مشروع تجاري
لؤي الموسوي

لؤي الموسوي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أقترنت كربلاء بسبط النبي "عليه السلام"، لهذا أكتسبت هذه الأهمية.
المُدن في عالمنا هذا كثيرة لا تُعد ولا تُحصى، هذه تمتاز بالإقتصاد واخرة بالقوة والعسكرية واخرى بالفن وهكذا بقية المناطق، لكن البعض منها تمتلك أكثر مما ذُكِر فيها خصوصية بالغة الأهمية، لاسيما تلك التي تتواجد في البلدان الإسلامية، لما لها الأثر البالغ في النفوس التي تغذي الروح عقائدياً؛ مكة المكرمة والمدينة المنورة و النجف الأشرف و كربلاء المقدسة وغيرها.. ان الله تبارك وتعالى خص هذه التربة "كربلاء"، بمنزلة عظيمة جاعلاً منها كعبة لِأحرار العالم يهتدي اليها الثوار، الطالبون بالحُرية والكرامة والتحرر من قيود عبودية حُكام الجور.
 
مدينة كربلاء كسائر المُدن الأخرى، لا تختلف عما سواها من حيث تكوينها؛ من خصوبة أرض ومجرى للأنهار التي يشق أراضيها نهر الفرات، وكثافة بساتينها بنخيلها واشجارها المثمرة، كل هذا لم يجعل لها صبغة خاصة، لكي تتميز بها عما سواها من مدن العالم. 
 
إذاً أين يكمن سر الخلود هذه المدينة؟ ومن اين أكتسبت هذه المكانة العظيمة والقداسة في نفوس المسلمين وغير المسلمين؟ لابد من وراء هذا سر عظيم، ارتبط بها مما جعلها محط أنظار العالم بأسره؟ الاجابة تكمن هنا بكلمة واحدة، تغني جميع الباحثين عن معرفة هذه الخصوصية، لا يحتاج الباحثون الى وقت طويل للتأمل في لمعرفة اللغز الخاص بها، الكلمة هي الحُسين “عليه وآله السلام” هو سر خلود هذه المدينة.
 
قد تطول الاعمار لا خير فيها ويضم الامجاد يومٌ قصير. 
أصحاب الاعمار الطويلة “المُعَمرون” في هذه الدنيا كثيرون، لكن عند الوقوف على شجل حياتهم لا نجد لهم أثر يذكر، بسبب واحد لم يقدموا شيء للبشرية لكي يخلدوا، كذلك الدُعاة والمصلحون والثوار في هذه الدنيا كثيرون، لكن مدى صداهم ليس كصدى الحُسين “عليه السلام” اخذ مديات اكثر بُعداً من المديات الاخرى، ليس لكونه سبط النبي "عليه السلام"، انما كان السر من وراء ذلك تجسد بموقفه يوم طف كربلاء الذي أصبح يوم أستشهاده بمثابة يوم ولادته “عليه السلام”، احياءه لدين جده المصطفى الذي حاول الآخرون طمس معالم رسالة السماء السمحاء، لهذا تصدى لإصلاح ما افسده حكام الجور، معلنا لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً أنما في طلب الإصلاح في أمة جدي "صلى الله عليه وآله"، خروجه كان لإجل الإصلاح لا غير كما صوره المخالفون بأنه خرج لطلب السلطة، لهذا ضحى بدمه الطاهر ومن معه من أجل الإسلام والإنسانية معاً، لهذا خلد ذكراه بموقفه رغم انه "عليه السلام" لم يك من أصحاب الاعمار الطويلة، فخَلد ذِكراه موقفه يوم عاشوراء.. الحسين اعطى لله كل ما يملك فاعطاه الله الخلود في الدنيا بان رسمه لن يندثر مهما حاول المبغض له كلما زادوا عدواناً عليه ازداد شموخاً وعلواً وجعل ذكراه على مر العصور يتوسط القلوب المؤمنة هذا في الدنيا اما في الآخرة المنزلة الرفيعة التي يغبطها عليه الأنبياء والرُسل. 
 
