مشروع تجاري
محمد جواد الميالي

محمد جواد الميالي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

البرهان في علم الرياضيات يكون بعدة طرق، منها طريقة الأفتراض التي تتم بعد عدة تجارب، لتثبت برهان أن التجربة صحيحة، ذلك بالإعتماد على إفتراض عكس نتيجة نظرية الأفتراض..

يمكن بسهولة جداً أن تطبق هذه النظرية في واقع حياتنا.. فمثلاً كيف نبرهن أن حوزة السيستاني الصامتة.. لا تضر ولا تنفع؟ علينا أن نتابع سير الأحداث التي كان له دور فيها، ونبرهنها في نظرية الأفتراض.. وماذا لو لم يتدخل السيستاني فيها، وماذا كان سيحدث؟

لنبدأ بما يعرف بمعركة النجف ضد الإحتلال الأمريكي، مجموعات مسلحة تعلن الجهاد ضد الوجود الأمريكي، وتتخذ من مقبرة النجف حِصنا لها، ويبدأ النزال غير المتكافئ.. تسقط النجف بيد مليشيات ملثمة، وتبدأ بمحاربة طائرات العدو، بسلاح رشاش أقصى مدى له نصف كيلو متر.. تبدأ الطائرات بقصف الأحياء، تتهدم المنازل وتقطع أشلاء الأطفال، مما يدفع المقاتلين للإنسحاب إلى مرقد علي عليه وأله أفضل الصلوات، هنا تحدث الفاجعة، فلم يتدخل أحد.. تقصف الطائرات المرقد، فيتحول إلى بقيع ثاني! عندها سيندفع الشيعة للدفاع عن مرقد إمامهم المقدس عندهم، وستتم أبادتهم بسبب فعل صبياني لمليشيا ما.. هذا كان سيحدث لو لم يتدخل السيستاني.

ثاني المواقف هو خلال فترة الاحداث الطائفية التي بدأت في ٢٠٠٧، وغزت شوارع بغداد، وتنقسم العاصمة إلى شيعي وسني.. وتم تطبيق نظرية سبعة في سبعة، مجموعات مسلحة تنشر السيطرات الوهمية، مساجد من الطرفين تثير الفتنة وتدعوا للقتل والتهجير، تكثر الدماء على أرصفة الشوارع، والجثث ملقاة في تقاطع شارع حيفا.. تتفاقم الأمور ويفجر مرقد العسكريين عليهما افضل الصلوات، فتتعالى الأصوات للثأر، ويهدم مرقد أبو حنيفة.. عندها يبدأ الإقتتال المذهبي الفعلي العلني، ويصبح العراق مقطعا إلى أشلاء، هذا كان سيحدث لو لم تنطلق توصياته الابوية ويقول وصيته الشهيرة.. "السنة أنفسنا"

ثالثاً الإرهاب الداعشي، يدخل الموصل ويهتك الأعراض، عجلات "البيك آب" تزحف إلى كركوك، صلاح الدين والأنبار، مع أنسحاب لكافة قوات الجيش العراقي، فيبدأ الأمر بجهاد النكاح، وينتهي بسبيّ النساء وذبح الأطفال، ترفع الراية السوداء مطالبة بإقامة دولتها الإسلامية، ولنتخيل أن فتوى لم تصدر ولا وجد الحشد الشعبي.. فيُقتل من يُقتل، وتنتهك أعراض العراقيين، ويهرب بعضنا حافي القدمين، بحثاً عمن يصدر فتوى النجاة.. هذا كان سيحدث لو لم تتدخل المرجعية.

هذه نظرية الأفتراض، التي تثبت أنه لولا وجود السيستاني، لما أستطعنا أن نحافظ على هذا الوطن...

