مشروع تجاري
محمد جواد الميالي

محمد جواد الميالي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عملية الإختيار لمنصب رئيس الوزراء خلقت خللاً كبيراً في نظام الشراكة السياسي، وما حدث أوجد تماسكاً كردياً سنيا، وتشتتاً شيعياً داخل قبة البرلمان فضلاً عن الشارع العراقي.. إلا أن بعض قادة الشيعة الذين دفعوا بالكاظمي لقيادة دفة الحكم، يعتبرونه إنقاذا للمشروع الديمقراطي من مخالب الغرف المظلمة.

يسوق مطلعون على أن السيدان عمار الحكيم ومقتدى، هما المتبنيان الأولان لتشكيل و دعم الحكومة مع إختلاف النوايا والتوجهات، لكن ماحدث أخيراً كان الفارق في كشف الحقيقية..

تحالف عراقيون الذي أعلن عنه السيد الحكيم، يقول قادته أن ورائه حيثيات وأهدافا سياسية بعيد كل البعد عن المناصب، ولإثبات هذه النظرية، ما عليهم سوى تطبيق فرضية البراهين..

كما أن عمار الحكيم هو من أوائل من جاء بهذه الحكومة وأعلن دعمه لها في أول يوم تشكيلها وهو من الداعمين للكاظمي، لإنقاذ هذا النظام المتهالك، فذلك يثبت أنه وتياره أولى بكل المناصب لو كان يطمح للدرجات الخاصة، سيكون أكبر الرابحين.. فإن فعل الحكيم وبنى دولته العميقة فهذه حقيقة يجب الإذعان لها.. رغم ذلك هو لا يملك حقيبة وزارية واحدة! 

بالإضافة إلى أنه لو كان طالب للمناصب لدعم حكومة ٢٠١٠ ونال الأربع وزارات، كذلك كان سيدعم حكومة عبد المهدي، ويتغافل عن أنهيارها بحفنة من المدراء العاميين، وإلا فهو له أهداف أخرى..

إذاً الفرضية تثبت بالبرهان فشل شائعات المناصب، التي تنطلق في منصات التواصل الأجتماعي بعد إعلان التحالف، فما هي الأهداف الحقيقية لهذا التجمع؟

عراقيون خلفه أهداف سياسية بعيدة الأمد، أهمها أعطاء مهلة واقعية للحكومة للسير نحو إصلاح جزء من النظام، قبل أن ينهار جراء تقلبات وأسقاطات بعض القوى، التي تفكر بمصالحها الحزبية فقط.

كذلك إعادة التماسك للمكون الشيعي داخل قبة البرلمان، وعدم تهميشه جراء تشتت قياداته، ويكون هذا التحالف هو أساس بناء مكون شيعي عراقي، مع مراعاة كافة الأطياف المنظوية داخله، وأن يعمل على تحقيق أهم مطلب للتظاهرات، وهو الإسراع بإجراء إنتخابات نزيهة بعيداً عن التقلبات السياسية، التي إن أستمرت دون بوصلة فإنها لن تنتهي سوى بإحراق الأخضر واليابس.

الواقع يثبت أنه لا يمكن أن تسير الحكومة دون بوصلة تمتاز بالوسطية في رؤية مصالح الشعب، واقعية تجاه إصلاح النظام.. وهذا التحالف له حقائق وأهداف ذكرناها سلفا، سوف يثبتها القريب الآجل.. فأما المساندة لنعبر بالسفينة إلى بر الأمان، أو الأنجرار خلف أسقاطات السوشيل ميديا ونقد أهواء الجيوش الالكترونية.. وعندها سنغرق كلنا في عرض المحيط ولن نجد يداً للعون.

 

التطور الطبيعي للعقل البشري، يستند على أساس التجارب التي يخوضها بمرور الزمن، والتي تتحول لبنات أفكار وخبرات، يستفاد منها الإنسان في مفاصل حياته، حتى أنها تدخل في إختيار الدين الصحيح، لأن البشر يحتاجونه، لأنها جزء من الذات البشرية وغرائزها.

دائماً ما يكون هناك دين حقيقي واحد، وباقي الديانات هي متممة له، "هذا هو المفهوم السائد في الصندوق الأسود للعقول المؤمنة" لكن المنطق والذات الحيوانية في طبيعة بناء الإنسان، تحتم عليه الدفاع بشتى الطرق عن معتقداته الميثلوجية.. وهذا ما سبب الحروب الطائفية بين الأديان..