إذاً بعد ما ذكر لا يتسائل المرء عن سر العلاقة و الخلود بين الحُسين وكربلاء? مدينة كربلاء خُلقت للسبط الشهيد “عليه السلام”، والحُسين خلق لموقف طف كربلاء، التي رسمت دمائه لنا صورة الإسلام المشرق الذي جاءه به جده رسول الله “صلى الله عليه وآله” والحفاظ على الخط الاصيل للاسلام بسماحته وإنسانيته وعدالته، الذي اراد الامويين من إضافة الوان معتمة للصورة لكي تكون غير واضحة المعالم، لِيضلوا الناس ويجعلوا منهم عبيد لحُكام السلطة، حتى لايميزوا بين الحق والباطل. 
يوم الحُسين، بدد أحلامهم وكشف زيف نواياهم ومزق خططهم في دق الفرقة في جسد الأمة الإسلامية، كانت دمائه كالبلسم لجراح المُسلمين ولرسالة جده المصطفى "صلى الله عليه وآله".
المنصب الوظيفي بمنظور عام؛ وسيلة لخدمة يقدمها الموظف للمواطن، بغض النظر عن عنوانه الوظيفي، سواء كان وزيراً، وكيل وزير أو مديراً عام او موظفاً في بداية تدرجه في الوظيفة، ومقابل هذه الخدمة يتقاضى راتباً شهرياً من الحكومة. 
إستغلال المنصب الوظيفي؛ جريمة يُعاقب عليها القانون، سواء كان الأستغلال بتوظيف المنصب لمنافع شخصية، او لإرهاب الموظفين، ممن هم تحت سلطته. 
ظاهرة غير صحية، وعادة موروثة سيئة جداً،  تتمثل بإرهاب الموظف منتشرة في أغلب المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص.. تسلط كِبار الموظفين على من هم ادنى منهم في الوظيفة، وليست  محصورة  بفئة دون أخرى.. وهي أيضا ليست شائعة جدا لكنها ليست بالقليلة، تسلط الرئيس على المرؤوس، ممارسة دور الدكتاتور بتخويف العاملين بالتلويح، في حال لم ينسجموا مع اهواءه ورغباته وما يرتأيه وإن كان مخالفاً للضوابط، مما يؤدي ذلك أما ان يكون الموظف من دائرة المتملقين التي تحيط بالمدير، او ممن ينالهم غضب المسؤول غير المبرر، يصدر عن ذلك أمراً يُعاقب فيه، كل من يكون بالضد من رغباته غير القانونية والأدبية على حدٍ سواء، او يكون في عزلة تامة.
ذهب ضحية ذلك الكثير من الموظفين الابرياء، حيث ظلموا عن طريق عقوبة التسكيين و النقل وغيرها من انواع العقوبات التي تمنح صلاحيتها لكبار الموظفين؛ وزير، مدير عام وغيرهم ممن بدرجتهم. 
 
أسلوب الترهيب الذي يماسه كبار الموظفين قائم على قدم وساق منذ عقود خلت، والترهيب يؤدي إلى تحويل تلك المؤسسة إلى غابة يحكم فيها القوي، الأمر الذي يؤدي خشية صِغار الموظفين من المطالبة حتى بحقوقهم المشروعة، التي نص عليها القانون والدستور. 
 