اليوم يعاد سيناريو آخر، وهو مواجهة وباء كورونا، الذي أمرت فيه المرجعية بإتباع ذوي الإختصاص، وأطلقت حملة تكافل، لرعاية الفقراء في ظل حظر التجوال، لكن هناك بعض المحسوبين على رجال الدين، طالبوا بالعكس، وقالوا إن كورونا بدعة.. ورغم أنهم قلة نادرة.. إلا أن الإعلام ترك كل شيء، وسلط الضوء على هؤلاء، ليوهم السذج أن رجال الدين هم سبب الخراب..

وما يخيف حقا أن يأتي قلم مأجور يوما بعد أن ينسى كل هذا بعد خمسين عاماً.. سيكتب أحدهم زورا وبهتانا ، أن رجال دين من أتباع المرجعية في زمن كورونا، قد أمرت بكسر حظر التجوال؟!

 

ما خلق الله الكون وما يحتويه من مجرات عبثاً، ولا ميز الإنسان عن سائر الحيوان بالعقل لأجل لا شيء.. فهذا النظام المتكامل، والدقة في نشوء الحياة وتفاصيل الإنسان، تبين أن للحياة صانع بديع، وإن خلقه للبشر كان لهدف محدد بل لعدة أهداف.. فهمناها أو لم نفعل.

كل الأهداف تحتاج إلى خطة يتبعها الإنسان، توصله إلى معرفة الخالق والإيمان بوجوده، وتحقق هدف وجوده في هذه الأرض، فكان الدين هو الطريق..

الديانات الإلهية لا تختلف في حقيقة منابعها أو عقائدها الأساسية، فكلها سابقها ولاحقها أتت مكملة لبعظها، وخاتمتها كان الإسلام..

رغم تعدد طوائفه إلا أن أتباع آل محمد عليهم أفضل الصلوات كانت عقيدتهم هي الأمثل، لإلتزامها بما جاء به الرسول محمد عن طريق أقرب الناس له والصقهم به وأشبههم به سيرة ومنطقاً، ناهيك عن أنه يحوي كل التفسيرات المنطقية لباقي الديانات.

ميثولوجيا الدين تختلف من طائفة إلى أخرى، لكنها تتفق في أن هناك شخص يخرج في آخر الزمان، ليخلص البشرية من الظلم والجور، ويملئ الأرض عدلاً وقسطاً.. وهذا الفكرة العقيدية شبه متفق عليها لكن ربما يختلف في تفاصيلها الثانوية..

أتباع المذهب الشيعي فقط هم من يطبقونها ويعتقدون بها حرفياً.. لأن التصديق بوجود المنقذ، يحتاج إلى صلة تربطهم مدى الحياة، بالتمسك بهذه الفكرة، ويتطلب عملاً متواصلاً، لتهيئة الأرض الخصبة بالرجال المخلصين، لإستقبال منقذهم.. لكن كيف يطبق الشيعة ذلك؟

تعد زيارة أربعينة الإمام الحسين عليه وأله أفضل الصلوات، واحداً من أهم طرق النجاة والخلاص التي يؤمنون بها.. ففي كل عام تبدأ المسيرة المليونية إلى القبر الشريف حيث قبلة العاشقين، في حالة يصعب توصيفها، ويحج لزيارته ملايين البشر، بإختلاف جنسياتهم وألوانهم، لغاتهم وعاداتهم، إيماناً منهم بأن السير نحو سيد الأحرار، هو الرابط الحقيقي والدائم والممهد لخروج المنتظر، الذي سيخلص العالم من الآفات ليعم السلام.. كل عام يتضاعف عدد الزائرين، كأنهم جيش يعد العدة لإستقبال الأمل المنشود والنهوض معه لدفع الظلم والجور..

كذلك التكافل في ما بينهم، حيث يعملون على تنفيذ وصايا أئمتهم، بالإهتمام بأداء حقوق الفقراء والمساكين، وعدم التقصير في العبادات والإكثار من المناجاة، لكي يكونوا أحد جنوده عند الظهور، فهم مؤمنون أن مخلصهم سينشر السلام بينهم.

