مشروع تجاري
رسل جمال

رسل جمال

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 
منذ أندلاع التظاهرات والاحتجاجات في الخامس والعشرين، من أكتوبر الماضي ظهرت أيقونات مثلت رموز هذا العنفوان الشبابي الثائر، أهمها "التكتك" وهو وسيلة نقل صغيرة أشبه بدراجة نارية نشطت في خضم التظاهرات لنقل المواطنين، وإسعافهم بشكل سريع وفوري لسهولة تنقلها، اضافة إلى نقل المؤن مما أسهمت هذه الوسيلة البسيطة، بزيادة زخم الحراك الجماهيري، اذ اظهر اصحاب التكتك شجاعة لا مثيل لها بإسعاف المصابين والتصدي للغاز المسيل للدموع٠ 
 
أما الرمز الآخر وهو المطعم التركي، الذي اعتصم به مجموعة من الشباب المتظاهر، واتخذوا منه حصنهم الحصين، مما حدا بالمتصفح العالمي Google بتسمية المطعم التركي "جبل أحد" إشارة واضحة بان المجتمع الدولي يراقب بأهتمام وعن كثب ما يحدث في ساحة التحرير اول بأول ٠
ما يشهده الشارع العراقي من غليان، ماهو بالحقيقة الا فرق بالتوقيتات بالفهم مابين الواقع والخيال، ما بين ما يريده الناس وما تفهمه أو ما تحققه الحكومة، فهناك فجوة بين مجتمع ذو طابع شبابي يطمح للتغيير، ولا يفكر بشكل تقليدي ولا يرضى بردود معتادة، وبين حكومة كلاسيكية الادعاء جاثمة على ركام من الفساد،فمن الطبيعي اذا كان هذا حال طرفي المعادلة، ان تقابل الجماهير الغاضبة كل محاولة تقوم بها الحكومة لامتصاص هذا البركان، بالرفض والتمرد والسبب ان الحكومة وقفت عاجزة عن ايجاد لغة مشتركة تخاطب بها عقول هذا الجمهور الغاضب٠
 
ومع مرور الوقت تنحى الوقفة الاحتجاجية في ساحة التحرير منحى اخر اكثر نضوجاً، اذ نظم الشباب أنفسهم فرق ومجموعات، للطبابة والطبخ  والتنظيف والتفتيش حتى، وكان اخرها صدور مجلة بأسم (تكتك) وهذا دليل ان ما يحدث في ساحة التحرير ليس مجرد ردة فعل، أو غضب شبابي عابر بل هو نقطة تحول ومنعطف مهم في سلوكيات مجتمع بأكمله، وصحوة مبادئية كبيرة٠
 
كان يُتهم جيل الشباب باللامبالاة وعدم الانتماء والانفصال عن الواقع وتقليد الغرب بشكل اعمى، نرى ان ذات الجيل الذي تحمل شتى التهم، قد ابهر الجميع بالصور التي رسمها على جدران ساحة التحرير، من تضحية وفداء ونكران للذات وثبات على القضية والذوبان فيها٠ 
 
لأيمكن ان نفصل ما بحصل من حراك شبابي في ساحة التحرير عن ما يحصل من حراك في المنطقة ك (لبنان) ويبدو ان القائمة ستطول لتشمل دول أخرى يتذمر ابناءها من سوء أحوالها!
 
ان انبثاق تظاهرات اكتوبر اشبه بالنبات الطبيعي، خرجت على السطح بدون تدخل من احد وهذا رد على من يتهم التظاهرات بانها زرع شيطاني وعمل خارجي، فهي طاقة كامنة في هذه التربة، أنضجتها الإخفاقات المتتالية للحكومات السابقة، وعندما انجلت غيوم الإرهاب وما كان يخيم على سماء الوطن من تهديدات خارجية، أزهرت بشكل دموي قانِ، ولكن المشهد لا يخلو من الأدغال التي تشوه منظر التظاهرات، التي لابد من تعاون المتظاهرين والقوات الأمنية باقتلاعها والتخلص منها، والحفاظ على سلمية هذا الاحتجاج ٠
 