منذ مئة عام وبعد الإستقرار المسيحي اليهودي في العالم، وتصفيتها لمنافسيها سياسياً ودينياً، أصبحت الحروب الطائفية برغماتية، بإتجاه  دين أو بالأحرى مذهب واحد فقط, إنه المذهب الشيعي؟!

هذا المذهب السائد في وسط وجنوب العراق، واجهته حكومات دكتاتورية لمنعه من الوصول للحكم أو إبادته.. فزج في حروب الهدف منها خلق إقتتال شيعي شيعي، كما حدث في الحرب العراقية الإيرانية، عندما أنتصرت الثورة الاسلامية على دكتاتورية الشاه تجاه الشعب الإيراني، عندها أصبحت الدول تنظر للشيعة كأنهم الخطر الحقيقي، محاولين بعدة طرق إنهاء وجودهم في الحكم، سواء في إيران أم في العراق، والتي هم  يعتبرونها العمق الإستيراتيجي للفكر الشيعي..

السؤال الأهم الذي يجب أن يطرح، ماذا يمكن أن تفعل "العمامة الشيعية" إذا وصلت للسلطة؟

فقراء العالم أجمع تأثروا بجائحة كورونا، وإنهيار للطبقات الوسطى صار واضحا، ماعدا العراق.. كل شيء أصبح رخيص الثمن، والفضل في ذلك يعود إلى ما فعلته إدارة "الملالي" لأموال العتبات المقدسة، من مزارع للخضروات وحقول الدواجن، التي ساهمت بدعم المنتوج المحلي بكافة الأصناف، كذلك بنائها للعديد من مراكز الشفاء، للعناية بمرضى "كوفيد_١٩" بالإضافة إلى رعايتها لعوائل الشهداء والأيتام، وتوفير الرواتب الشهرية لهم، كل هذا وهم لا يملكون أي سلطة فعلية في الدولة.. يعملون رغم الحرب الإعلامية والنفسية ضدهم.

هذه الحرب أسس لها الغرب، ليخلقوا تلك النظرة الدونية، للمذهب الشيعي في الحكم، لذلك نجد مواقع التواصل الإجتماعي، ما أن تجد سلبية أو خللا في المؤسسات الحكومية وغيرها، حتى ينهالوا بكيل التهم ونسب أسباب الفشل كلها لوجود العمامة الشيعية في الحكم، ليطالبوا بإقصائها عن السلطة.. حتى بتنا متمرسين في جلد الذات، والإنصياع إلى تزييف الحقائق التي يطلقها إعلام الظل العالمي، وأصبحنا ننسب كل الفشل لهم وأنهم أساسه!

حقيقة يجب أن تقال الوجود الشيعي الحقيقي لإدارة المؤسسات، يتمثل بإدارة العتبات، وكذلك في دولة إيران ولو بشكل مختلف.. أما ما يحدث في العراق، فهو إيهام لقطيع الشباب الشيعي بأنهم لا يستحقون إلا أن يكونوا رعية.. وكذلك لتكون محاربة المذهب من أتباعه أنفسهم، فقط بحرفهم فكرياً.. وهذهِ الصراعات والنزاعات من جلد الذات، تدخل في شقين:

أولهما صراع الأديان الأزلي، الذي لن يسمح بأن يكون للمذهب الشيعي الإسلامي، حق المنافسة فضلاً عن الأنتصار.

ثانيا إستمرار النزاعات الشيعية الشيعية، وعدم أنفرادهم بالسلطة تطبيقا لمبدأ "فرق تسد" وهو ما يسهل على قوى الشر من زيادة نفوذها في المناطق.

الحرب ستستمر والخلافات ستتفاقم، حتى ينتهي الوجود الشيعي في مؤسسات الدولة، ونعود إلى حقبة الرعية.. لأنهم موقنين أن "العمائم الشيعية" هي التهديد الحقيقي للظلام العالمي، ولو أردنا أن ننتصر ما علينا سوى أن نتحلى بالعقيدة الوطنية، ونتبع نصائح المرجعية، بدل أن نتناقلها في منصات النشر ونتفلسف في نقدها، ولنا في إدارة العتبات وكذلك تجربة إيران بكل ما لدينا من ملاحظات حولها، مثال للوجود الشيعي الحقيقي لإدارة الدولة، فهي قاب قوسين أو أدنى من أن تكون شريكة في منصة الدول العظمى القادمة.

