مشروع تجاري
لؤي الموسوي

لؤي الموسوي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الحديث عن العظماء حديث طويل، لا يمكن للكاتب اختزاله بكلمات معدودة، فيه مصاعب لعدم تمكن الكاتب لتغطية سيرتهم الذاتية وتضحياتهم الجلية مهما كان بارعاً، فمهما تبحر وغاص في بِحار الكلمات وانتقاء افضل العبارات وسردها في حقهم، تعد نقطة في بحر جودهم وعطائهم، بين من حمل فكراً وعلماً في استبصار البشرية واستمرارية الحياة فيها، وبين من حمل دمائه على راحة يده لتحرير ارادة الشعوب من قبضة الطُغاة. 
الحديث عن الرجال والمواقف يحتاج دائماً الى رؤية موضوعية، وحس محايد ومنصف غير منحاز، يفصل بين ما هو عاطفي وبين ما هو واقعي. 
 
الخوض في ترجمة الرجال يتطلب من الكاتب ان يترجم ما هو ملموس وواقع حال، وليس من نسج الخيال، وهذه حقيقة تواجهنا ونحن نخوض غمار ترجمة اية الله المجاهد محمد باقر الحكيم (قدس سره)، القصد من وراء هذا للاطلاع على مسيرة هذا الرجل التي امتدت لاكثر من اربعين عاماً من النضال ضد الانظمة الفاسدة التي فرضت سيطرتها على العراق، لتعرف على مفاصل حياته وجهاده وانجازاته على الاصعدة الاجتماعية والسياسية. 
 
ولد (قدس سره) في مدينة النجف الأشرف، في الخامس والعشرين من جمادى الاولى من عام 1358هجرية –1939م، والنجف الأشرف موطن العِلم والمعرفة الذي يحتضن سيد الوصين الإمام علي (عليه السلام)، وتعد أسرة آل الحكيم من الاسر العلوية التي يرجعُ نسبها الى الإمام الحسن ابن علي المجتبى (عليه السلام). 
نشأ اية الله الحكيم مع اخوته التسعة، في احضان والده الامام الراحل محسن الحكيم (قدس سره)، حيث التقى والورع والجهاد، تغذى منذ نعومة اضفاره بمعاني الصبر والصمود، وعاش عيشة الفقراء مقتدياً بأبائه واجداده الصالحين، كم من اليالي والايام تمضي عليه "قده"  وطعامه مع بقية افراد العائلة عبارة عن الخبز واللبن والتمر والشاي والسكر التي تعد من الوان الطعام البسيط، كانت ولادته ومراحل طفولته الاولى متزامنة مع احداث الحرب العالمية الثانية وما تبعته من ويلات ومعاناة، في وقت كان فيه والده الإمام الحكيم من كِبار المجتهدين في النجف الاشرف.
 
تلقى السيد الحكيم علومه الاولية في ما يعرف بكتاتيب النجف الاشرف، ثم بعد ذلك دخل في مرحلة الدراسة الابتدائية في مدرسة منتدى النشر، انها فيها الصف الرابع فتركها، بعد ان نشأت عنده الرغبة في الدخول لدراسة الحوزوية وكان عمره الشريف آن ذاك الثانية عشر من عمره وكان ذلك سنة 1370 هجرية، بعد سنوات من الدراسة في حوزة النجف الاشرف على يد اساتذه ومراجع الحوزة العلمية امثال الامام الخوئي والشهيد محمد باقر الصدر واخيه السيد يوسف الحكيم (قدست اسرارهم) وغيرهم، قد حاز على شهادة الاجتهاد وهو في بداية شبابه على يد المرجع الكبير اية العظمى الشيخ مرتضى آل ياسين.
 
يعد الشهيد الحكيم نموذجاً فريداً، استطاع ان يجمع بين العِلم وتمثيله لمرجعية والده في المحافل العامة وبين الشروع بالتدريس في الاوساط الحوزوية والمواجهة والصمود بوجه عتاة السلطة التي مارست الاساليب القمعية بحق الشعب العراقي، حيث لم تؤثر هذه على ذاك، وهذا ان دل انما يدل على نبوغه وإِلمامه بالساحة بصورة عامة رغم قلة الوسائل المتاحة له آن ذاك، دخل الساحة بكل ابوابها واصبح رقماً صعباً من بين اقرانه وخصومه على حدٍ سواء و هذا ما جعله متميزاً عن الاخرين "قدس سره".
 