 
منذ انطلاق التظاهرات في الثالث من اكتوبر الجاري، ولم اجرأ على كتابة مقالة، ولم أحاول ان أعبر عن رائي لسبب بسيط، وهو تعالي الأصوات وكثرة الآراء بين الرافضة والموالية لما يجري، فريق يكيل للحكومة أنواع التهم، وفريق اخر ينعت المتظاهرين بالمندسين والمخربين والبعثية، وما بين هؤلاء وأولئك تشوشت الرؤية واختلط المشهد، وضاع صوت العقل وسط هذه الجّلبة٠
 
وفي ظل هذا التجاذب برز  اتجاهان يقود المشهد الاول؛ هو التشاؤمي يرى الأمور تتجه نحو الفوضى وأشاعة اللانظام  بل وتروج لرموز ترسخ هذا المفهوم، كما انتشر على مواقع التواصل "رمز الجوكر " وتبني تجار الأزمات وقادة الجيوش الإلكترونية المسيسة هذا الشعار، وسرعان ما تم تغييره عندما جوبه برفض واستنكار من عامة الجمهور الإلكتروني، الذي مَل من تزاحم الألاعيب على عقله، فما عادت تلك البرومكندا تنطلي عليه هذه٠
أما الاتجاه الثاني وهو الأكثر تفائلاً وهو مايؤيده ويرغب به العقلاء، وهو التأكيد على أحقية ومشروعية التظاهر، مع الحفاظ على سلميتها والجنوح إلى التهدئة ورفض لغة التصعيد والعنف٠
 
يمكن ان نُعرف اللغة بأنها وسيلة للتواصل والتفاهم بين فرد وفرد اخر أو بين جماعة وأخرى، لكن يحتاج الطرفين لكي تتم هذه العملية بنجاح هو الإلمام بمفاتيح هذه اللغة وفك رموزها وحل شفراتها، فإذا كان الطرف الاول لا يعي ولا يفهم ما يتفوه به الطرف الثاني، يصبح الكلام عملية عبثية لا طائل من ورائها، ويبدو انه سر المشكلة الحاصلة بين الحكومة والشعب٠
 
كما هو معلوم ان الشباب مادون سن (٢٥سنة) يمثلون الغالبية العظمى من نسبة سكان العراق، أي اننا أمام مجتمع شاب يافع، له لغة خاصه به وطريقة تعامل يتميز بها، وجملة تطلعات وطموحات تنسجم مع افكاره، بغض النظر ان كانت تلك الأفكار صائبة أم الا!
أما الحكومة والمتصدين للسلطات التنفيذية والتشريعية فأغلبهم قد استنفذوا العمر الافتراضي لهم، الكثير منهم من الكهلة وكبار السن، وهم بلا شك قد تقولبوا على نمط معين، لايجرؤن على تغييره وهذا بدوره يخلق  الحاكم والمحكوم هوة كبيرة٠
 
جمهور يتمتع بمثل هكذا شبابية، لا يمكن لحكومة كلاسيكية الهوى ان تلبي طموحه، فبرغم ان السرعة هي سمة العصر، الا ان المؤسسة الحكومية مازالت تمكث في عصور حجرية غابرة، مابين روتين مميت وبيروقراطية بغيضة، ضاعت أحلام الشباب٠
 
ورغم الشعار الذي تتوالى حكومات (مابعد ٢٠٠٣) على حمله، بوصفه هبة تمنحه للمواطن العراقي، وهو الحرية والديمقراطية، فهي تتمنن بتلك الشعارات على الناس، فات الطبقة السياسية، ضرورة تجديد تلك الشعارات بما يناسب المرحلة الراهنة، لان الفترة الزمنية الواقعة [٢٠٠٣-٢٠١٩] هناك جيل قد ولد ولم يشهد الدكتاتورية، ولم يتلمس الديمقراطية٠
 
جيل بأكمله تربى على النفور والرفض من طبقة حاكمة، لم تنتبه من هذه التراكمات، بل تعمدت تجاهل جيوش من الخريجين بدون أي فرصة كريمة بالتعيين، اضافة إلى عدم الاهتمام ببقية الفئات من المجتمع، مما غذت حطب الغضب بالمزيد من النار !
 