موقف حصل في مؤسسة ما، لمجموعة من الموظفين المخلصين لعملهم ووطنهم، حين قدموا طلباً إلى مديرهم المباشر، اللقاء بمدير عام دائرتهم، لبث شكواهم اليه، و تم أستحصال الموافقة على طلبهم باللقاء، كما هو المعتاد في سلسلة المراجع، ما إن دخلوا على المدير العام، لم ينتهوا بعد من تأدية كلمة السلام عليكم، أنقلب عليهم سبُعاً ضارياً، يفتك بهم بالقول، مستخدماً عبارات جارحة وبلغة صلفة بعيدة عن المهنية والذوق، متوعداً أياهم أشد العقوبة، لا لشيء، سوى أنهم  ارادوا ان يبثوا شكواهم بين يديه، من رجل بصفة مدير قسم متنفذ في تلك الشركة، يفعل ما يحلو له حسب مزاجه، بإصدار الأوامر البعيدة عن المهنية والمصلحة العامة، جاعلاً من تلك المؤسسة كمؤسسة أقطاعية تابعة له، ما أصاب الجمع بالذهول، مما شاهدوه من ردة فعل غير مبررة من قِبل رئيس الدائرة، مما دفعهم إلى الخروج من غرفته يحملون خيبة الأمل منكسرين، رافعين شكواهم إلى مالك الملك جل وعلا، ليأخذ بثأرهم مما لاقوه من جفاء بالقول والفعل. 
 
القانون مع الأسف في بعض الأمور أشبه بقطعة المطاط يطبق على الضعيف دون القوي، كما كان معمولا به أيام الجاهلية، في حال اراد صِغار الموظفين الشكوى او بيان تظلم من قرارٍ ما، صدر بحقهم من روؤساء مؤسساتهم، لا تلقى ترحيبًا ممن هم اعلى منهم بل تُهمل ويُنسى الطلب إلا قلة منهم منصفين.
يقابل ذلك وفي في حال حُرر كِتاب من مدير دائرةٍ طالباً فيها عقوبة لموظف بسيط، تأتي الموافقة بالبريد المستعجل كالبرق من الجهات العليا، سيما في عملية أستقطاع الراتب والنقل من دائرة إلى أُخرى، دون التحقق من صحة الشكوى محقة أوباطلة.. مما يولد قناعة لدى العامل في تلك المؤسسة، أن يأخذ دور الصمت والخشية في المطالبة بحقه المسلوب على من ضلمه، خشية ان تطاله يد الظالمين فيعاقب على مظلوميته، هذا هو الارهاب بعينه، الذي يمارس من قِبل البعض تجاه صِغار الموظفين.
نفط العرب للعرب.. شعار قديم "منتهية الصلاحية"، أطلقه أول وزير سعودي للبترول في منتصف خمسينيات القرن الماضي.
طريقة التفكير تلك أخذت مديات واسعة في بداية أنطلاقها، فطلب من شركة أرامكوا التوقف عن تصدير النفط إلى بريطانيا وفرنسا، بسبب السياسات المتبعة يومذاك تجاه المنطقة، لكنه فيما بعد أصبح شِعار مُفرغ من محتواه، لا أثر له على أرض الواقع.
 
أستخدم الشِعار ذاته في حِقبة البعث المظلمة، التي جثمت على صدر العراق، لعقود من الزمن، تركت ورائها تركة ثقيلة للبلاد، متمثلة بالفقر والحرمان والهجرة إلى مختلف بقاع العالم، وحروب دامية لم تُخلِف ورائها سوى الرماد.
كانت الأُسر العراقية تعيش خط الفُقر رغم ما تتمتع 
به البلاد من ثروات قل نظيرها في العالم.. طرزت العِبارة بماء الذهب لكنها في الواقع كانت مجرد كلمات لا تغني من فقر.. قابلها بناء القصور الرئاسية والمنتجعات الخاصة به ولحاشيته والمرتزقة، بينما الموظف البسيط في وقتها كان بحال يوجب عليه الصدقة.
 شابه هذا الكلام شِعار الديمقراطية الذي وضعه البعثيون كمادة في كتاب الوطنية، الذي دُرسَ في المراحل الدراسية، معتبرينها مصدر قوة وللفرد والمجتمع!.. الذي لم تطبق حروف الديمقراطية ميدانياً في أبان حكم البعث.
 