عقيدة أتباع أهل البيت، تفهمت سبب خلق البشرية.. أولاً بإيمانهم بوجود خالق، وثانياً بإتباعهم الفكرة، التي تنتظر المنقذ في آخر الزمان، لينشر السلام في ربوع المعمورة، وكل ما يعصف بالبشرية اليوم، نجد أن العالم خائف إهتزت عقيدته إلا الشيعة المؤمنون.. رغم ما يحدث، هم متيقنون أن الحياة لا يمكن أن تنتهي دون خروج المنتظر.

الأمل المستند على عقيدة راسخة واضحة، هو الفارق الذي يميزهم هؤلاء عن باقي البشر من الديانات الأخرى..

كلمتان ذاع صيتهما بعد ٢٠٠٣ في العراق، ضمن كلمات كثيرة مستحدثة.. أولاها كلمة "صكاكة" والتي توصف من يقوم بإغتيال الأشخاص علناً..

الثانية "ميليشيا" وهو توصيف لأي فصيل مسلح خارج عن الأطر القانونية للدولة، الأهم أن هذه المصطلحات ألصقت تلاحقاً بالشيعي فقط، وأوهمَ الإعلام الناس بأنهم أول من أسس للإغتيالات والفصائل المسلحة في بلدنا..

تاريخيا أول من "أخترع" السيطرات الوهمية هم أتباع الحزب الشيوعي، أبان فترة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم.. وكانوا يعرفون "بالأنصار" وهي المليشيا الرسمية التابعة للحزب الأحمر..

نصبوا السيطرات الوهمية في مداخل ومخارج العاصمة بغداد، بحثاً عمن يخالفهم بالتوجه السياسي من القوميين والبعثيين، وقاموا بأبشع الجرائم في العاصمة الحبيبة آنذاك، وكان عناصرها يتفاخرون بحملهم للسلاح، وكان "الصك" نصيب كل من يخالفهم بالرأي.. فهذه الحركة تعد الأولى في مجال المليشيات الوقحة..

في عام ١٩٦٣ تأسست مليشيا تابع لحزب البعث، وهم عناصر من الحرس القومي، تشكلوا في ظل نظام عبد السلام عارف بعد أنقلاب ٨ شباط ١٩٦٣، وبعدها تم توفير غطاء قانوني شكلي لهم، فهو أحد الفصائل التي تحمل السلاح خارج الأطر القانونية، وكان للفصيل دور في العديد من عمليات التصفية السياسية، التي تستهدف المعارضين للنظام.. وهذا يظهر أن تاريخ الصك العراقي وتأسيس المليشيات، بدأ قبل ثمانين عاما..

منذ تأسيس الجمهورية، قام الساسة بحل مشاكلهم بأقصر الطرق.. الصك! لذلك نجد كثير من الأحزاب، تتجه إلى تكوين فصائل مسلحة لحماية مناصبها.

ما يحدث اليوم من زوبعة إعلامية تتهم قادة الأحزاب "المتأسلمة“ بأنهم مذهب راديكالي يستخدم الكاتم لحل مشاكله، ما هي إلا لعبة سياسية يراد منها أسقاطهم سياسياً، وقد نجحوا نسبيا بذلك فعلاً..

شعبنا اليوم مال لتصديق كذبة أن سمة الإغتيال، وحمل السلاح خارج الدولة، هي صفة للشيعة فقط، لكن الحقيقة غير ذلك إطلاقاً.. لأن الإسلاميين هم تلامذة صغار، عند القومجية البعثية والأنصار من الحزب الشيوعي.. ولو أتيحت للأخير فرصة أن تكون لهم دفة القيادة، لما توانوا في أن يبيدوا نصف العراق من أجل أن تستمر مناصبهم، أما المليشيات الآن فهي مجرد لعبة طفولية بالنسبة لحركة الأنصار..