مما زاد الطين بله، سوء إدارة الحكومة للأزمة، وتمييع الحقيقة واستغفال المواطن والاستهانة بمشاعره ، ارقام الضحايا هي المقياس لدرجة حماقة الحكومة في إدارة ملف المظاهرات، أما التقرير الحكومي فجاء اشبه بالقشة التي قصمت ظهر الحكومة، اذ كان هزيل وخجول وضعيف ولم يقوى على مد إصبع الاتهام لجهة محددة، أو تشخيص الجناه، فضيعت الحكومة كعادتها الفرصة لإنقاذ ما يمكن انقاذه من ماء وجهها٠
 
ان الحلول الترقيعية التي تجود بها الحكومة، محاولة بائسة لأمتصاص غضب الشارع، تكاد تكون  أخذ قرص مهدي لمجابهة مرض السرطان، فالمرض كهذا لا يُعالج الا بأخذ جرعات كيمائية، أو الاستئصال٠
ان مواجهة تيار الشباب الصاعد المنادي بحقوقك التي كفلها الدستور، في ظل نظام ديمقراطي بهذا الأسلوب (العصملي ) الذي يمارسه رئيس الوزراء ليس هو الحل الناجع بالتأكيد،
على الحكومة ان تعيد قراءة الدستور أولاً ثم تجري التعديل اللازم ثانيا وتطبيق فقراته بشكل عادل ومتساو ثالثاً، وإلا فان الديمقراطية التي أتت بهم هي نفسها من ستطيح بهم٠
 
 
منذ تولي الحكومة الحالية زمام الأمور وهي على مايبدو تتعمد بزيادة الطين بله، وتمعن في التخبط بأطلاق القرارات غير المسؤولة، وتتعامى عن احداث خطيرة، كان الأجدر بها الوقوف على مسبباتها، وتبيانها للناس بمؤتمر صحفي واضح وصريح، اذ أصبحت الحكومة تجسيداً للأية القرأنية " ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلا" فمع اختلاف التوجهات والضغوطات  وصراع الإرادات التي تواجهه الحكومة الحالية، اصبح من الطبيعي ان نشهد مثل هذا الترنح في المواقف ٠
 
سلسلة من الأحداث هزت الشارع العراقي واحدة تلو الأخرى، وكان رد الحكومة خجولاً جداً، بل بالكاد يذكر، منها على سبيل الذكر لا الحصر الاعتداء السافر على الوقف  الشيعي في بغداد ، وحادثة حرق احدى المراكز التجارية (مول )في محافظة النجف، وسلسلة تفجيرات لمخازن العتاد للحشد الشعبي، مما تسبب بخسائر بشرية اضافة إلى إلحاق أضرار بالممتلكات العامة والخاصة للمواطنين، أما الاعتداء على مظاهرات حملة الشهادات العليا بخراطيم المياه بشكل وحشي ومهين لشريحة نوعية ومهمة بالمجتمع، يعد سابقة خطيرة واعتراف مباشر  من قبل  الحكومة بفشلها الذريع بأستيعاب هذه الطاقات واحتضانها٠
 
اصبح واضح للجميع ان الحكومة لا تملك قرارها، فهي تتعامل بشكل انتقائي مع القضايا المطروحة، وبمزاجية مفرطة بعيدة كل البعد عن العقل وإدواته كالمنطق والحكمة، هكذا غرست اقدامها، في وحل العشوائية في اتخاد القرار ، وسوء الإدارة وهذا بدوره زاد بنقمة الجمهور على ادائها البائس، فهي عالقة مابين سندان القرارات الخاطئة ومطرقة الحلول الترقيعية، ان دل على شئ فيدل على غياب الرؤية الواضحة، والتخطيط الاستراتيجي للحكومة الحالية بأدارة الأمور ٠
 