نفط العرب للعرب؛ شماعة رفعها المقامرون للتغطية عن تقصيرهم في خدمة شعوبهم، وانصياعهم للأجنبي في المساومة على قضايا الأمة العربية والإسلامية، في سبيل أبقائهم متربعين على عروشهم لأطول فترة ممكنة، في حال كانت أوطانهم تعيش وطأة الفقر.. خيرنا لغيرنا "الأجنبي"
من نعم الله على المنطقة عامة والعراق خاصة، تمتعه بخيرات كثيرة، لا تُعد ولا تُحصى؛ ثروات بشرية منتجة وثروات طبيعية في باطن الارض وظاهرها ولا ننسى سماءه وشاطئه، لكنه أبتلي بطبقة سياسية فاسدة، ليست وليدة اليوم، إنما منذ عقود خلت، لهذا يعيش الحرمان والأهمال، بعد أن أهدرت الثروات و لم توظف وتستثمر في الوجه الصحيح لها، أنما وضعت لتحقيق نزوات قائد الضرورة ولتُجار المناصب بعد أحداث التاسع من نيسان لعام 2003.
 
نفط العرب وسماءه للأجنبي، تجوب فيه شركات الأستثمار في البر والجو والبحر، من جنوبه إلى شِماله من دون فائدة تذكر، هذا يأخذ حصة وذاك يأخذ حصة ومن جاء به يطالب بسهم العمولة "الرشوة" وما بين هذا وذاك, الوطن ينزف دِماءً وأموالاً طائلة.. المواطن يتلوى جوعاً، يلتحف السماء ويفترش الحصباء، بسبب سوء الإدارة والتخطيط الصحيح للإستثمار والإخلاص للأرض الذي نشأ فيها.
 
شركات أستثمارية عملاقة بمختلف المجالات، تعمل بمهنية وتفاني في بلاد الغرب والمنطقة وتنمي قدرات تلك البلدان، لأن إرادة تلك الدول متجهة نحو العمران لاوطانها، لكن هذه الشركات بمجرد دخولها الحدود تنحرف عن مسارها، بعد أن يأتيها توجيه من لوبي المقامرين "حيتان المكاتب" يطالبونها بتلكؤ العمل، وعدم أنجازه في الفترة المحددة، لتجديد عقود التمديد لهذه الشركات التي تقدر بملايين الدولارات، لأبقائهم لأطول فترة ممكنة، من أجل الحصول على العمولة "الرشوة"، وهذا ما حصل ويحصل في الكثير من قطاعات الدولة، التي عشعش فيها الفاسدون، يُحارب فيها الموظف المُخلِص، من قِبل الفاسدين، ويُقصى فيها النزيه، جراء أبداء رأيه في تنمية قُدرات بلاده وأستثمارها في الأتجاه الصحيح، لان بأيديهم المال والسلطة يرهبون به الموظف والمواطن على حدٍ سواء، في حال شخص عملية فساد في قطاعٍ ما، وهذا ما يحصل في فضاء البلاد عامةً؛ في بره وشاطئه وسماءه.
قَدَر هذه البلاد أن لا تذوق طعم الراحة والعيش الهانئ كسائر بلدان العالم، وكأنها حددت لمذاق آخر، فتصير ساحة لتصفية الحِساب بين الخصوم، داخلية و خارجية بالنيابة عن الآخرين. 
 
