مشروع تجاري
رسل جمال

رسل جمال

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
"أولسنا على الحق" سؤال وجودي سجله الدهر وهو مشغول بخط سطور تأريخه، على لسان علي ابن الحسين الملقب بعلي الأكبر، وهو يسأل أباه عندما رآه يسترجع ويكثر من قول " أنا لله وأنا اليه راجعون، والحمد لله رب العالمين" وكررها مرتين أو ثلاثة فقال على الأكبر " مم حمدت الله واسترجعت؟ " فأجابه " يابني خفقت خفقة فهن لي فارس على فرس وهو يقول : القوم يسيرون و المنايا تسير اليهم، فعلمت انها أنفسنا نعيت ألينا، فقال علي الأكبر " يا أبه ألسنا على الحق؟ " فقال بلى والذي اليه مرجع العباد، فقال علي الأكبر " اذا لا نبالي أوقعنا على الموت أو وقع الموت علينا !
 
هكذا كان يقين رجال الحسين من أهله وبنيه واصحابه،ثبا همبهذه الكيفية الفدائية هو اعجاز  بحد ذاته، بعيداً عن ما أحيط بالواقعة من مفارقات وارهاصات القت بظلالها، على الأمة الإسلامية وتاريخها، ومشاهد كثيرة يقف العقل حائراً عن ايجاد تفسير منطقي لها٠ 
 
لم يستطيع العلم رغم ما وصل من تطور وحداثة ان يجد تفسير علمي للكثير من الظواهر، رغم اعترافه بوجودها، وتعتبر القضية الحسينية احدى تلك القضايا العصية على التفسير والتأويل، وهذا سر حيوية "شعيرة الحسين"، فمن يؤمن بأحياء تلك الشعائر، فهو يضع نصب عينه تضحيات أصحاب الحسين، و يضعها في ميزان القياس، فيجد كل ما يقوم به ويقدمه لا يساوي شيئا أمام تلك التضحيات، فزوار الحسين بأستنفار دائم أيام محرم، وهم على استعداد للتضحية بكل ما تجود به أيديهم وأنفسهم ، لذلك رجال الحسين لا يركضون عبثاً، ولا يموتون الا وهم خالدين!
  تعد محافظة كربلاء محافظة صغيرة نسبياً، الا انها اعتادت على احتضان ملايين الزائرين في كل عام من الموسم الحسيني، بكل أريحية وامان، وكما انه معلوم ان أي تجمع بشري يشهد تزاحم لا يخلو من تلك الحوادث العرضية، اذ كثير ما تشهد مواسم الحج حوادث مشابهة لتلك التي وقعت في ركظة طويريج، بل أسوء منها، وكلنا نتذكر حادثة سقوط الرافعة في الحرم وغيرها الكثير من الحوادث التي تحصل رغم كل الاحتياطات والإجراءات التي تقوم بها الجهات المعنية، فبرغم ما اتخذته الأجهزة الأمنية للمحافظة، اضافة إلى العاملين في العتبتين الحسينية والعباسية، لتنظيم هذه المسيرة الا ان حدوث مثل هكذا حادثة امر وارد، نظراً للإعداد الكبيرة من الزائرين٠
 
الا ان الأقلام الصفراء تأبى الا ان تفرغ سمومها، لتستريح مما يعتريها من قلق عند رؤيتها تلك الملايين الحسينية، فراحت تكتب بشماتة، مستأنسة بهكذا حوادث، وجدتها أفضل حجة للنيل من الشعائر الحسينية، فهم يشكلون على الطعام الذي يقدمه خدام الحسين في المواكب،بقولهم انها اموال مهدورة واسراف غير مبرر، رغم ان ما يقدم في تلك المواكب ماكل ومشرب يذهب اغلبه للعوائل الفقيرة والمتعففة، انها حرب لا تنام ولن تخمد نيرانها بين معكسر الحق والباطل، تكشف لنا كل مرة عن وجوه كالحة، كانت تستتر بعنوان مختلفة ولكن رغم أنوفهم يستمر المسير الحسيني في كل مرة، وبشكل اكثر تجدد وعنفوان، ليس لشيئ الا انهم ايقنوا انهم على الحق ٠
انها قضية متوهجة باتصال مباشر مع السماء، لا تستطيع قوى الأرض ولو اجتمعت ان تطفئها٠
 
