مشروع تجاري
محمد جواد الميالي

محمد جواد الميالي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لعبة الشطرنج من أفضل العاب الذكاء والدهاء السياسي، لكنها تعبر عن أستبداد السلطة، لأنها تعتمد على التضحية بالجنود واحداً تلو الآخر، ليعيش الملك فتنتهي اللعبة بعبارة، كش ملك.

العملية السياسية في العراق، صارت شبيه بلعبة الشطرنج، فالساسة ثابتون والشعب هو الذي يقتل في سبيل بقاء الوطن!

الغريب أن لعبة السياسة العراقية، تتميز بكثرة الخونة فيها.. لأن غاية الغالبية الوحيدة جمع المال، وأما الوطن.. فليذهب  إلى التهلكة، الأهم أنهم يتبعون منطق غاية جمع المال تبرر سفك دماء الشعب..

رغم صعوبة المرحلة التي مرت بها حكومة حيدر العبادي، بسبب إنتقال السلطة إليه في وقت أستثنائي، كان فيه العراق بمواجهة المد الإرهابي لداعش، و إستلامه ميزانية مبوبة للحرب والتقشف الإقتصادي، بسبب ما فعله مختال العصر، إلا أنه تعامل بكل شفافية وقانونية مع إصرار حكومة الإقليم على الإنفصال، و أجبرت حكومة المركز سلطة الإقليم على التوسل من أجل التفاوض، هذا الحزم كان نقطة بيضاء تحتسب للقوى الحاكمة في الفترة السابقة.

كل التوقعات السياسية، كان تعتقد أن عادل عبد المهدي، سيكون نقلة نوعية في مجال إدارة رئاسة الوزراء، خاصة مع قوة داعميه في البرلمان، والغالبية توقع برنامجا حكوميا ناجحا، لكن ما صرح به بارزاني أثبت العكس، حين قال "حكومة عبد المهدي هي الأفضل بالنسبة للإقليم" عندها تيقنا أن قرارات رئيس الوزراء لن تكون مع مقتضيات مصلحة العراق والمركز، وما تم كشفه في الأسابيع الماضية، من معلومات ربما ستؤدي لإستجواب وزير المالية والنفط، كانت صادمة جداً، حيث كانت الإحصائيات كالتالي:

الإقليم يصدر ما يقارب ٦١١ ألف برميل من البترول يوميا..

قيمة الصادرات النفطية، تقدر ب١٢ مليار دولار، تذهب إلى خزينة الإقليم.. ولا تستلم منها الحكومة الاتحادية سنتاً واحدا؟

كل هذه الأرقام، بالإضافة إلى تعامل حكومة المركز مع الضابط الذي طبق القانون والدستور، حين أمر بعدم رفع علم آخر غير العلم العراقي، حيث تم معاقبته من قبل محافظ السماوة..

تصريح محمد الحلبوسي رئيس برلماننا كان صادما، حين قال للنائب الكردي بأنه سيأخذ حق الإقليم!

هل أصبح تطبيق القانون جريمة أم حب الوطن خيانة؟!

١٢ مليار دولار، ٦١١ الف برميل يوميا، محافظ المثنى، إعتذار رسمي، التحقيق وتطبيق الأحكام بحق الملازم، كل هذه الأمور أنهت اللعبة لصالح الإقليم، وكانت الخاتمة هي "كش بغداد".

 دائماً يبقى السؤال، كم مرة أُحرق العلم العراقي في كردستان؟ ويا ترى أين الضابط الكردي في الحرس الرئاسي، الذي قَتَلَ الصحفي محمد بديوي في بغداد؟ كلها تساؤلات تطرح على طاولة الحكومة،  لا تحتاج إلى أجوبة أكثر من كونها تحتاج إلى قانون يطبق.

إن أكثر مفهوم، يساهم في كوننا مميزين عن باقي السلم الكوني في الوجود، هو طبيعة التفكير.

حيث أن الإنسان يجب أن يكون ملازم للتفكير في كل الأشياء المحيطة به، ويبدأ بترتيبها حسب تبعيتها في التصنيف، من تنبض به الحياة فهو حيوان، ومن ينتمي لوطنهِ، ويدافع عن دول الجوار فهو ذيل، وقائمة الذيول والتبعية تطول..

الفلسفة تفسر ظاهرة التفكير الإنساني في عدة نواحي منها:

المرأة ودورها في الحياة والتكامل المجتمعي..

سلم القيم، وم ايجب أن يعرفه الإنسان وما يؤمن به.