رغم ذلك فمن المتوقع إزدهار الأغتيالات في الساحات والمقرات هذا العام.. وستخطف "البيك آب" أصحاب البيجات والقادات، والحسم سيكون "لصك" الناشطين والناشطات، ولن يعم عراقنا الهدوء حتى أجراء الأنتخابات، وأصابع الإتهامات سيحولها الأعلام على المليشيات.. الشيعية.

خرجت من داري ذاهباً نحو مقاهي المدينة القديمة في النجف، لأستمع إلى حكايات من واقع الحياة المزري، الذي كانوا يتعايشون معه أيام النظام الدكتاتوري.

كالعادة ركبت في سيارة الأجرة (الكيه) لكي أصل إلى مقهى النجف الفلكلوري، رغم عناء الطريق المليئ بالمطبات، وإنعدام نظافة الشارع، إلا أني وصلت في نفس الموعد الذي يفتح به المقهى.

دائما ما كنت أرى رجلاً كبيراً بالعمر يملئه بياض الشيب يجلس وحيداً متكدراً بالهموم والتفكير، جلست بقربه وعرفته على نفسي، و سار بنا الحديث إلى كلمة أسير..

أشعل سيجارته وبدى كأنه ينفخ الهموم مع دخان الذكريات، قال " أجبرني صدام كغيري على الذهاب للجبهة لقتال الشعب الإيراني، رغم أني المعيل الوحيد لزوجتي وأطفالي، إلا أنهم أجبروني على الذهاب لسوح القتال، لم أعرف لماذا كنا نحاربهم، لكن كان يجب علينا أن نمتثل لأمر الطاغية، ومن لم يلبي الأمر كان يعدم.. لم أقتل أحد في المعركة، وسرعان ما وقعت أسيراً بيد الإيرانيين".

أكمل سيجارته وبدأ بالثانية، أسترسل قائلاً "عندما أسروني كنت خائفاً من التعذيب والقهر، لكثرة ما نسمعه من ماكنة البعث الإعلامية.. صحيح أنه لم يكن فندقاً بخمس نجوم فهو أسر على أي حال.. لكنه أبعد ما يكون عن ما كان ينقله البعثيون، بسبب وجود السيد محمد باقر الحكيم.. الذي في أحدى خطبة قال لنا، نحن نواجه نفس العدو، فالطاغية صدام هو سبب الخراب بالعراق، وسبب الحروب التي أنهكتم وهجرتنا من وطننا".

شرب كوب الشاي وأكمل كلامه وعلى محياه شيء من الأستغراب "كان الحكيم يتكلم بشجاعة مفرطة، وكان يقول وكله أمل، بأنه سيأتي يوم يتخلص فيه العراق من صدام، وتنتصر مقاومة الأحرار.. بعضنا كان يستمع له بفرح غامر، وآخرين كانوا يعتبرون كلامه مجرد أحلام لا يمكن أن تتحقق".

أنهى الحديث قائلاً " بعد أن عدنا من الأسر، عمل أعلام البعث على تشويه صورة الحكيم في العراق، حيث بث إشاعات بأن الأخير كان يعذب الأسرى في إيران!".

بعد أن أنهينا الحديث، تأكدة أن ما قاله الأسير (ع.ص) أثبت أن إستقبال الجموع لشهيد المحراب، كان بسبب جهاده ضد الحكم الدكتاتوري، وأن له محبين في ربوع العراق، لذلك يعتبر أحد رموز وطننا، التي لها مكانه في نفوس العراقيين.

إذاً ما حدث من محاولات لإحراق مرقده، إنما هي فتنه، كانت تحاول جر الشباب إلى تهديم قيم المجتمع الإسلامي، فالشعوب تبنى بإحترام رموزها، والشهيد العراقي قضى حياته مجاهداً ضد الباطل، مناصراً لأبناء وطنه، لكن أجمل ما في الحكاية أن خاتمتها مسك.. فمن بدأها جهاد ختمها شهادة ليصبح رمزاً لملايين البشر.