 
ينص احد قوانين الفيزياء، ان لكل فعل رد فعل يساويه بالقوة ويعاكسه بالأتجاه، على ان يضم الزمكان هذا القانون، اي من غير المعقول ان يدفع س حجر في الشمال فيتحرك حجر اخر بالجنوب،   رغم بديهية القانون واستحالة تفنيده، الا ان الحسين عليه السلام يستمر بضرب هذا القانون عرض الحائط، فبعد ١٤٠٠ سنة  من مقتله يفترض بردة فعل تلك المصيبة ان يستمر عام، او لنقل عقد على ابعد تقدير، الا اننا ليومنا هذا نسمع اصوات أظلاعه وهي تتكسر تحت حوافر الخيل، فهذا الالم وتلك اللوعة تتجدد عام بعد عام، اشبه بينبوع يتدفق يآبى النضوب، لهذا جاء في الحديث القدسي " ان لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد ابدا" 
 
اصبحت القضية الحسينية بكل ما تحمل من معاني ودلالات، وتد تشد اليها الامة، وعملية تلقين مستمرة  للاجيال بالمبادئ التي قام من أجلها الحسين، هي درس عملي لكل البشرية برفض الظلم وعدم السماح للخطأ ان يستمر حتى لو كان ذلك الخطأ دولة قائمة بكل ماتملك من امكانيات، هي نهضة لاسقاط عروش الطغيان، وسحب الشرعية من دولة الظلام.
 
يعد الحسين اول من أسس للمعارضةالسياسية في التاريخ الاسلامي، وقد رسم خارطة طريق لبرنامج المعارضة التي قادها، قبالة القوم، برنامج ستراتيجي بعيد المدى، لم تستوعبه عقول اعدائه.
وضع حسابات المنطق والرياضيات جانباً، لانه كان على يقين انه مهزوم لا محالة لوجستياً، ان الثبات على العقيدة، والاصرار على الوقوف بجلد وأستأساد امام العدو، هو اكسير خلود المعركة.
عندما يتصارع المنطق مع الجنون، ويتقاتل المعقول مع اللامعقول، حينها تكون المدينة الفاضلة التي بناها افلاطون في خياله ودعى البشرية الى الاقتداء بها للوصول الى الكمال، مجرد لوحة سريالية لا وجود لها، امام مشهد الحسين وهو يطلق بأصحابه صافرة انذار قائلا" انتم في حل من بيعتي، وهذا الليل فاتخذوه جملاً" وهو بلاء عظيم وصقل لمعدن الرجال.
 
نحن لا نملك في يومنا هذا الا ان ندرس احداثيات المعركة دراسة بحثية بحتة، للوقوف على خفايا تلك الواقعة، ونقيس تحت المجهر تلك القدرات والقابليات، ونقيسها على ما نملك من قدرات وامكانيات، وبمعادلة حسابية يتبين لنا الفرق الشاسع، بين ما كان ومايكون وماهو كائن.  
 
عندما يُحرم احدهم من الماء، لأكثر من ثلاث ايام وفي ظروف استثنائية حساسة، بين حصار وقتال، كلها امور من شأنها تضعف النفوس وتقهر الارادة، اضاف الى ذلك صرخات الاطفال والعيال المرعوبة، كلها عوامل ضاغطة على جيش الحسين، الذي وقف بكل بسالة.
 
لم يكن خروج الحسين كأبتزاز سياسي، ولم يبيع ثمن سكوته على حكومة فاسدة، في زمن باع الناس دينهم ودنياهم بأبخس الاثمان، 
بل خرج من اجل ان ينقذ النفس الانسانية، فبنى مدرسة للكرامة، وخط بقدمه خريطة النصر، ولم يقف عند هذا الحد، بل استنهض بالامة قيمها الجاهلية، بعد ان يأس ممن كانوا يحاربوه ان يعودوا الى دين الاسلام! 
 
حيث نادى بالقوم " ان لم يكن لكم دين و كنتم لا تخافون المعاد، فكونوا احرار في دنياكم وارجعوا الى احسابكم ان كنتم اعراباً "
اراد الحسين ان يبرهن ان من قاتلوه، لا ينتمون الى الاسلام من جهة، ولم يدركوا اخلاق الجاهلية حتى، فهم للدواب اقرب من الانسانية، اشبة بعصابة مرتزقة لا تفقه الا لغة الدينار والدم .
 