تضحيته وجهاده وصموده من اجل العقيدة والوطن، بعد سنوات المواجهة مع عناصر حزب البعث في داخل العراق، وبعد ان استنفذت السُبل وضيق عليه الخناق لاسيما بعد استشهاد المفكر الأسلامي محمد باقر الصدر، الذي طلب منه مراراً وتكراراً من السيد الحكيم ان يمارس نضاله ضد البعث بالخارج وان لايتوقف عن ذلك، قرر حينها الحكيم الخروج من وطنه مُجبراً على ذلك يحمل اهأت وهموم شعب، غيب في غياهب الجُب، واعلن كلمته وعلى الملاء دون تردد وخوف، حينما طلب المجرم صدام من السيد الحكيم، التوقف من ممارسة الجهاد والمعارضة لسلطته فقال كما قال جده سيد أباة الضيم (عليه السلام): الا إن الدعي إبن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة، غير مكترثاً بما يجري عليه مادام انه سائراً على الجادة، فقدم من اهل بيته الكثيرين في سبيل الوطن والعقيدة، فذبحوا على مذبح الحُرية، وكانت هذه الدماء تمثل بداية السقوط لقرن الشيطان، فاستطاع بصبره وجهاده ان يهزم الطغيان في عقر داره فارداه مدحوراً مذموماً وبقي شهيد المحراب الق في افق السماء كالنجم زاخراً يسطع وعرشاً توسط القلوب فقدم دمائه لله والوطن فخلد الله ذِكراه.
العجب من إنسان لا يعرف ما يريد ويفعل ما يريد وهذا ما يسمى بغريب الاطوار، والاغرب من ذلك يتبعه التابعون، لا نعلم كيف يهتدون بهديه ويتبعون خطواته وهو لم يجد ضالته بعد، ولا يعلم ماذا يريد، لكن العجب بمن يتبعه وسلم عقله ليتحكم به كيف يشاء، وعند المحاججة تحصل الكارثة. 
 
ماذا نقول وبماذا نصف إنسان باع عقله وحضه لإرضاء غيره لا لنفسه، كما كان جلاوزة السلاطين في العهود السابقة يفعلون ذلك، حين باعوا دينهم ودنياهم لأجل غيرهم، وهذا ما يحصل الآن، عندما تدع غيرك يلون حياتك بقلم اسود اكيد ستكون النتيجة سوداوية. 
 
اعظم ما خلق الباري جل وعلى هو العقل، حين اجرى له الأختبار وأجتازه بجدارة قال بك أثب وبك أعاقب، إذاً اعظم ما يملكه الإنسان وما يميزه عن سائر المخلوقات هو العقل، وكما يقال في المثل العام "العقل زينة"، زينة لمن يحسن توظيفه وأستخدامه ويكون وبالاً حين تجري عليه عملية تجميد له.
المعلوم لدى الجميع ان الإنسان يتباين في اراءه ومواقفه، ربما يقول قول او يفعل فعلاً ثم بعد ذلك يجد نفسه غير صائباً في هذا، يعمل بعدها جاهداً لتصحيح ما صدر عنه، لكن إنسان يقول قولاً يؤكد فيه الإلزام ويجزم على ذلك الفعل في كل حين ثم بعد ذلك يعدل عنه، وياليتها كانت الاولى في مشواره، بل على طول خط مواقفه كانت عبارة عن تناقض في تناقض في اللحظة الواحدة، وهذا الإنسان يمتلك العدد والعدة في السيطرة، هذا عقل من يراه مريدوه بالزعيم، إذاً كيف هو الحال في رعيته؟
 