ساحة التحرير الجميلة، دائماً ما تتفنن في لفت أنظار العالم لها، لما تحتويه من أختلاط بين جميع أطياف الشعب العراقي، لذلك كانت بداية الأحتجاجات و أنطلاقتها، من قلب نصب الحرية في ميدان التحرير، ومنها أنطلقت إلى باقي مدن الجنوب الشيعية.

ما يثير أنتباه المتابع للتظاهرات، هي الشعارات المختلفة، التي أمتزجت فيها (حسجة) الجنوب وترافة الصوت الناعم للكراديين.. ،وهي دائماً ما كانت سلمية.. فمنهم من تغنى بالسيستاني، وأنشدوها بأهزوجتهم (الملعب للسيستاني الملعب لا لمريكا ولا لسعود) وتبعتها هتافات تنم عن كمية الوعي لدى السلميين رغم قلتهم.. فتجدهم يهتفون (شعندك جاي ملثم والسلمية تريد وجوه).

هذه الشعارات وغيرها كثير، جعل غالبية المواطنين من مختلف التوجهات، يساندون إخوانهم المتظاهرين المطالبين بالحياة الكريمة، بالأمن والسلام والبحبوحة الأقتصادية، لكن لا يخلوا شيء  من الشوائب، لذلك سرعان ما أخترقوا تظاهراتنا السلمية.. نحن الذين وصفتنا المرجعية بالأحبة، ونعتت المخربين بيننا بالمندسين.

هؤلاء أتخذوا من منهج هستيريا الجماهير  اداة لهم، و أصبحت أصواتهم هي الأعلى، لكي تعمل على جذب و تعتيم باقي الأصوات المسالمة، فبدأت هتافاتهم الجارحة المسيئة، لتفرق نسيجنا الأجتماعي ولحمتنا الوطنية، فكان أول شعاراتهم (اليوم الكذلة تسولف خلي أعكالك للدكات) رغم أنهم عندما كان يصيبهم عنف الطرف الثالث، يبدأون بالأستنجاد بشيوخ العشائر!

أسوء شعار رفعته حناجرهم، كان بصوت إمرأة مليئة برائحة القبح، ذكرنا بصوت هند آكلة الأكباد، رغم أنها كانت ترتدي الكمامة، لكن أنفاسها النتنة سرعان ما أنتشرت مع صوتها في أفق التواصل الأجتماعي، حين صرخت ( وين الملاين.. كلها كذب تبكي على الحسين).

 الحسين وعشاقه راية بيضاء، لا يمكن أن ترضى بأن تتلطخ معك في نفس الساحة، لأن سوحهم في جبهات القتال ضد الإرهاب، ونسائهم مخدرات في بيوتهن، بعضهم يقدم الطعام للمحتجين في مواكب العتبات.. لذلك لا يمكن أن تجديهم، فالثرى لا يلتقي بالثريا، والمندسين الملثمين مثلك، لا مكان له بين سلمية الملايين ذوي الوجوه البيضاء، لن تدركيهم أبدا أبدا.. لأن شعارهم وطن وشعارك فوضى، لأنهم شرف وأنتي... فهيهات أن تلتقوا.

هذا الشرخ الكبير بين الملايين وبين المندسين، قد نشأ منذ نعومة الأظافر، فأطفالهم يطربون على أنغام (هزي هزي) وصغارنا ترتل (وتلك الأيام نداولها بين الناس).

 دائماً سنجد أن صرخاتهم عارية لا صدى لها، و أنوفنا عالية لا تستنشق سوى الحرية والكرامة.

نتذكر جيداً كيف كانت نساءنا تطحن القمح، بآلة من الحجر تسمى "الرحى"  تطحن كل شيء داخلها دون تمييز، فالأقطاب خاضعة لكل الأيادي التي تعمل عليها.

عراقنا اليوم يعاني من طحن الرحى، أحدهما أشد من الآخر عليه، يقسوا على أبناء شعبنا دون أن يفرق بين فقير وبائس، أولهما خارجي والثاني داخلي..