 

تصل العملية السياسية إلى أنغلاق تام، مباحثات قادة الكتل لا تجدي نفعاً، إدارة البلد تتجه نحو الإنهيار السياسي، بسبب تشبث مختال العصر بمنصب رئاسة الوزراء، أرتفاع شعار "ماننطيها" في كافة مواقع التواصل الإجتماعي، أننا مقبلون على إنهيار أمني، ولا أحد يعلم ما الحل!؟

تاريخ ٨/٦/٢٠١٤ تدخل عجلات الدفع الرباعي إلى الموصل بغطاء حماية من الطائرات الأمريكية، وجوههم مغبره، ملابسهم تعلوا القدم شبراً وراياتهم سوداء.. أما مشايخ أهل الموصل فأستقبلوهم بأهازيج الفرح والرقص، مستبشرين عزاً بجهاد النكاح الذي سيطال نساءهم!؟ وبدماء الجيش التي ستسفك بسيوف أبنائهم، سَلَم قادة الجيش المعدات والآليات لقادة الأرهاب، تاركين خلفهم جنودٌ بلا قائد، ليحملوا العار في حقائبهم مع بعض الدولارات، هاربين إلى أربيل، ليستضيفهم ملكهم الخائن.. عندها أرتفعت الشعارات وتعالت، ليصرخوا بإقامة "الدولة الإسلامية في العراق والشام" هدفها كان واضح في منشوراتهم.. "نعم لهدم لقبور الأئمة، والف لا للوجود الشيعي في الحكم" هكذا بدأت حكاية الخيانة.

ساحات العز والتظاهر التي كانت تنادي "قادمون يا بغداد" أصبحت تغني " نقطع الرأس ونقيم الحدود" فكانت طقوس المبايعة هي قطع رؤس الشيعة والجنود، أما عملية إعدام الشجاع مصطفى العذاري، الذي تفاخروا بصلب جثمانه أمام مرئى من الناس، بين ضاحك وآخر يرمي الزهور فرحاً، الفتى الشيعي المصلوب على الجسر، كان مفتاح المبايعة!؟ حينها أمست تكريت والأنبار مدن تحت سيطرة الإرهاب، بموافقة أهلها وأنضمام عشائرها لهذا التنظيم.

أما التاريخ الذي لا ينسى، كان في ١٢/٦/٢٠١٤ عشائر البو ناصر والبو عجيل وغيرهم من عشائر تكريت، بالأتفاق مع بعض ضباط قاعدة سبايكر، أوهموا الشهداء الشيعة، بأنهم سوف ينقلونهم "بالتريلات" إلى بغداد ليتركوا الأرض، لكن الغدر والخيانة لا يمكن أن يفارق أبناء الرفيقات.. فوقت الكارثة!

أسر ما يقارب 2500 جندي، وتقسيمهم على عشائر تكريت ليقوموا بإعدامهم في قصر الطاغية صدام، ورميهم في نهر دجلة، ذلك النهر الذي حمل أجساداً طاهره، وتلون بدمائهم الزاكية، أصبح شاهداً على جريمة العصر، التي أمست وصمة عار في جبين شيوخ الغربية، الذين أرتضوا الذل والعار لأنفسهم، ببيعهم للأرض والعرض بجعل نسائهم جواري للشيشاني والأفغاني..

كل هذا وأكثر في ظرف أسبوع، لكن حدث ما غير الخطة وقلب الموازين، عندما أهتزت بيوتات النجف القديمة، لتخرج لنا بفتوى الجهاد الكفائي، التي أفشلت كل المخطاطات والمؤامرات، ليتصدى شجعان الجنوب الشيعي ويكسروا ظهر الإرهاب، ليستعيدوا بذلك شرف نساء الغربية، بعد أن دنسه شيوخهم.. وبعد ثلاث سنوات من مخاض الحرب، قرأ الحشد المقدس.. فتوى الإنتصار بتحرير العراق.

الصيف يختلف في بلادي عن سواه.. فشمسه حارقة لا يتحملها إلا العراقي، الذي تكيف مع الوضع بدون كهرباء، فما أن يقبل علينا الصيف بحره الشديد، حتى يبدأ السيناريو المعتاد من تذبذب وعدم أستقرار للتيار الكهربائي.