خوض الحروب بالنيابة عن الآخر، هذا ما حصل في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، حين دارت رحى الحرب بين العراق وإيران، التي خاضت فيها بلاد الرافدين الحرب بالنيابة عن دول المنطقة، فلقبوه "بحامي البوابة الشرقية" دفع فيها الكثير من المال والرجال، بينما كانوا متنعمين آمنيين، ثم انقلبوا عليه بعد انتهاء الحرب، فطلبوا منه التعويضات المالية التي أنفقوها في الحرب، التي استمرت لثمان سنوات، رغم أنها جعلت العراق يتأخر عن العالم لعقود، ولم تخلف الحرب سوى؛ الارامل واليتامى والثكالى ومعاقين ومهجرين، وانهيارا في الأقتصاد العراقي. 
انطوت تلك الصفحة بكل تفاصيلها وانقضى حكم البعث للعراق، وأنبثق فجر جديد سمي بالعراق الجديد ما بعد احداث 2003، لكن لا زالت هذه الصفة تلاحقه، اصبح مسرح لتصفية الحِساب، الجميع توجه نحو العراق، للاستحواذ عليه قدر الإمكان؛ سياسياً أمنياً أقتصادياً، فرض أجندات تلك البلدان عن طريق أدوات داخلية، بسبب الفراغ الدستوري والأمني للبلاد، الذي خلفه سقوط سلطة البعث.
 تصفية حِسابات بمختلف المسميات؛ عقائدياً وقومياً بين هذه الدولة وتلك، وجر الحرب داخل العراق بعيدةا عنهم  وكان الثمن غالياً دفعه أهل ارض السواد، الدماء الزكية والأرواح الطاهرة والاجساد التي تراقصت أشلائها على العجلات المفخخة والأحزمة الناسفة.
لم يزيل العراقييون بعد، غُبار تنظيم القاعدة الإرهابي، وداعش التكفيري الذي مزق جسد العراق بالمفخخات، حتى لاحت في الأفق معالم حرب جديدة، بين الإدارة الأمريكية والجارة إيران، وكلا الطرفين تسابقا نحو الساحة العراقية، لجر الحرب فيها أو للانطلاق منها.
ترامب بتصريحاته الأخيرة والمستفزة للعِراق قبل إيران، سنراقب إيران من الاراضي العراقية" قاعدة عين الأسد"، بعد تكثيفه للقوات الأمريكية فيها، و القادمة من سوريا، قابله الرد من إيران ومن داخل الاراضي العراقية ستكون قواتنا لكم بالمرصاد.
 
صرح ساسة العِراق، في مقدمتهم زعيم تحالف الإصلاح، إن العراق حكومةً وشعب، لا يسمح ان يكون مسرحاً لتصفية الحِساب بين المتخاصمون، ولا اراضيه منطلقاً لتهديد الآخر سواء أقليمياً ودولياً، أنما العراق ساحة للجميع يلتقي فيه الخصوم في حل الخلافات بالطرق الدبلوماسية.. كما حصل في القمة الخماسية زائد واحد، لعب العراق فيها الدور الكبير في تقريب وجهات النظر، بين الإدارة الامريكية يومذاك في عهد اوباما وإيران وانتهت بنتائج مرضية وإيجالية لكلا الطرفين.
ماذا سيحصل لو رفضت إدارة البيت الأبيض اتباعها الطرق الدبلوماسية في حل الخلاف مع إيران، وإصرارها في استخدام لغة الحرب، هل سينحج الساسة في العراق على أبعاد الاراضي العراقية عن شبح الحرب، إذا ما قُدر وقُرِعت طبولها؟
الحمدُ للهِ لا صبرٌ وَلا جلَدُ
                              ولا عزاء إذا أهلُ البَلا رَقدُوا
خليفةٌ ماتَ لم يحزن له أَحدٌ
                                وآخرٌ قامَ لم يفرح بِهِ أحدٌ
هذا حال أهل السواد قاطبة والبصرة خاصة، لم يفرحوا ويحزنوا بمن رحل عنها ومن جاء ليحكمها، لسبب واحد، لان الذين توالوا على إدارتها لم ينصفوها وينموا قدراتها وثرواتها، ولم يوفروا ابسط مستلزمات العيش الكريم، لهذا لن يتأسفوا على أحد ممن اصبح حاكماً عليها. 
 