الأقطاب الخارجية أقواها خراباً  الأمريكية، دامت مئة عام من أستنزاف طاقة العراق، منها حروب بالإنابة، كالثمان سنوات في الحرب الإيرانية التي لم نعرف لماذا أدخلنا بها عميلهم صدام، كذلك دمار البنى التحتية عندما أغارت الطائرات على أراضينا، لتقضي على أنتفاضة الواحد والتسعين، إضافة إلى الحصار الذي مات فيه نصف مليون طفل عراقي، وأستحواذهم على كل المعادن والغاز والنفط بعد أحتلال ٢٠٠٣..

القطب الآخر الإيراني، الذي وجد ضالته في العراق بعد ما أنهكته العقوبات الإقتصادية الأمريكية، فجعل وطننا ساحة لمختلف أصناف بضاعته، مما جعله يكسب محبة الوسط والجنوب، بعد ما سانده في مواجة الإرهاب الداعشي، ومده بكل أنواع الأسلحة، عندما تنصلت واشنطن عن تسليح العراق، هذا ما جعل الماكينة الإعلامية تسلط الضوء على أحزاب السلطة الشيعية، وتربطها عقائدياً مع إيران، لتنسب كل الخراب على أنه صنيعة طهران، متناسين أن السياسة تقاد بالتقاسم، بين الكرد السنة والشيعة، حيث أن التمثيل الوزاري للشيعة يمثل ٤٠%،  بينما للسنة يمثل ٦٠%، لكن أنشغال بعض الشيعة بتجميع مغانم السلطة، جعلهم يتحملون عبئ الفشل لوحدهم، ويواجهون سيل التهم من الشعب المحتج، حتى أصبحت فكرة نمطية لدى الأغلبية، أن الفساد متمثل بالعمامة الشيعية فقط؟!

الأقطاب الداخلية تكونت بعد أحتجاجات تشرين، التي أكتسحت سوح مدن وقرى الوسط والجنوب، ثم بدأنا ننقسم داخل صندوق واحد إلى طرفان، أحدنا "ذيل" وآخر "جوكر" عبارتان شاهدناهما يتزاوجان بوتيرة متسارعه، وينجبان مصطلحات مماثلة بين منصات التواصل الإجتماعي، متناسين ماهي مطالبنا التي خرجنا من أجلها، وأصبحنا ندور في دوامة الفوضى، والطرف الثالث مازال يستخدمنا حقلاً لتجاربهِ داخل الصندوق، أحياناً يشغلوننا بفرقة "مكافحة الدوام" ومجموعة أخرى تحرق الطرقات، ومن بعيد جداً شقوا صفنا بهتاف واحد.. "أنت ذيل" و "أنت جوكر".

للأسف بلاد الرافدين أمست تطحن برحى أربعة أقطاب، أدامت الجهل والحرق وقطعت الأرزاق والطرق، كل هذا ونحن نشاهد شباب بعمر الزهور، يتساقطون واحد تلو الآخر في سوح الأحتجاج، مقابلها تتعالى أصوات الإعلام لأثارة الفتنة بين أبناء الوطن الواحد، كل هذا حتى لا نصل إلى مبتغانا بتحقيق خطواتنا الأصالحية، فمن المستفيد من إدامة الفوضى وأشغال الناس بها؟

إختيار المكلف محمد توفيق علاوي خلق فتنه أخرى، وجعل ساحة الأحتجاج مكاناً لتصادم حزبان، أحدهما يريد الفوضى، لأنه يعلم أنه لا يستطيع الفوز بالإنتخابات المبكرة، لأن مدنيته مجرد خدعة، والآخر يريد المناصب وقد ظفر بها، لكن المتضرر الوحيد هو المتظاهر السلمي، لأننا مازلنا نخرج من فتنه لندخل بأخرى، لكي ننسى مطالبنا الحقه التي خرجنا من أجلها، وهكذا ضاع الوطن.. بين أقطاب الرحى.