فصرخ الحسين صرخة خالدة في ضمير الزمان ، سجلها تأريخ  الامة الاسلامية، التي لم تبلغ قرنها الاول حتى،  فأحدثت تلك الصرخة وتلك الدماء صدمة للمجتمع انذاك، اعادت للعقول الذاهلة رشدها.
هكذا فرق الحسين بخروجه على سلطان جائر بين طودين من البشر، هم الاحرار والعبيد.
 
 
خلاف المتوقع جاءت خطبة الجمعة، بجملة توصيات وإرشادات مهمة، ولم تتطرق للضجة التي احدثتها وسائل الإعلام هذا الأسبوع، حول الاحتفالية في ملعب كربلاء، واللغط الذي أثير حول تلك الاحتفالية، وتناقلتها مواقع التواصل بنهم شديد بين مؤيد ومعارض، للاحتفالية فأنقسام الأراء إلى فريقين، الأول يرى انه انتهاك لقدسية المدينة لطالما، كانت محط أنظار العالم، كونها البقعة الوحيدة التي تستطيع ان تحتضن ملايين الزوار رغم صغر مساحتها، حسب الإحصاءات الأخيرة للزيارات الدينية واحياء شعائرها، فهي مدينة جذبت اهتمام الإنسان، من أقصى بقاع المعمورة لما تحمله من خصوصية تاريخية، ومنزلة عقائدية، وهالة من الوقار تتملك الأرواح عند زيارتها ،أما الفريق الثاني فيرى ان الاحتفال، لا يخدش هيبة المدينة، بل يعبر عن المَدنية، وتعبير عن استمرار عجلة الحياة ٠ 
 
الملفت ان خطبة الجمعة، لم تلتفت للموضوع لا من قريب ولا من بعيد، بل لم تنفق دقيقة من زمن الخطبة لمجرد التلميح لذلك الأمر، وهذا الأسلوب بالتعاطي مع مثل هكذا قضايا إعلامية، ان دل على شيء يدل على انها قضية لا تستحق ان تأخذ حجماً ومساحة اكبر من حجمها الأساسي!
 
لما يعانيه المواطن ويمر به البلد من ظروف اقتصادية قاسية، ومطالبات ووقفات احتجاجية تشهدها شوارع بغداد، في درجات حرارة تجاوزت الخمسين مئوية، فهي اهم وألاجدار بالذكر والتوصية والتوجيه، من الإشارة إلى احتفالية عابرة لكنها شغلت جنود الكيبورد من المدونين والمغردين!
 
اذ أكدت الخطبة على نقاط محددة، منها رفع الظلم عن حملة الشهادات العليا، خصوصا كلنا يعلم ان العراق يعاني من (متلازمة الظروف الاستثنائية ) وهذا يعني ان صمود الطالب للمرور بمراحل الدراسة الأولية، واكمال الدراسات العليا، انه واجه العديد من الصعوبات والمعرقلات ولكنه تجاوزها بصبر وثبات، حتى الحصول على تلك الدرجة العلمية، لذلك على الحكومة ان تكون جادة في استثمار طاقات تلك الفئة المجاهدة علمياً، وتعمل على تجديد دماء الحكومة مؤسساتياً بتلك الطاقات التي تفترش الطريق!
 
كلاً حسب اختصاصه واستحقاقه، لا ان يقتصر التعيين في الحكومة، على القوى السياسية المتحكمة والأحزاب المهيمنة، على دوائر الدولة فتذهب اختصاصات الدرجات الوظيفية إلى أشخاص بعيدين كل البعد، عن الاختصاص المطلوب٠
كذلك اشارت الخطبة الجمعة، على الحكومة ان تهتم بالبنى التحتية للبلد منها الطرق والجسور وأعادة أعمارها، لما تعاني أغلب الشوارع من مطبات نتيجة للتقادم، وعدم اعادة تأهيلها بشكل دوري، مما يسبب، أزمة الاختناقات المرورية، اضافة إلى ارتفاع الحوادث المؤسفة، بسبب فقدان الطرق اهم معايير السلامة، خصوصا تلك الطرق الخارجية  والدولية٠
اضافة إلى ذلك اشارت الخطبة إلى اهمية فسح المجال للقطاع الخاص وتوفير بيئة مناسبة للمستثمرين، وتوفير الحماية اللازمة لهم من اجل النهوض بالاقتصاد٠
كما تضمنت الخطبة كعادتها، جملة توصيات وقضايا مهمة  تصب جميعها في توجيه الأنظار والأسماع والانتباه على اهمية العمل بها، لانها تمثل اهم ما يعانيه المواطن٠
 
وكأنها تقول بذلك ان ما يعاني منه البلد وابناءه، اكبر وأعظم من تسليط الضوء على فعالية، قد لا تتناسب مع مكانة المدينة على أهميتها، الا ان المعاناة الي يعيشها الناس هي اشد قسوة 
كما ان عدم الجواب هو جواب بحد ذاته !
 