البصرة تعد من اغنى محافظات العراق ان لم نقل في العالم، لما تتمتع به من خيرات كثيرة لا تُعد ولا تُحصى، موقعها الجغرافي المطل على شط العرب ومينائها العامر وخصوبة تربتها وتطفوا على بحيرات من الذهب الأسود "النفط"، رغم كل ما ذكر إلا أنها تعيش تحت خط الفُقر. 
 
البصرة الفيحاء منبع العطاء، تغذي العراق من ثمارها ومواردها المالية الناتجة عن بيع النفط، الا أنها تعيش الأهمال والحرمان لعقود خلت، ميزانية تلو الأخرى ووصفت بالإنفجارية والبصرة كما هي، لم تتقدم خطوة للأمام، حالها حال بقية المحافظات الأخر رغم ما تتمتلكه من موارد بشرية وطبيعية. 
أهملت البصرة ووضعت حلولها على الرف، رغم المناشدات والمبادرات لإنقاذها وانتشالها من وضعها المزري، الا انه ليس من اذآن صاغية وعقول واعية لتتدارك وضعها المأساوي.
 
عصر المعرفة والتكنولوجيا قرن الواحد والعشرين، الا ان العراق عامة والبصرة خاصة لا زالت تفتقر أبسط الخدمات الأساسية؛ الماء الكهرباء الصرف الصحي وغيرها، العالم تخطى هذه المسائل ووصل إلى المريخ والبصرة تشتكي العطش رغم تلاقي نهري دجلة والفرات فيها! والبطالة المتفشية التي تزداد مساحتها كل عام. 
 
المشكلة في البصرة ليست في التخصيصات المالية لها وإنما تكمن في إدارتها، تفتقر إلى يد تتسم بالنزاهة والإخلاص والتفاني في العمل، معظم الأيادي التي توالت عليها لم تكن يد بيضاء لتخدمها، وإنما كانت ملوثة بالفساد والأحقاد هذا من جانب،  من جانب آخر ضعيفة لم تحارب وتحاسب الفاسدين والعابثين فيها.. لم يأتي اليها ليزيل غبار الماضي عنها وينصفها، رغم التضحيات التي قدمتها على مر العقود التي خلت، أخرها مواجهتها لداعش في جبهات القتال، اعطت مئات الشهداء ان لم نقل الآلآف في سبيل الوطن والعرض والعقيدة.. لو القينا نظرة إلى مطالب اهل البصرة، نجدها مشروعة وسهلة التنفيذ في حال توفرت الإرادة والعزيمةِ لها، لم يطلبوا غير حقوقهم التي تكفل بها الدستور العراقي.؛ فرص عمل ماء كهرباء تعبيد الطرق محاسبة الفاسدين تعليم مهني قانون يقف امامه الرئيس والمرؤوس، هذا ما تطلبه البصرة يا ساسة العراق الذي هو مطلب الشعب العراقي، لهذا أطلقت مبادرة القرار بصري. 
 
أطلقت المبادرات الواحدة تلو الأُخرى، العاصمة الأقتصادية، حاربها المقامرون كي لا تحسب لمطلق المُبادرة، وأطلقت مؤخراً مبادرة "القرار بصري"، في أختيار محافظها من قِبل أهلها، حيث شرب من مائها الممزوج بالملح، وعاش في أجواء صيفها الحار الممزوج بالرطوبة الخانقة للأنفاس، المرافق لأنقطاع التيار الكهربائي عنها لساعات طويلة على مدار السنة.. القرار بصري تتحمل فيه البصرة مسؤوليتها في إدارة شؤونها الداخلية لينعم أهلها بخيراتها.. أستقرار وأزدهار العراق مرهون في أستقرار البصرة وازدهارها، لهذا لم تأتي هذه المبادرة من فراغ، وإنما جاءت عن دراية وبعد نظر لإنقاذها مما هي عليه.
أيادي خبيثة أنخرطت بين صفوف المتظاهرين السلميين،  المطالبين بأبسط الحقوق المشروعة التي تكفل بها الدستور، غايتها العبث والتخريب في الممتلكات العامة والخاصة، في المقابل لا دور يذكر للحكومة في معالجة الوضع الراهن وحصرها قدر الإمكان، كذلك فيما يخص محاسبة الفاسدين والمقصرين والعابثين في أمن المدينة. 
 