ماذا يريد؟ لا يعلم ماذا يريد، ولا يعلم الآخرون ماذا يريد، حركاته عبارة عن تخبط عشوائي ترافقه صبيانية العقل، نابعة عن جهل وعنتريات في ابسط المواقف، مستمدها من قاعدته الجاهلة، التي يحركها متى شاء كما يصنع صاحب الدُمى بدُميته. 
مواقفه في اللحظة تتغيير حسب ما يرتأيه مزاجه وما تتطلب المصلحة، انا معك وضدك، لا تفهم منه شيء سوى الفوضوية، تارةً يعتكف عن المشهد وسرعان ما تجده في قلب المشهد، يربك الساحة برمتها.. والغريب فيه يدعي رجاحة العقل إضافة في دعواه الزهد والإخلاص مرتيداً ثوب المنقذ للرعية، لخلاصهم مما هم فيه وما يعانوه، وهو جزء من هذه المنظومة التي يعانون منها، بربك استقر، حيرت العقول بك، لا لأنك عبقري زمانك وانما تتميز عن الآخرين بالتناقض، بجهلك أيها الجاهل اختلط الحابل بالنابل لدى العوام، الذين لا يرون سوى اطرافهم، واصبحوا لا يميزون بين الناقة والجمل والفضل يعود لك بهذا.
الأنظمة الديمقراطية بُنيت على أساس الحرية ونشر العدالة والمساواة بين أبناء الوطن الواحد، دون تمييز في اللون والعرق والعقيدة، الجميع متساوٍ في الحقوق والواجبات، لا فرق بين الراعي والرعية. 
 
العراق دفع ضريبة الوصول إلى الحُرية دِماء وجراح من أجساد ابناءه بعد عقود من الظُلم والقمع وتكميم للأفواه أيام حقبة البعث الظالم، التي كانت حقبة لا يمكن وصفها لبشاعة جرائمها. 
 
بزغ فجر العراق الجديد الذي ضمن حرية الرأي في التعبير، وحرية حركة الإعلام النزيه في إيصال المعلومة، وتكفل بحياة حُرة كريمة للجميع، تُحفظ فيها كرامة الفرد العراقي. 
 
التضحيات التي قدمها الشعب المظلوم كثيرةً جداً لعقود خلت، في سبيل الوصول إلى مبتغاه المتمثل بالحرية والعيش بكرامة، لكنه تفاجئ من البعض من السياسيين الجُدُد، الذي قد صم أذنيه واغمض عينيه كي لا يرى ولا يسمع صوت المواطن الذي يأن من ويلات الفقر التي أطبقت عليه لعقود من الزمن، بسبب السياسات الخاطئة المتبعة في إدارة الدولة منذ تأسيس الدولة العراقية، بل ان البعض منهم من يتاجر بمظلومية المواطن ويرقص على جراحه، ويوظفها لنفسه للحصول على مغانم عن طريق المكر والخداع بركوبه للموجة. 
 
التظاهرات السلمية كفلها الدستور العراقي للمطالبة بالحقوق المشروعة، السؤال هنا لماذا يخرج المواطن للنزول إلى ساحة التظاهر، هل للنزهة ام لهدف آخر؟ قبل الإجابة نود الإشارة لنقطة وهي، ما هو الدافع الذي يدفع بالمواطن إلى هذا الآمر؟ الدافع هو يأسه من المسؤول المتصدي للمشهد، لانه اي المتصدي، المسؤول الاول والأخير في توفير مستلزمات الحياة بعد قبوله للتصدي، وهنا تترتب عليه ضريبة تصديه في الخروج ضده في حالة تقصيره، ما نراه لدى بعض المتصدين، أنه يعي تقصيره لكنه متعمداً في غييه وعدم أكتراثه للمطالب او انه لا يعلم بشؤون رعيته وهذا مصيبةٌ عظمى، وهذا هو ما دفع المواطن للتظاهر لإيصال صوته الذي لا يستطيع ان يلج باحة المسؤول بسبب الكتل الكونكريتية والأسلاك الشائكة، فضلاً عن سور الإنتهازيين والنفعيين الذين يحولون بينه وبين المسؤول، لهذا السبب نزل إلى الشارع.
السؤال الآخر كيف بمتصدي يتولى مسؤولية ما، ولا يعلم ما يحتاجه المواطن؟ قبل الإجابة نبين ما هي صفة المتصدي؛ هي أشبه برب الأسرة، الذي يرعى أسرته وما تحتاجه من توفير لمسلتزمات الأسرة في حياتها اليومية، إذن هو رب أسرة للمجتمع برمته، وعليه توفير كل ما يحتاجونه في حياتهم اليومية، وإلا كيف برب أسرة لا يعلم ما يحتاجه أفراد أسرته!  الأسرة المصغرى التي هي امتداد للمجتمع تحتاج إلى؛ التعليم والرعاية الصحية والشعور بالأمان والسكن الكريم وعمل يحفظ كرامة الإنسان وغيرها من الوسائل الأخرى التي يطيل بنا المقام في سردها، كيف هو الحال بمجتمع كامل يفتقر لأبسط مقومات الحياة؟!
 