أما قرار القائد العام للقوات المسلحة بنقل القائد الميداني "عبد الوهاب الساعدي" الذي حول الهزائم إلى انتصارات، فكان بمثابة مكافئة مستفزة للدور البطولي الذي لعبه الساعدي في قيادة اخطر المعارك وأشرسها، فنجحت الحكومة وبجدارة بكسب غضب الناس، وضاعف الإحساس باليأس من صلاح الحكومة، فبدل من تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، طفت على السطح مشاكل جديدة زادت من معاناة الناس، وأثقلت كاهلهم، كإزالة الأسواق الجوالة والمتجاوزة، اذ كان الأحرى ايجاد بدائل مناسبة، قبل قرار ازالتها، وتشريد العوائل المعتاشة على تلك الأسواق، وهم من الطبقة الكادحة في المجتمع٠
 
وقد يقول قائل، انه امر عسكري وعلى الناس ان تستوعب تلك الخصوصية للمؤسسة العسكرية، ولا تُقحم الاعتبارات الأخرى في هذا الجانب، هذا من جهة ومن جهة أخرى هناك أصوات أخرى تطالب الحكومة بالنظر بموضوعية، ولا تتبع سياسة الكيل بمكيالين!
وان تعامل الجميع تحت ضابطة واحدة، فهي تغض الطرف عن زيارات مسؤولين رفيعين المستوى في الحكومة، لسفارات ودول بشكل شخصي، دون الرجوع إلى الحكومة وأعلامها حتى٠
 
أما ان يكون رئيس الحكومة عادلاً كما يسمي نفسه، ويدرك الفرق بين التنظير والتطبيق، وأما يعترف بعدم قدرته على فرض إرادة وطنية في إدارة المؤسسة الحكومية،وإلا فان الامور تسير إلى ما لا يحمد عقباه اذا استمر التخبط على ما هو عليه الان ٠
 
 
"أولسنا على الحق" سؤال وجودي سجله الدهر وهو مشغول بخط سطور تأريخه، على لسان علي ابن الحسين الملقب بعلي الأكبر، وهو يسأل أباه عندما رآه يسترجع ويكثر من قول " أنا لله وأنا اليه راجعون، والحمد لله رب العالمين" وكررها مرتين أو ثلاثة فقال على الأكبر " مم حمدت الله واسترجعت؟ " فأجابه " يابني خفقت خفقة فهن لي فارس على فرس وهو يقول : القوم يسيرون و المنايا تسير اليهم، فعلمت انها أنفسنا نعيت ألينا، فقال علي الأكبر " يا أبه ألسنا على الحق؟ " فقال بلى والذي اليه مرجع العباد، فقال علي الأكبر " اذا لا نبالي أوقعنا على الموت أو وقع الموت علينا !
 
هكذا كان يقين رجال الحسين من أهله وبنيه واصحابه،ثبا همبهذه الكيفية الفدائية هو اعجاز  بحد ذاته، بعيداً عن ما أحيط بالواقعة من مفارقات وارهاصات القت بظلالها، على الأمة الإسلامية وتاريخها، ومشاهد كثيرة يقف العقل حائراً عن ايجاد تفسير منطقي لها٠ 
 