سبعة عشر عام بعد الدكتاتورية، تناوب فيها خمسة وزراء بحقائبهم المليئة بالشعارات على تولي حقيبتها، وسرعان ما يأتي لهيب تموز الحارق ليفندها كلها، منذ هروب السامرائي بتهم الفساد المالي، مروراً بكريم وحيد الذي لم يفقه منه الشارع سوى الإستقالة، إلى رعد شلال الذي طالته أصابع الإتهام بسبب إتهامات بعقود وهمية، وصولاً الى الجميلي الذي لم يختلف عن سابقه بالتهم!

لكن زمن الشعارات الأبرز كان على لسان السيد الشهرستاني، الذي وعد بتصدير الكهرباء وأخلف، فكان عام ٢٠١٣ له بالمرصاد ليفضح أكذوبته العجيبة تلك.. ثم جاء السيد لؤي الخطيب ليخرج علينا بخطبته الشهيرة "كهرباء ١٧ سنة ماكو ليش؟!" ولم يتحقق منها سوى تقاعد له ولعائلته؟!

ما زالت ساعات تجهيز الكهرباء متذبذبة في الصيف، ورغم ان غضب الجماهير سرعان ما يرتفع في الحرارة وينخفض بقدوم الشتاء.. لكن علينا أن نتساءل متى ستنتهي هذه الشعارات، وينقضي معها زمن الفساد الذي نخر الوزارة من أعلى هرمها لأسفل القاعدة، بصرفيات تبلغ سبعة وعشرون مليار دولار صرفت على منظومة الكهرباء، ومازالت غير منتجة ولم تستقر؟!

أين الخلل الحقيقي في تذبذب المنظومة الكهربائية؟ فالميزانية التي صرفت عليها تقارب أن تعادل ميزانية دولة، وعدد موظفيها يدخل ضمن نطاق البطالة المقنعة.. بالإضافة إلى أسماء الشركات العملاقة، التي ما أن تحاول أن تتعاقد مع وزارة الكهرباء، حتى ندخل في معترك أزمة سياسية لإلغائها!

من الذي يسعى إلى عدم أستقرارها وما غايته؟

كل هذا الفساد يعيدنا بالذاكرة إلى عام ١٩٦٨، عندما حاول العراق أن يتعاقد مع شركات فرنسية لإدارة أزمة الطاقة،  لكن سرعان ما أقيل على إثرها رئيس الوزراء؟! اليوم كذلك ما أن شرعت حكومتنا بالإنفاق مع شركة سيمنز الألمانية،  حتى دخلنا في معترك أزمة إسقاط النظام،  وبعد التوجه الى البروتوكولات الحكومية مع الصين.. أستقال رئيس الوزراء وكاد ان يضيع النظام.. وأرتفعت وتيرة أزمة تشكيل الحكومة، ولو بحثنا خلف الشركات التي تم التعاقد معها من أجل حل معضلة الطاقة، سنجد أنها شركات أمريكية؟!

هل يعقل أن شركات العم سام هي المسؤول الرئيسي في تذبذب الكهرباء، بإدارتها لبيادق الشطرنج في الوزارة؟! وهل هي مسألة هل أموال فقط؟ أم هناك سبب آخر دفعهم لجعل المواطن يعاني؟

عدم أستقرار الكهرباء يخلق فجوة كبيرة بين الشعب والحكومة وكل النظام السياسي ، وكلما أتسعت هذه الفجوة كلما أزداد النفوذ الخارجي في الساحة العراقية وأوله الأمريكي.. وبالتالي فإن خلق الأزمات في الشعوب يسهل من السيطرة عليها..

المقال الأخير لرئيس الوزراء بعنوان "العراق أكبر من الصراعات"  هل سيكون حقاً خارطة طريق، أم هو مجرد شعارات كسابقاته،  سرعان ما تذوبها خفايا وأسرار الأسلاك الكهربائية؟

الأنغلاق السياسي الذي أنتج حكومة عادل عبد المهدي،  أحدث إنشقاقات في الكتل الشيعية وتوافقاتها، تجاه الحكومة التي أدخلت العراق في مأزق بعد أن أتجهت نحو الصين أقتصاديا، العدو المرعب للعسكر الأمريكي.. مما جعل الأقطاب الدولية لتنظر للحكومة بعين الغضب، بسبب بعدها عنهم، وعن مواقفهم.