الحكومة اليوم عليها ان تثبت انها مع المواطن في كل المواطن عبر تضامنها معه، وعليها ان تثبت ديمقراطيتها في التعامل مع الجماهير التي ستخرج في 25 من الشهر الجاري، للحفاظ على النظام العام للعراق الجديد والمواطن معاً، لكي لا ينزلق العراق نحو المجهول ولا تعم الفوضى التي يكتوي بنارها الجميع لا سامح الله. 
 
نعم العراق يمر بمرحلة حرجة، بسبب الاوضاع الداخلية والتي سببها الفرقاء النفعيين والخارجية منها، لكن هذا ليس سبب في ان لا يطالب بحقوقه مادام خروجه يحمل الصفة السلمية، عسى بخروجه ان يصحى من غيبوبته السيد المسؤول وينزل من برجه العاجي، لهذا نزل ليأخذ بحقه بالطرق السلمية لا التخريبية، عن طريق التعبير بصوته لا عن طريق السلب والنهب والعبث بمقدرات وممتلكات العامة والخاصة، لهذا بخروجه من داره إلى الشارع ليثبت وجوده بانه موجود عبر الصوت الحُر المطالب بالحقوق التي تكفل الدستور برعايتها، المواطن نزل الميدان بعد ان سئم من تقصير وأهمال متعمد وغير متعمد من المتصدي في تلبية رغباته الحقة، سأخرج بعد ان بح صوت المرجعية الرشيدة ومن تمسك بمنهجها الشريف من الفرقاء بعد مرور عقد ونيف من النصح والأرشاد لأصحاب الشأن، نازل آخذ حقي بصوتي بعد الدعم المعنوي الذي تلقيته من الابوة المتمثلة بالمرجعية الرشيدة، صوتنا عبارة عن آهات وجِراح شعب سلب حقه وانتفع به غيره من المقامرين الجُدُد ومن قبلهم البعثيين، الذين صادروا ووظفوا مقدرات العراق لنزواتهم وملذاتهم، ادى ذلك أن يأن المواطن من ويلات الفقر الذي جثم عليه، بسبب فسادهم الذي أهلك الحرث والنسل.
أقترنت كربلاء بسبط النبي "عليه السلام"، لهذا أكتسبت هذه الأهمية.
المُدن في عالمنا هذا كثيرة لا تُعد ولا تُحصى، هذه تمتاز بالإقتصاد واخرة بالقوة والعسكرية واخرى بالفن وهكذا بقية المناطق، لكن البعض منها تمتلك أكثر مما ذُكِر فيها خصوصية بالغة الأهمية، لاسيما تلك التي تتواجد في البلدان الإسلامية، لما لها الأثر البالغ في النفوس التي تغذي الروح عقائدياً؛ مكة المكرمة والمدينة المنورة و النجف الأشرف و كربلاء المقدسة وغيرها.. ان الله تبارك وتعالى خص هذه التربة "كربلاء"، بمنزلة عظيمة جاعلاً منها كعبة لِأحرار العالم يهتدي اليها الثوار، الطالبون بالحُرية والكرامة والتحرر من قيود عبودية حُكام الجور.
 
مدينة كربلاء كسائر المُدن الأخرى، لا تختلف عما سواها من حيث تكوينها؛ من خصوبة أرض ومجرى للأنهار التي يشق أراضيها نهر الفرات، وكثافة بساتينها بنخيلها واشجارها المثمرة، كل هذا لم يجعل لها صبغة خاصة، لكي تتميز بها عما سواها من مدن العالم. 
 
إذاً أين يكمن سر الخلود هذه المدينة؟ ومن اين أكتسبت هذه المكانة العظيمة والقداسة في نفوس المسلمين وغير المسلمين؟ لابد من وراء هذا سر عظيم، ارتبط بها مما جعلها محط أنظار العالم بأسره؟ الاجابة تكمن هنا بكلمة واحدة، تغني جميع الباحثين عن معرفة هذه الخصوصية، لا يحتاج الباحثون الى وقت طويل للتأمل في لمعرفة اللغز الخاص بها، الكلمة هي الحُسين “عليه وآله السلام” هو سر خلود هذه المدينة.
 
