة ومتاحة لأغلب الناس، ولديهم التواصل الاجتماعي اكبر وسيلة مجانية لإشاعة اَي فكرة خلال فترة وجيزة جداً، لكن مع المرجعية يواجهون صعوبة كبيرة في الاختراق.

بكل تأكيد تولدت لديهم الفكرة والكيفية التي من خلالها ضرب المرجعية الدينية في النجف الاشرف، وعزلها عزلاً تاماً عن عامة الناس.

لكن قوة المرجعية وصعوبة اختراقها، او إقناعها بآرائهم وافكارهم التي تمكنهم من السيطرة على الشيعة، دفعهم الى بث الدعايات والأكاذيب والافتراءات بين العامة باتجاه الحوزة الدينية بالعموم والمرجعية العليا بالخصوص، والتشكيك بها, وضرب الشعائر الدينية, محاولة لتصغير شأنها وتقليل اهميتها داخل المجتمع، واقناع الناس بأنها اخطأت في قراراتها اتجاه القضايا السياسية والمصيرية التي تعنى بمصلحة البلد، كما اخطأت في دعم القوائم الشيعية الحاكمة، والكل يعلم لولا المرجعية وحثها المستمر على المشاركة في الانتخابات لكانت الانتخابات اليوم في خبر كان.

هناك من اقتنع ان خياراته كانت خاطئة، في انتخاب القوائم الشيعية في المرحلة السابقة، وهذا ما شهدناه في الانتخابات الأخيرة وضعف المشاركة لأنها لم تتدخل بصورة مباشرة في حث الناس.

بعد تلك التجربة عملوا على ايجاد فجوة بين الشارع والمرجعية، ليقضوا على تأثيرها الداخلي، فتارة تجدهم يكتبون بحوث سياسية ومجتمعية, كتب تخصصية, مقالات صحفية، نشرات إخبارية, منشورات إليكترونية، وأخرى يشترون قلم (سليم الحسني) وأمثاله، من اللاهثين خلف بريق القطع النقدية, وقرقعة الأوراق المالية، وبعض العمائم المزيفة مجهولة التاريخ والأصول والمعرفة، وغيرها الكثير من الأساليب الحديثة المؤثرة في تفكير الناس.

نعم يا حسني نجحت أمريكا وإسرائيل في نشر أفكارها ومتبنياتها وخططها على أبواب النجف الاشرف، لقد صدقت في هذا الأمر ولَم تخطئ، فبكل تأكيد أنهم سينجحون عندما تؤثر عليك أحقادك وضغائنك وتجعل من المرجعية عدواً لك، كي يستأجروك بثمن بخس، لتصبح احدى أدواتهم، لنشر فكرهم ومتبنياتهم على أبواب النجف، وكأنك طبقت المثل القائل "عدو عدوي صديقي، وصديق عدوي عدوي"، لكنك حتماً ستفشل كما فشلت في المرات السابقة.

بعد إن أعياه التعب, وتورمت جفونه من السهرِ, واحمرت عيناه من شدت التمحلق في ما يكتبه أسياده, وتاه فكره بين يهود بريطانيا ويهود أمريكا، وأصبح كالرجل المُسِن، الذي هرم كل شيءٍ فيه، لا عقلٌ فينتفعُ من حكمتهِ, ولا لسانٍ فصيحٍ فيفهم منه مناطِقه, وبدا كلامه كالجائع الذي سقطت جميع طواحنه، وتلقم قطعت لحمٍ نيئ يخور بها بين فكيه، لا يقوى على مضغها ولا يستطيع قذفها من فمه، خوفاً من أن لا يجد غيرها ما يسد به جوعه، هذا هو حال (سليم الحسني) بعد ان أعلن العداء للنجف وحوزتها.

منذ فترة وهو منهمك في كتابة سلسلة من مقالات، المملوءة بالكذب والبهتان، والروايات  المدلسةٍ، وقصص من نسج الخيال, مطروحة بطرقه فنية ملتوية، لتشويه صورة المَرجِعية والنيل منها.

ابتدأ مشروعه بمهاجمة طلبة الحوزة، وتشويه صورتهم وربطهم بالوكلاء والمعتمدين، ثم هاجم الوكلاء والمعتمدين وربطهم بأبناء المرجعية، ثم استخدم ذات الأسلوب لمهاجمة أبناء المراجع، عن طريق كيل التهم والافتراء عليهم، بإسلوب خبيث ودنيء يستعطف به المتلقي، متباكياً على المراجع وكأنه يدافع عنهم ظاهراً، ويهاجم كل شخصية سياسية كانت او مجتمعية لها صلة او اتصال بها، او تدافع عنها، ليتهمهم بعلاقات خارجية مشبوهة لا أصل لها، لأنها لم تشرق او تغرب، ولَم تخضع للمحاور الخارجية.

في النهاية كشف الحسني عن مشروعه علناً في مقال عنوانه (الاختراق الأمريكي للنجف الاشرف)، الذي نشر بتاريخ 21 آذار 2019، تحدث فيه عن تقرير لمؤسسة لها صلة بالقرار الأمريكي، بأن النجف تتبنى مصطلحات أمريكية أبرزها (الدولة المدنية)، وأوصى التقرير الحكومة الأمريكية باعتماد تلك المصطلحات، كما أوصى التقرير بدعم (التقليديين) متى وحيثما كانوا من اختيارنا  لأنهم متوائمين مع المجتمع المدني، ومحاربة (الأصوليين) وهم في المفهوم الأمريكي يمثلون الخط الحركي المتمثل بالسيد (محمد باقر الصدر).

في نهايته قال هذا هو السبب في وجود العداء بين النجف والمرحوم السيد (محمود الهاشمي) باعتباره احد تلامذة السيد الصدر الأول، كما قال ان التقليديين الذين وقع عليهم الاختيار أدوا المهمة بنجاح، وهنا إشارة واضحة الى ان النجف أصبحت أداة للوقوف بوجه التدخل الإيراني، لحساب أمريكا.   

الحسني ما زال منهمكاً في ابتداع المسميات, واختراع الأقاويل والافتراءات ضد النجف, لأجل الوصول الى غايته، وتحقيق ما يطلب منه، لنجاح المشروع الذي أمسى احد أدواته العلنية، المشروع الذي يريد فيه القضاء على مرجعية النجف، بالمقابل تعمل المخابرات الأجنبية على تعزيز فكرة عداء الشعب العراقي لإيران في الوقت نفسه، وبهذه الحالة يبقى العراق تحت رحمة أمريكا وإسرائيل، بعد عزل الشعب العراقي عن مرجعيته.