كل ذلك دفع القوى الإقليمية والدولية، إلى أن تحرك أذرعها داخل فوهة التظاهرات، مستغلة بذلك أجندتها المتمركزة والمحركة لرحم الأحتجاجات،  لتعبث بالشارع وترفع من وتيرة التصعيد، فيسقط القتلى كلما لم تُنفذ اوامرها، في تشكيل حكومة برغماتية تجاه أوامر العم سام، كل ذلك أدى إلى خلل في نظام الشراكة الذي  أُسس له بعد ٢٠٠٣، مما جعل القوى الكردية والسنية ليكون لها صوت في إختيار المكلف لقيادة الحكومة،  الذي هو حق للمكون الشيعي بحكم كونهم الأغلبية.. فضلا عن اللاعب الدولي والأقليمي، الذي يشرف على الموافقة أو الرفض في أختيار الشخصيات المطروحة لهذا المنصب..

المكلف ما قبل الكاظمي كان أحجية اللغز الذي جاء ليحل هذه المعضلة، ويجبر الخصوم على التصويت للرئيس الجديد، لكن وفق شروط ومبايعات "للحجي قبل العم سام" ليكون أول رئيس وزراء تتفق عليه كافة أطراف اللعبة، لكنه حقق الغرض الاساسي الذي كانت تهدف إليه امريكا، بتحريكها لعصى الأحتجاجات غير السلمية، والتلميح بالأنقلاب العسكري..

المفهوم الحديث للديمقراطية والتطور الطبيعي للعالم، يضعنا أمام خيارين لا يمكن أنكارهما، أحدهما أن الدول العظمى لا يمكنها أن تشرك نفسها في حروب عسكرية الفائز فيها هو أكبر الخاسرين،  لذلك منظور الحروب أتجه نحو السيطرة  الإقتصادية.

في الأنقلابات العسكرية، إنتهى الزمن الذي فيه ينقلب الجيش على الحكم ويكون هو المسيطر وإنما أصبح الوضع هو ان تخلع البدلة العسكرية وترتدي البدلة الرسمية، لتكون عسكرية بغطاء مدني، يقود الدولة بالإنتخاب حتى لو كان صوريا، ولنا في مصر خير مثال كل ذلك بتصفيق وتبريك الشعوب، التي تنطلي عليها حيل الأعلام..

رئيس الوزراء، وزير الداخلية والدفاع، رئيس اركان الجيش وباقي مفاصل الدولة، أصبحت تحت قيادة شخصيات عسكرية بقيادة مدنية،  لأن الحكومة العسكرية تكون راضخه تماماً غير مدركة للأمور الإقتصادية،  ودليل ذلك القرار الذي يثار حالياً، بأن الحكومة مقبلة على أقتراض ثمانية مليارات دولار من البنك الدولي، الذي ما أن يقرض دولة حتى يتحكم بكافة مفاصلها الإقتصادية، وتصبح بقرة حلوب للعم سام كما يحدث اليوم مع السعودية، التي اصبحت قاب قوسين او ادنى من ان تغرق في ديونها..

إذا الهدف الرئيسي الذي ترمي إليه أمريكيا، قد تحقق بحكومة عسكرية تحت غطائها العلني، لكن التحديات أمام رئيس وزرائها.. الجديد كبيرة، أولها أن يخرج العراق من أزمة التقشف الإقتصادي دون ان يلجئ للإقتراض، كذلك عليه أن يبعد بلدنا عن الصراع القائم بين العم سام والحجي، وأن يكون وطننا هو الرابط في إيجاد الحلول المرضيه للطرفين..

من المؤكد أيضاً أن الإعلام سيفعل ذلك وأكثر ليلمع صورة الإبن البار لترامب،  وشعبنا كعادته سيسير مغمض العينين، خلف أبواق مواقع التواصل والقنوات المأجورة..

أمل العراق الوحيد في الإنتخابات القادمة، التي ستعتبر التحدي الحقيقي لوعي الشعب، فأما ناخبين يحدثون التغيير، أو نفس الوجوه الكالحة التي تسر العدو..

يميل العقل الباطن للإنسان للإتصاف بالغباء إذا تلقى عدة معلومات متكررة، مما يجعله يصنع خيطا وهميا، بين الأفكار التي يتلقاها و بين الحقيقة الواقعية..

 خلال فترة قصيرة بعدها، ربما يتفوق غباء العقل الباطن ويتسيد التفكير، وعندها يصبح الشخص منقاد خلف الوهم الذي يساق له.

يخاطب الإعلام دائما العقل الباطن للناس، لسهولة التأثير به وأقتياده إلى الهدف الرئيسي، وهو تغييب وعيه وزيادة الجمهور اللاواعي، وعندها سيكون المجتمع أداة يحركها الإعلام كيفما يشاء، فيصبح من السهل "إصطناع" الثورات وخلق الفجوات وتشتيت المجتمعات.. بل وقد تصل قدراته لأن يزرع بذور كره الذات في الأشخاص الذين يتأثرون بشاشات التلفاز..