لم يستطيع العلم رغم ما وصل من تطور وحداثة ان يجد تفسير علمي للكثير من الظواهر، رغم اعترافه بوجودها، وتعتبر القضية الحسينية احدى تلك القضايا العصية على التفسير والتأويل، وهذا سر حيوية "شعيرة الحسين"، فمن يؤمن بأحياء تلك الشعائر، فهو يضع نصب عينه تضحيات أصحاب الحسين، و يضعها في ميزان القياس، فيجد كل ما يقوم به ويقدمه لا يساوي شيئا أمام تلك التضحيات، فزوار الحسين بأستنفار دائم أيام محرم، وهم على استعداد للتضحية بكل ما تجود به أيديهم وأنفسهم ، لذلك رجال الحسين لا يركضون عبثاً، ولا يموتون الا وهم خالدين!
  تعد محافظة كربلاء محافظة صغيرة نسبياً، الا انها اعتادت على احتضان ملايين الزائرين في كل عام من الموسم الحسيني، بكل أريحية وامان، وكما انه معلوم ان أي تجمع بشري يشهد تزاحم لا يخلو من تلك الحوادث العرضية، اذ كثير ما تشهد مواسم الحج حوادث مشابهة لتلك التي وقعت في ركظة طويريج، بل أسوء منها، وكلنا نتذكر حادثة سقوط الرافعة في الحرم وغيرها الكثير من الحوادث التي تحصل رغم كل الاحتياطات والإجراءات التي تقوم بها الجهات المعنية، فبرغم ما اتخذته الأجهزة الأمنية للمحافظة، اضافة إلى العاملين في العتبتين الحسينية والعباسية، لتنظيم هذه المسيرة الا ان حدوث مثل هكذا حادثة امر وارد، نظراً للإعداد الكبيرة من الزائرين٠
 
الا ان الأقلام الصفراء تأبى الا ان تفرغ سمومها، لتستريح مما يعتريها من قلق عند رؤيتها تلك الملايين الحسينية، فراحت تكتب بشماتة، مستأنسة بهكذا حوادث، وجدتها أفضل حجة للنيل من الشعائر الحسينية، فهم يشكلون على الطعام الذي يقدمه خدام الحسين في المواكب،بقولهم انها اموال مهدورة واسراف غير مبرر، رغم ان ما يقدم في تلك المواكب ماكل ومشرب يذهب اغلبه للعوائل الفقيرة والمتعففة، انها حرب لا تنام ولن تخمد نيرانها بين معكسر الحق والباطل، تكشف لنا كل مرة عن وجوه كالحة، كانت تستتر بعنوان مختلفة ولكن رغم أنوفهم يستمر المسير الحسيني في كل مرة، وبشكل اكثر تجدد وعنفوان، ليس لشيئ الا انهم ايقنوا انهم على الحق ٠
انها قضية متوهجة باتصال مباشر مع السماء، لا تستطيع قوى الأرض ولو اجتمعت ان تطفئها٠
 
 
ينص احد قوانين الفيزياء، ان لكل فعل رد فعل يساويه بالقوة ويعاكسه بالأتجاه، على ان يضم الزمكان هذا القانون، اي من غير المعقول ان يدفع س حجر في الشمال فيتحرك حجر اخر بالجنوب،   رغم بديهية القانون واستحالة تفنيده، الا ان الحسين عليه السلام يستمر بضرب هذا القانون عرض الحائط، فبعد ١٤٠٠ سنة  من مقتله يفترض بردة فعل تلك المصيبة ان يستمر عام، او لنقل عقد على ابعد تقدير، الا اننا ليومنا هذا نسمع اصوات أظلاعه وهي تتكسر تحت حوافر الخيل، فهذا الالم وتلك اللوعة تتجدد عام بعد عام، اشبه بينبوع يتدفق يآبى النضوب، لهذا جاء في الحديث القدسي " ان لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد ابدا" 
 
اصبحت القضية الحسينية بكل ما تحمل من معاني ودلالات، وتد تشد اليها الامة، وعملية تلقين مستمرة  للاجيال بالمبادئ التي قام من أجلها الحسين، هي درس عملي لكل البشرية برفض الظلم وعدم السماح للخطأ ان يستمر حتى لو كان ذلك الخطأ دولة قائمة بكل ماتملك من امكانيات، هي نهضة لاسقاط عروش الطغيان، وسحب الشرعية من دولة الظلام.
 