قد تطول الاعمار لا خير فيها ويضم الامجاد يومٌ قصير. 
أصحاب الاعمار الطويلة “المُعَمرون” في هذه الدنيا كثيرون، لكن عند الوقوف على شجل حياتهم لا نجد لهم أثر يذكر، بسبب واحد لم يقدموا شيء للبشرية لكي يخلدوا، كذلك الدُعاة والمصلحون والثوار في هذه الدنيا كثيرون، لكن مدى صداهم ليس كصدى الحُسين “عليه السلام” اخذ مديات اكثر بُعداً من المديات الاخرى، ليس لكونه سبط النبي "عليه السلام"، انما كان السر من وراء ذلك تجسد بموقفه يوم طف كربلاء الذي أصبح يوم أستشهاده بمثابة يوم ولادته “عليه السلام”، احياءه لدين جده المصطفى الذي حاول الآخرون طمس معالم رسالة السماء السمحاء، لهذا تصدى لإصلاح ما افسده حكام الجور، معلنا لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً أنما في طلب الإصلاح في أمة جدي "صلى الله عليه وآله"، خروجه كان لإجل الإصلاح لا غير كما صوره المخالفون بأنه خرج لطلب السلطة، لهذا ضحى بدمه الطاهر ومن معه من أجل الإسلام والإنسانية معاً، لهذا خلد ذكراه بموقفه رغم انه "عليه السلام" لم يك من أصحاب الاعمار الطويلة، فخَلد ذِكراه موقفه يوم عاشوراء.. الحسين اعطى لله كل ما يملك فاعطاه الله الخلود في الدنيا بان رسمه لن يندثر مهما حاول المبغض له كلما زادوا عدواناً عليه ازداد شموخاً وعلواً وجعل ذكراه على مر العصور يتوسط القلوب المؤمنة هذا في الدنيا اما في الآخرة المنزلة الرفيعة التي يغبطها عليه الأنبياء والرُسل. 
 
إذاً بعد ما ذكر لا يتسائل المرء عن سر العلاقة و الخلود بين الحُسين وكربلاء? مدينة كربلاء خُلقت للسبط الشهيد “عليه السلام”، والحُسين خلق لموقف طف كربلاء، التي رسمت دمائه لنا صورة الإسلام المشرق الذي جاءه به جده رسول الله “صلى الله عليه وآله” والحفاظ على الخط الاصيل للاسلام بسماحته وإنسانيته وعدالته، الذي اراد الامويين من إضافة الوان معتمة للصورة لكي تكون غير واضحة المعالم، لِيضلوا الناس ويجعلوا منهم عبيد لحُكام السلطة، حتى لايميزوا بين الحق والباطل. 
يوم الحُسين، بدد أحلامهم وكشف زيف نواياهم ومزق خططهم في دق الفرقة في جسد الأمة الإسلامية، كانت دمائه كالبلسم لجراح المُسلمين ولرسالة جده المصطفى "صلى الله عليه وآله".
المنصب الوظيفي بمنظور عام؛ وسيلة لخدمة يقدمها الموظف للمواطن، بغض النظر عن عنوانه الوظيفي، سواء كان وزيراً، وكيل وزير أو مديراً عام او موظفاً في بداية تدرجه في الوظيفة، ومقابل هذه الخدمة يتقاضى راتباً شهرياً من الحكومة. 
إستغلال المنصب الوظيفي؛ جريمة يُعاقب عليها القانون، سواء كان الأستغلال بتوظيف المنصب لمنافع شخصية، او لإرهاب الموظفين، ممن هم تحت سلطته. 
ظاهرة غير صحية، وعادة موروثة سيئة جداً،  تتمثل بإرهاب الموظف منتشرة في أغلب المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص.. تسلط كِبار الموظفين على من هم ادنى منهم في الوظيفة، وليست  محصورة  بفئة دون أخرى.. وهي أيضا ليست شائعة جدا لكنها ليست بالقليلة، تسلط الرئيس على المرؤوس، ممارسة دور الدكتاتور بتخويف العاملين بالتلويح، في حال لم ينسجموا مع اهواءه ورغباته وما يرتأيه وإن كان مخالفاً للضوابط، مما يؤدي ذلك أما ان يكون الموظف من دائرة المتملقين التي تحيط بالمدير، او ممن ينالهم غضب المسؤول غير المبرر، يصدر عن ذلك أمراً يُعاقب فيه، كل من يكون بالضد من رغباته غير القانونية والأدبية على حدٍ سواء، او يكون في عزلة تامة.
ذهب ضحية ذلك الكثير من الموظفين الابرياء، حيث ظلموا عن طريق عقوبة التسكيين و النقل وغيرها من انواع العقوبات التي تمنح صلاحيتها لكبار الموظفين؛ وزير، مدير عام وغيرهم ممن بدرجتهم. 
 