كفل الدستور العراقي حق التظاهر للمطالبة بالحقوق المشروعة، وواجب الحكومة الاصغاء إلى تلك الأصوات وتلبية مطالبها، شريطة ذلك ان يكون التظاهر سلمي دون أن ترافقه أعمال شغب وعبث في الممتلكات العامة والخاصة. 
البلاد عامة والبصرة خاصة تعيش حالة مأساوية من ناحية الخدمات الأساسية؛ لا ماء عذب لا كهرباء لا بنى تحتية جيدة لا طرق معبدة لا مؤسسات صحية رصينة لا تعليم جيد، عدم محاسبة الفاسدين والمقصرين مما دفع المواطن البصري النزول إلى الشارع. 
 
مضى خمسة عشر عاماً على سقوط حكم البعث في العراق، وعجلة البناء في البلاد أشبه بمسير السلحفاة، لم يلمس المواطن شيء يحسن من مستواه الحياتي رغم الميزانات الأنفجارية. 
البلاد طفى على مشهدها العام، الفقر والبطالة ونقص حاد في الخدمات الاساسية، مع ظهور نخبة من السياسيين الفاسدين، همهم الوحيد بناء أمبراطوريات خاصة بهم وإن كان الثمن دماء وثروات البلاد.
 
على سبيل المثال، الله جل وعلا خلق الأنسان وجعل عملية حياته الرئيسية مرتبطة عن طريق عملية تنفس غاز الأوكسجين، في حال لم يوفر الخالق تبارك وتعالى للأنسان غاز الأوكسجين الذي يعد بمثابة وقود الأنسان وشرطاً جازماً لحياته، كيف يأمره الله جل وعلا أن يعيش دون ان يوفر له أسباب الحياة "الأوكسجين" اليس هنا يحتج العبد على خالقه كيف يعيش من دون الوقود المخصص له؟، كذلك الآمر كيف لمواطن ان يعيش في بلد تطالبه الحكومة ان يقدم الولاء والطاعة لها، ويقدم ما تحتاجه منه سيما في الدفاع عن الوطن، بينما هو يفترش الحصباء ويلتحف السماء من دون ان يوفر الوطن وحكوماته له أبسط مستلزمات الحياة؟
 
البصرة وسائر محافظات العراق تستصرخ الحكومات التي تعاقبت على الحكم منذ عقدٍ ونيف مضى، من أجل توفير مستلزمات الحياة، وفي طليعة ممن ناشد تلك الحكومات مراراً وتكراراً مرجعية النجف الاشرف إلى ان قالت بحت أصواتنا من كثرة المناشدات، في المقابل لاتوجد أذآن صاغية من قِبل ساسة العراق سيما ممن تقلدوا دفة الحكم تعي تلك المناشدات والمبادرات التي أطلقتها المرجعية، ومن قِبل بعض ساسة البلاد في تفادي وقوع المحذور. 
 
الجمل يقود المعركة مجدداً، بقيادة فلول البعث والفاسدين والمقامرين من تُجار السياسة والمارقين، مرتدياً رداء الإصلاح والطلب بثأر الفقراء والأرامل واليتامى والمحرومين، منخرطاً بين المتظاهرين السلميين، من اجل ركوب الموجة لتحقيق مأرب خاصة به للغنيمة قدر الإمكان من جهة، ومن جهة أُخرى لإرجاع العراق إلى المربع الأول، تسوده الفوضى كمل تريده بعض القوة المعادية للعراق الجديد، عن طريق تطبيق الأملاءات الخارجية، التي هدفها اضعاف العراق وأن يكون أسيراً في يد الخارج.