يعد الحسين اول من أسس للمعارضةالسياسية في التاريخ الاسلامي، وقد رسم خارطة طريق لبرنامج المعارضة التي قادها، قبالة القوم، برنامج ستراتيجي بعيد المدى، لم تستوعبه عقول اعدائه.
وضع حسابات المنطق والرياضيات جانباً، لانه كان على يقين انه مهزوم لا محالة لوجستياً، ان الثبات على العقيدة، والاصرار على الوقوف بجلد وأستأساد امام العدو، هو اكسير خلود المعركة.
عندما يتصارع المنطق مع الجنون، ويتقاتل المعقول مع اللامعقول، حينها تكون المدينة الفاضلة التي بناها افلاطون في خياله ودعى البشرية الى الاقتداء بها للوصول الى الكمال، مجرد لوحة سريالية لا وجود لها، امام مشهد الحسين وهو يطلق بأصحابه صافرة انذار قائلا" انتم في حل من بيعتي، وهذا الليل فاتخذوه جملاً" وهو بلاء عظيم وصقل لمعدن الرجال.
 
نحن لا نملك في يومنا هذا الا ان ندرس احداثيات المعركة دراسة بحثية بحتة، للوقوف على خفايا تلك الواقعة، ونقيس تحت المجهر تلك القدرات والقابليات، ونقيسها على ما نملك من قدرات وامكانيات، وبمعادلة حسابية يتبين لنا الفرق الشاسع، بين ما كان ومايكون وماهو كائن.  
 
عندما يُحرم احدهم من الماء، لأكثر من ثلاث ايام وفي ظروف استثنائية حساسة، بين حصار وقتال، كلها امور من شأنها تضعف النفوس وتقهر الارادة، اضاف الى ذلك صرخات الاطفال والعيال المرعوبة، كلها عوامل ضاغطة على جيش الحسين، الذي وقف بكل بسالة.
 
لم يكن خروج الحسين كأبتزاز سياسي، ولم يبيع ثمن سكوته على حكومة فاسدة، في زمن باع الناس دينهم ودنياهم بأبخس الاثمان، 
بل خرج من اجل ان ينقذ النفس الانسانية، فبنى مدرسة للكرامة، وخط بقدمه خريطة النصر، ولم يقف عند هذا الحد، بل استنهض بالامة قيمها الجاهلية، بعد ان يأس ممن كانوا يحاربوه ان يعودوا الى دين الاسلام! 
 
حيث نادى بالقوم " ان لم يكن لكم دين و كنتم لا تخافون المعاد، فكونوا احرار في دنياكم وارجعوا الى احسابكم ان كنتم اعراباً "
اراد الحسين ان يبرهن ان من قاتلوه، لا ينتمون الى الاسلام من جهة، ولم يدركوا اخلاق الجاهلية حتى، فهم للدواب اقرب من الانسانية، اشبة بعصابة مرتزقة لا تفقه الا لغة الدينار والدم .
 
فصرخ الحسين صرخة خالدة في ضمير الزمان ، سجلها تأريخ  الامة الاسلامية، التي لم تبلغ قرنها الاول حتى،  فأحدثت تلك الصرخة وتلك الدماء صدمة للمجتمع انذاك، اعادت للعقول الذاهلة رشدها.
هكذا فرق الحسين بخروجه على سلطان جائر بين طودين من البشر، هم الاحرار والعبيد.
 