أهم ما يستغله صناع المحتوى، هو تقديمهم المعلومات الكاذبة على دفعات، بينها فترات زمنية ثابتة، وبشكل مكرر.. وأصدق مثال لذلك ما يحدث في مسلسلات رمضان التي يقدمها الإعلام العربي، ويخاطب بها المجتمع الشيعي.. فهو يعتمد مبدأ الكذب المكثف والمكرر حتى يحولها لحقيقة، ربما يصدقها فعلاً  المستهدفون من ابناء الوسط والجنوب!

جميع دراما القنوات العراقية في رمضان، تتحدث عن البيئة في الوسط الجنوبي، والعوامل المؤثرة فيها كشيوخ العشائر، ورجال الدين، والمتغيرات كالعنف الأسرى وحياة النساء والأهم الشاب الجنوبي..

يرسمون خطا وهميا كاذبا مليئا بالغبن والأفتراء، وأن العشائر الجنوبية وشيوخها همجٌ رعاع، ظلمة يستعبدون الخدم والرعية، لا يعترفون سوى بالقوة وأخذ الدية.. ويصورون النساء الجنوبيات بأنهن مهانات معنفات، يملن للخيانة والأنتحار، أما رجال الدين فهم سبب البلاء و الويلات، وشبابنا فقيرهم لا يفقه سوى الجلوس على المقاهي، ذليلاً لا يملك صنعة ولا عملا، أما غنيهم فهو سفيه تزهوا أيامه بالغناء السكر وملاحقة النساء!

هذا ما يصوره الإعلام البعثي على مدار سبعة عشر سنة في كل رمضان، ليوهم المجتمعات الجنوبية والعربية، أن جنوب العراق سوداوي، لا يفقه في الحياة سوى الظلم والجور؟!

جنوب العراق أسمى وأرفع من أن يكون كما وصفه الإعلام البعثي.. فهذه الأرض أنطلقت منها ثورة العشرين، وبها عصفت أولى مقاومة للدكتاتور، وعمامة حوزته أطلقت الفتوى التي لباها شبابها، لينقذ نساء العراق من شماله. غربه وجنوبه من السبي وجهاد النكاح، الذي وافق عليه بعض شيوخ الارهاب، في مناطق اخرى..

شيوخ الجنوب حملوا السلاح في مقارعة الإرهاب، وشيوخ غيرهم أشتروا وباعوا النساء الإيزيديات، وزوجوا نسائهم للشيشاني والأفغاني.. فشتان بين الثرى والثريا.

اهل الجنوب هم من أستقبلوا النازحين في دارهم عندما طردوا من ديارهم، ولم يفرقوا بين نازح سني أو شيعي عربي أو كردي، فترابهم ينبض بالكرم والشجاعة العراقية الأصيلة، الشروكية أزكى وأطهر وأرفع من أفتراءات الإعلام الكاذب.

 لو كان هدفهم أن يرصدوا الحالات السلبية في المجتمعات كما يدعون، لماذا لا يكون هناك مسلسل عن شهداء سبايكر، الذين قتلهم أفراد من عشائر تكريت، أو عن ‏الإيزيديات اللواتي أختطفهن وأغتصبهن أبناء القرى المحيطة بسنجار؟!

لماذا لا توجد حلقة تجسد كيف أعدموا مصطفى العذاري؟ أو لماذا لا يتحدثون عن العشائر التي بايعت داعش، ودفعت أفرادها للإنضمام له؟

‏ماذا لو طرحت هذه الحقائق درامياً بقنوات الشيعية؟ هل سيسكت  الاخرون كما سكتوا عن التشويه الدرامي لصورة المجتمع الجنوبي؟ أم ستقوم الدنيا ولن تقعد ونتهم بأننا ندعوا إلى الطائفية؟!

الحقيقة يجب أن تقال أنها هجمة منظمة ضد المكون الشيعي، ليحاولوا أن يستروا عورة عشائر  أرتضت لنسائها جهاد النكاح..

لكن الخلل الحقيقي يكمن في نواب الجنوب، الذين سكتوا أمام موجات الإعلام المنحرف، الذي يحاول بشتى الطرق أن يقتاد المجتمع الشيعي، ليجعل منه كالقطيع الذي يساق أعمى إلى مقصلة البعث المجرم.