أسلوب الترهيب الذي يماسه كبار الموظفين قائم على قدم وساق منذ عقود خلت، والترهيب يؤدي إلى تحويل تلك المؤسسة إلى غابة يحكم فيها القوي، الأمر الذي يؤدي خشية صِغار الموظفين من المطالبة حتى بحقوقهم المشروعة، التي نص عليها القانون والدستور. 
 
موقف حصل في مؤسسة ما، لمجموعة من الموظفين المخلصين لعملهم ووطنهم، حين قدموا طلباً إلى مديرهم المباشر، اللقاء بمدير عام دائرتهم، لبث شكواهم اليه، و تم أستحصال الموافقة على طلبهم باللقاء، كما هو المعتاد في سلسلة المراجع، ما إن دخلوا على المدير العام، لم ينتهوا بعد من تأدية كلمة السلام عليكم، أنقلب عليهم سبُعاً ضارياً، يفتك بهم بالقول، مستخدماً عبارات جارحة وبلغة صلفة بعيدة عن المهنية والذوق، متوعداً أياهم أشد العقوبة، لا لشيء، سوى أنهم  ارادوا ان يبثوا شكواهم بين يديه، من رجل بصفة مدير قسم متنفذ في تلك الشركة، يفعل ما يحلو له حسب مزاجه، بإصدار الأوامر البعيدة عن المهنية والمصلحة العامة، جاعلاً من تلك المؤسسة كمؤسسة أقطاعية تابعة له، ما أصاب الجمع بالذهول، مما شاهدوه من ردة فعل غير مبررة من قِبل رئيس الدائرة، مما دفعهم إلى الخروج من غرفته يحملون خيبة الأمل منكسرين، رافعين شكواهم إلى مالك الملك جل وعلا، ليأخذ بثأرهم مما لاقوه من جفاء بالقول والفعل. 
 
القانون مع الأسف في بعض الأمور أشبه بقطعة المطاط يطبق على الضعيف دون القوي، كما كان معمولا به أيام الجاهلية، في حال اراد صِغار الموظفين الشكوى او بيان تظلم من قرارٍ ما، صدر بحقهم من روؤساء مؤسساتهم، لا تلقى ترحيبًا ممن هم اعلى منهم بل تُهمل ويُنسى الطلب إلا قلة منهم منصفين.
يقابل ذلك وفي في حال حُرر كِتاب من مدير دائرةٍ طالباً فيها عقوبة لموظف بسيط، تأتي الموافقة بالبريد المستعجل كالبرق من الجهات العليا، سيما في عملية أستقطاع الراتب والنقل من دائرة إلى أُخرى، دون التحقق من صحة الشكوى محقة أوباطلة.. مما يولد قناعة لدى العامل في تلك المؤسسة، أن يأخذ دور الصمت والخشية في المطالبة بحقه المسلوب على من ضلمه، خشية ان تطاله يد الظالمين فيعاقب على مظلوميته، هذا هو الارهاب بعينه، الذي يمارس من قِبل البعض تجاه صِغار الموظفين.
نفط العرب للعرب.. شعار قديم "منتهية الصلاحية"، أطلقه أول وزير سعودي للبترول في منتصف خمسينيات القرن الماضي.
طريقة التفكير تلك أخذت مديات واسعة في بداية أنطلاقها، فطلب من شركة أرامكوا التوقف عن تصدير النفط إلى بريطانيا وفرنسا، بسبب السياسات المتبعة يومذاك تجاه المنطقة، لكنه فيما بعد أصبح شِعار مُفرغ من محتواه، لا أثر له على أرض الواقع.
 