 
قد يستغرب القارئ من عنوان المقال، ويتسأل ماذا نعني به؟ ومن أين جاء هذا المصطلح؟
انها تسمية جديدة واعتراف حكومي، اطلقه السيد رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، في اخر لقاء متلفز له، اذ اطلقها بأريحية تامة قائلا نحن حكومة الواوات !
يقصد بها حكومة الوكالات، نسبة إلى كثرة المناصب المشغولة في الحكومة بصفة الوكالة، وليس الأصالة، واعطى للمذيع في نفس التصريح، رقما لا يستهان به بعدد المناصب الحساسة في الحكومة العراقية الحالية المشغولة بصفة الوكالة، وهي حالة اشبه بشلل رباعي مصابة به مفاصل الحكومة، وعرقلة لحركة الديناميكية الاداء الحكومي؛ أو لنقل تسطيح وقفز فوق القانون تمارسه بعض القوى السياسية على رئيس الحكومة بالإبقاء على الوضع الواوي !
وضعف  وتخاذل واضح بقيادة السيد عادل لدفة اداءه الحكومي، وعدم حسمه للأمر بأسرع وقت، خصوصاً وان الظروف الحالية مؤاتية لتقديم الكثير والكثير من إنجازات والتقدم بخطوات واثقة للأمام، وتغيير الواقع الخدمي المزري الذي يعاني منه المواطن ٠
عراق اليوم لم يعد هو ذاته عراق ما قبل سنتين على اقل تقدير، فلم تعد هناك قوى ارهابية تهدد الأمن، كما اننا نشهد تحسن بالمجال الاقتصادي وارتفاع بأسعار النفط، كذلك فان عراق اليوم يلعب دوراً مهماو ستراتيجياً في المنطقة، فأصبح له دوراً  في ترطيب العلاقات الدبلوماسية وما يدور حوله من مناوشات إعلامية سياسية دبلوماسية، فلم يعد هو ارض للاحتكاك والنزاع، بل اصبح طرف ثالث ووسيط للتهدئة بين الأطراف المتنازعة (إيران وأمريكا) ٠
إذن المرحلة الحالية ومعطياتها وظروفها أفضل بكثير مما كانت عليه سابقا وعليه، هذه الانفراجة يترتب عليها التزامات بتقديم إنجازات وخدمات توفرها الحكومة للمواطن ، فلم تعد هناك حجة أو سبب يدعوا إلى التلكؤ في العمل أو التباطئ في الانجاز ، وبما ان الكتل السياسية في بداية تشكيل الحكومة الحالية أعلنت انها أعطت رئيس الحكومة الضوء الأخضر، بتمرير الشخصيات في المناصب الحكومية بدون ضغط أو توصية من جهة ما٠
وان كانت التصريحات على شاشات التلفاز، لا تشبه بالمرة مايدور خلف الكواليس، وما تمارسه تلك الكتل من الضغط مرة والمساومة مرة أخرى، للحصول على المزيد من المناصب والامتيازات ٠
لكن على رئيس الحكومة ان يأخذ دوره بشكل جدي وحازم وينهي حكومة الواوات التي عطلت مصالح البلاد والعباد، وهذا يعد اكبر اهدار للمال العام، ومنفذ للاحتيال على القانون ٠
لا خير في حكومة تكثر  واواتها لانها ستؤدي إلى عويل!
لذلك على السيد عادل ان يكون اكثر عدالة في قيادة  الحكومة، وان يكون هو سيد الموقف، ولايرمي  الكرة في في ملعب القوى السياسية مرة أخرى٠
بل على العكس قد تكون هذه الحكومة محظوظة، لانها الحكومة الاولى التي تشهد ظهور جهة معارضة لها، تراقب عملها وتؤشر مواطن الخلل، أشبه بمقياس لعملية الإنجاز بشكل موضوعي٠
 