 
خلاف المتوقع جاءت خطبة الجمعة، بجملة توصيات وإرشادات مهمة، ولم تتطرق للضجة التي احدثتها وسائل الإعلام هذا الأسبوع، حول الاحتفالية في ملعب كربلاء، واللغط الذي أثير حول تلك الاحتفالية، وتناقلتها مواقع التواصل بنهم شديد بين مؤيد ومعارض، للاحتفالية فأنقسام الأراء إلى فريقين، الأول يرى انه انتهاك لقدسية المدينة لطالما، كانت محط أنظار العالم، كونها البقعة الوحيدة التي تستطيع ان تحتضن ملايين الزوار رغم صغر مساحتها، حسب الإحصاءات الأخيرة للزيارات الدينية واحياء شعائرها، فهي مدينة جذبت اهتمام الإنسان، من أقصى بقاع المعمورة لما تحمله من خصوصية تاريخية، ومنزلة عقائدية، وهالة من الوقار تتملك الأرواح عند زيارتها ،أما الفريق الثاني فيرى ان الاحتفال، لا يخدش هيبة المدينة، بل يعبر عن المَدنية، وتعبير عن استمرار عجلة الحياة ٠ 
 
الملفت ان خطبة الجمعة، لم تلتفت للموضوع لا من قريب ولا من بعيد، بل لم تنفق دقيقة من زمن الخطبة لمجرد التلميح لذلك الأمر، وهذا الأسلوب بالتعاطي مع مثل هكذا قضايا إعلامية، ان دل على شيء يدل على انها قضية لا تستحق ان تأخذ حجماً ومساحة اكبر من حجمها الأساسي!
 
لما يعانيه المواطن ويمر به البلد من ظروف اقتصادية قاسية، ومطالبات ووقفات احتجاجية تشهدها شوارع بغداد، في درجات حرارة تجاوزت الخمسين مئوية، فهي اهم وألاجدار بالذكر والتوصية والتوجيه، من الإشارة إلى احتفالية عابرة لكنها شغلت جنود الكيبورد من المدونين والمغردين!
 
اذ أكدت الخطبة على نقاط محددة، منها رفع الظلم عن حملة الشهادات العليا، خصوصا كلنا يعلم ان العراق يعاني من (متلازمة الظروف الاستثنائية ) وهذا يعني ان صمود الطالب للمرور بمراحل الدراسة الأولية، واكمال الدراسات العليا، انه واجه العديد من الصعوبات والمعرقلات ولكنه تجاوزها بصبر وثبات، حتى الحصول على تلك الدرجة العلمية، لذلك على الحكومة ان تكون جادة في استثمار طاقات تلك الفئة المجاهدة علمياً، وتعمل على تجديد دماء الحكومة مؤسساتياً بتلك الطاقات التي تفترش الطريق!
 
كلاً حسب اختصاصه واستحقاقه، لا ان يقتصر التعيين في الحكومة، على القوى السياسية المتحكمة والأحزاب المهيمنة، على دوائر الدولة فتذهب اختصاصات الدرجات الوظيفية إلى أشخاص بعيدين كل البعد، عن الاختصاص المطلوب٠
كذلك اشارت الخطبة الجمعة، على الحكومة ان تهتم بالبنى التحتية للبلد منها الطرق والجسور وأعادة أعمارها، لما تعاني أغلب الشوارع من مطبات نتيجة للتقادم، وعدم اعادة تأهيلها بشكل دوري، مما يسبب، أزمة الاختناقات المرورية، اضافة إلى ارتفاع الحوادث المؤسفة، بسبب فقدان الطرق اهم معايير السلامة، خصوصا تلك الطرق الخارجية  والدولية٠
اضافة إلى ذلك اشارت الخطبة إلى اهمية فسح المجال للقطاع الخاص وتوفير بيئة مناسبة للمستثمرين، وتوفير الحماية اللازمة لهم من اجل النهوض بالاقتصاد٠
كما تضمنت الخطبة كعادتها، جملة توصيات وقضايا مهمة  تصب جميعها في توجيه الأنظار والأسماع والانتباه على اهمية العمل بها، لانها تمثل اهم ما يعانيه المواطن٠
 
وكأنها تقول بذلك ان ما يعاني منه البلد وابناءه، اكبر وأعظم من تسليط الضوء على فعالية، قد لا تتناسب مع مكانة المدينة على أهميتها، الا ان المعاناة الي يعيشها الناس هي اشد قسوة 
كما ان عدم الجواب هو جواب بحد ذاته !