أستخدم الشِعار ذاته في حِقبة البعث المظلمة، التي جثمت على صدر العراق، لعقود من الزمن، تركت ورائها تركة ثقيلة للبلاد، متمثلة بالفقر والحرمان والهجرة إلى مختلف بقاع العالم، وحروب دامية لم تُخلِف ورائها سوى الرماد.
كانت الأُسر العراقية تعيش خط الفُقر رغم ما تتمتع 
به البلاد من ثروات قل نظيرها في العالم.. طرزت العِبارة بماء الذهب لكنها في الواقع كانت مجرد كلمات لا تغني من فقر.. قابلها بناء القصور الرئاسية والمنتجعات الخاصة به ولحاشيته والمرتزقة، بينما الموظف البسيط في وقتها كان بحال يوجب عليه الصدقة.
 شابه هذا الكلام شِعار الديمقراطية الذي وضعه البعثيون كمادة في كتاب الوطنية، الذي دُرسَ في المراحل الدراسية، معتبرينها مصدر قوة وللفرد والمجتمع!.. الذي لم تطبق حروف الديمقراطية ميدانياً في أبان حكم البعث.
 
نفط العرب للعرب؛ شماعة رفعها المقامرون للتغطية عن تقصيرهم في خدمة شعوبهم، وانصياعهم للأجنبي في المساومة على قضايا الأمة العربية والإسلامية، في سبيل أبقائهم متربعين على عروشهم لأطول فترة ممكنة، في حال كانت أوطانهم تعيش وطأة الفقر.. خيرنا لغيرنا "الأجنبي"
من نعم الله على المنطقة عامة والعراق خاصة، تمتعه بخيرات كثيرة، لا تُعد ولا تُحصى؛ ثروات بشرية منتجة وثروات طبيعية في باطن الارض وظاهرها ولا ننسى سماءه وشاطئه، لكنه أبتلي بطبقة سياسية فاسدة، ليست وليدة اليوم، إنما منذ عقود خلت، لهذا يعيش الحرمان والأهمال، بعد أن أهدرت الثروات و لم توظف وتستثمر في الوجه الصحيح لها، أنما وضعت لتحقيق نزوات قائد الضرورة ولتُجار المناصب بعد أحداث التاسع من نيسان لعام 2003.
 
نفط العرب وسماءه للأجنبي، تجوب فيه شركات الأستثمار في البر والجو والبحر، من جنوبه إلى شِماله من دون فائدة تذكر، هذا يأخذ حصة وذاك يأخذ حصة ومن جاء به يطالب بسهم العمولة "الرشوة" وما بين هذا وذاك, الوطن ينزف دِماءً وأموالاً طائلة.. المواطن يتلوى جوعاً، يلتحف السماء ويفترش الحصباء، بسبب سوء الإدارة والتخطيط الصحيح للإستثمار والإخلاص للأرض الذي نشأ فيها.
 
شركات أستثمارية عملاقة بمختلف المجالات، تعمل بمهنية وتفاني في بلاد الغرب والمنطقة وتنمي قدرات تلك البلدان، لأن إرادة تلك الدول متجهة نحو العمران لاوطانها، لكن هذه الشركات بمجرد دخولها الحدود تنحرف عن مسارها، بعد أن يأتيها توجيه من لوبي المقامرين "حيتان المكاتب" يطالبونها بتلكؤ العمل، وعدم أنجازه في الفترة المحددة، لتجديد عقود التمديد لهذه الشركات التي تقدر بملايين الدولارات، لأبقائهم لأطول فترة ممكنة، من أجل الحصول على العمولة "الرشوة"، وهذا ما حصل ويحصل في الكثير من قطاعات الدولة، التي عشعش فيها الفاسدون، يُحارب فيها الموظف المُخلِص، من قِبل الفاسدين، ويُقصى فيها النزيه، جراء أبداء رأيه في تنمية قُدرات بلاده وأستثمارها في الأتجاه الصحيح، لان بأيديهم المال والسلطة يرهبون به الموظف والمواطن على حدٍ سواء، في حال شخص عملية فساد في قطاعٍ ما، وهذا ما يحصل في فضاء البلاد عامةً؛ في بره وشاطئه وسماءه.