 
الألم نعمة لانه يُشعرك بموضع المرض، فتسارع إلى الطبيب ليصف لك الدواء المناسب، بعد الكشف والمعاينة، ولهذا سمي مرض السرطان بالمرض الخبيث، لانه يدب "دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء"، وبهدوء في الجسد فيدمر خلاياه ويعيث به خرباً، والمريض لا يشعر بأي عارض أو خطب، فلا يكتشف خطورة الموقف الا في المراحل الأخيرة من المرض، وبشكل عرضي بحت، خصوصا والكثير من الناس لا يؤمن بالمقولة (الوقاية خير من العلاج) فلا يقوم بأي فحوصات وقائية، أو معاينة دورية، فلا يُكتشف المرض الا بعد استفحاله، وبعدما بنى لنفسه قلاع محصنة داخل الخلايا، فيصبح امر القضاء عليه أمراً مستحيلاً، وتصبح النهاية المحتومة مسألة وقت ليس الا!
 
ان الصرخة من اثر وخزة الابرة، أو أي شعور اخر بالألم قد يكون ظاهرة مؤذية، لكنها بمثابة جهاز استشعار لوجود خلل ما، وبضرورة معالجته بأسرع. وقت ممكن٠
 
الأمر هذا لا ينطبق على جسم الإنسان فقط، فكل الأشياء التي تحيط بنا، تسير بهدوء تام لغاية حصول خطب ما، فتتغير النغمة الذي تصدرها، والأمر يشمل المكائن والآلات، كإشارة لوجود مشكلة، انها لغة عالمية كصافرات الإنذار!
 
 
وأبرز صفارات الإنذار التي انطلقت الأسبوع الماضي هو ماقام به تيار الحكمة من مظاهرات بوصفه جهة معارضة، ولان المجتمع عبارة عن مجموعة من الناس، يمثلها الفرد كوحدة إنسانية مصغرة، لذلك فهو يشبه الجسد في طريقة التعبير عن وجود مشكلة يعاني منها، فالجسد يطلق صرخات الألم بعد إرسال إيعاز للدماغ، كذلك المجتمع  يتخذ من المظاهرات طريقة للتعبير عن وجود معاناة فيتعالى صوته، في المطالبة بحقوقه المشروعة ومما يعانيه من ضيق العيش، وسوء الخدمات وغيرها من المطاليب التي كفلها له الدستور، والتي طال انتظارها٠
 
وقد يسأل سأل لماذا المطالبة بالتظاهر الان بالذات؟ خصوصاً وان معاناة المواطن العراقي ليست بالشيء الجديد، بانعدام الخدمات وفقدان اساسيات الحقوق التي. يتمتع بها ابسط شعوب العالم، ولكن المطالبة بتلك الحقوق أصبحت تثير استغراب البعض، وكأنما يراد من الشعب العراقي ان يبقى بمعاناته المزمنة، وان يبقى سرطان الفساد ينهش بمؤسسات الدولة إلى ما لا نهاية٠
 
 ان ثقافة التظاهر والاحتجاج تكاد تكون ممارسة سياسية تكميلية للمشهد الديمقراطي الراهن اذ ان حق التظاهر مكفول دستورياً، ولا يمكن لاحد ان ينكر أو يشكك بذلك، فما الذي يثير حفيظة ومخاوف البعض منه؟
ان الجمهور الشارع يعي تماماً، ان من حقه ان يتظاهر احتجاجاً على اداء الحكومة لسوء الخدمات وذات الوقت لا يسمح لأي اعتداء يمس امن وهيبة هذه الحكومة المقصرة!
هكذا هي المعادلة الديمقراطية التي توازن طرفها أخيراً، بعد (١٦)عام من التفاعلات الفاشلة. فأصبح هناك حكومة وهناك معارضة، ومن واجب الحكومة تطبيق القانون، ومن حق المعارضة تصحيح المسار، والوقوف على مواطن الخلل والإشارة اليها، لإيجاد الحلول فليست الغاية من التظاهر لأجل التاظاهر أو لتعطيل عجلة الإنتاج، بل من اجل الارتقاء، وتوحيد الجهود والأصوات للحصول على الحقوق المشروعة، التي كفلها الدستور ومن ضمنها التظاهر٠
 
 
عندما نهم برسم خط مستقيم، نرجوه ان يكون مستقيم فعلاً، لكن عند النظر اليه من زاوية أخرى، نكتشف انه مائلاً يميناً أو يساراً، فنضطر للاستعانة بمسطرة لرسمه مرة أخرى للحصول على خط مستقيم جداً٠
هكذا هي الفطرة الإنسانية تسعى إلى الكمال والاستقامة، لان الحياة لا تسير الا وهي مستوية!
لذلك وجدت أدوات تُصلح الاعوجاج ان وجد، لانه حاله طارئة، فالأصل هو الكمال وليس العكس، لذلك كثيراً ما نصادف أناس يضعون تقويم الأسنان لفترة طويلة، ويتحملون جراء ذلك الألم النفسي الذي يسببه والجسدي، على أمل الحصول على ابتسامة جميلة كلها ثقة في نهاية المطاف٠
ان مجرد الفكرة ان تكون مسروراً، لكن لا تستطيع ان تضحك ملئ الفم وبصوت عالي، لاعتقادك ان منظر أسنانك ليس لطيف، هو أمر محزن حقاً٠
وقبل الشروع بوضع تقويم الأسنان، قد يجبر الطبيب المريض على قلع أسنان سليمة، الا انها متراكمة!
لتفسح المجال لبقية الأسنان ان تأخذ موقعها الصحيح٠
كلامنا الطويل هذا والمفصل عن تقويم الأسنان، ليس درساً لطلاب الطب المتخصصين بجراحة الأسنان وتجميلها مطلقاً، وإنما محاولة لأيصال فكرة بمثال حي وواقعي جدا، لأهمية التقويم في مجمل المجالات وليس في الأسنان فقط ٠
 
من هذا المدخل تتبلور فكرة المعارضة، التي تقوم على أساس التقويم وتصحيح المسار، فهي ليست العصي التي توضع في الدواليب، بل على العكس هي مرحلة متقدمة من النضوج الذي وصلت له العملية السياسية في العراق٠
بعد سلسلة تجارب ومعاناة أوصلت المواطن إلى حالة أشبه باليأس من ما يدور حوله بشكل عام ومن العداء الحكومي بوجه خاص، فأصبح اشبه بكائن كسيح لا يقوى على السير، فصار لزاماً ان يستعين بدعامات حديدية يستند اليها ويستعين بها عند المشي والركض والهرولة!
إذن الهدف الأساسي من المعارضة  العراقية الحالية ليس إسقاط الحكومة واشاعة الفوضى، كما يشاع عنها
وان كان إسقاط حكومة فاشلة من مهامها، الا انها لا تسعى لذلك في الوقت الحالي ٠
ولكي تأخذ المعارضة شكل مؤسساتي منضبط يجب ان تحدد أهدافها ورؤيتها وغايتها، كما انها يجب ان تقسم جهودها، وإلا ستكون معارضة لأجل المعارضة٠ 
عندما يعلن رئيس الوزراء برنامجه الانتخابي ويطلق أرقام الإنجاز الخيالية، يجب ان تكون هناك جهة بقوة ومساحة (رئاسة الوزراء) لمتابعة صحة هذه الأرقام والبيانات، وتبيان نسبة النجاح والفشل فيها، وهذا ما يعرف بالنظام العالمي للنظم السياسية ب "حكومة الظل" وظيفتها مراقبة اداء الحكومة الأساسية وتشخيص مواضع الخلل، والوقوف على الأخطاء بهدف إصلاحها وبنفس الوقت تهيئ وتعد  برنامج بديل حكومي٠
ان ظاهرة الاستغفال وتجاهل الأزمات، بل إيهام المواطن بأرقام غير صحيحة لنسبة الإنجاز الحكومي، لها عواقب وخيمة مالم تنتبه الحكومة الحالية لحجم الهوة بين الواقع وبين ما تدعيه من ارقام في تقاريرها الرسمية٠
فاخذ المسكنات لا يلغي المرض وليس هو العلاج الناجع له، كذلك إطلاق نسب للإنجاز بتلك الأرقام الهرمية، بدون ان يلمس المواطن أي تغيير إيجابي على ارض الواقع، إنما هو بسمار تدقه الحكومة في نعشها، من حيث تدري أو لا تدري٠
خصوصاً ونحن نشهد بين حين وآخر تظاهرات غاضبة هنا وهناك، لمجموعة من المواطنين يطالبون بحقوقهم الأساسية، تجابه أما بالقمع أو التكتيم الإعلامي، فالتعيم على مثل هكذا حراك شعبي، لا يلغيه بل قد يؤدي إلى قيام تظاهرات اكثر جماهيرية، رداً على التجاهل الحكومي لمطالب الناس٠ 
لذلك على الحكومة الحالية ان تستوعب  انها بحاجة ماسة لتقويم الأسنان، حتى لا تجبر على قلع  أسنان سليمة مستقبلا٠