السياسة وفعل الصواب، من حيث تشكيلها لأسس الدولة، وطبيعتها في تسيير أمور السلطة.

كل هذه العوامل، تدخل ضمن نطاق تطوير الضمير الإنساني، الذي يعتبر المميز والمحدد لتقسيم البشر، ما بين الخير والشر، وما بين من لا يفقهون في الحياة سوى مبدأ البحث عن الأكل، حيث لا يشتركون بصنف الإنسان سوى بالبنية الشكلية، كذلك تبين مفهوم التسامح والحياة الأجتماعية، ضمن حدود وطن يدار من قبل سلطة محددة، تسمى حكومة.

كل ما فسرته الفلسفة عن طريق علمائها ومؤسسيها، يدخل ضمن نطاق العلوم الذي تعتبر جزءاً من الدين عند البعض، والبعض الآخر يجدها مفسر للوجود الكوني والأنعدام المستقبلي، أما الدين فيعتبرونه مجرد جزء منها، يؤمن به من يشعر بالنقص! لكن يبقى من يوجد أولاً هو الأصل، والتاريخ يذكر أن الدين وجود مع إنبثاق الأرض ونشوء الحياة.

السياسة تعتبر أساس لتنظيم دولة قوية، لكن نجاح الدولة، يعتمد على شكل السياسة المسيرة لأمور السلطة، وأنماط السياسة عدة:

 النوع الأول الملكي، الذي يعتمد على حكم الشخص الواحد، ولكن يجب أن لا يكون طاغي.

النوع الثاني هو الارستقراطي، الذي يعتمد على حكم مجموعة من المتنفذين، وأحيانا ممكن أن يتحول إلى لعبة بيد الحكام.

النوع الاخير هو الديمقراطي، الذي يتيح للشعب إختيار من يحكموه، لكن له مساوئ إذا أصبح إختيار الشخوص بيد مجموعة من الجهلة، فالديمقراطية تتناسب عكسياً مع جهل الشعوب.

اليوم بلدنا يعاني من عدة أمور، منها خروجه من حكم ملكي طالته يد الطغيان، وأنتقاله إلى النظام الدكتاتوري، الذي لم يترك سوى الدمار والخراب، وآخرها ديمقراطية عرجاء، هيجة الطائفية والفساد، في نفوس الساسة والشعب.

نحن نعيش تحت مبدأ الديمقراطية الشمولية في العراق، ولكن سببها يقع على عاتق الحكومة جزء والجزء الأكبر على الشعب، الذي يشارك بعضه بجزء من الفساد، فالموظف المرتشي، وكذلك الناخب الذي ينتخب الفاسد، أو الشخص غير المناسب، بالإضافة إلى إعلاء سلطة العشيرة فوق القانون، كذلك إرتفاع نسبة الذيول والتبعية، هي أهم أسباب التدهور الذي يحيط بنا اليوم.

إذا بما أن الإنسان خلق ليفكر، عليه أن يتطور ضمن سلم القيم، لكي يسمو ضميره ويكون جزءا من الخير، عندها سيكون فقيها في السياسة، و يحسن الديمقراطية العرجاء إلى صحيحة، تناسب وضع بلادنا اليوم، لكي يطفو من آفة الفساد والتدهور، إلى منصة النجاح والتطور.

من فوائد العزلة أنها يمكن أن تثبت لك إنسانيتك من عدمها، لكن ليس بأن تعتزل الناس بل تخالطهم، لأن أعتكاف البشر المحيطين بك، لايمكن أن يوقظ أنسانيتك.

هذا ما دفعني للحديث مع (ص.ج) الذي يعمل عامل نظافة في إحدى دوائر الدولة العراقية، وله من العمر ٤٧، لكن بنيته تحوي بأنه قارب السبعين.

تحدث بتنهيده حزينه، كأن جزءاً من روحه تخرج مع كل حرف ينطق به، كان مليئا بالمعاناة.. يعتصره الفقر وفاقة المعيشة، لا يعرف معنى الرغبات العادية للحياة أبدا.

 بدأ بقص نضال سنوات عمره، والألم والحزن يعتصره.. ضاع شبابي بين التجنيد الإلزامي للنظام البعثي، و بين أنتفاضة التسعينات، حتى بدأت أتخبط بين خناجر الحصار، التي قتلت كل أملٍ في داخلي، ولم تبصر زهرة حياتي أي شكل من أشكال الحياة، عانيت ألم الفقد أحياناً كثيرة، حتى تساقطت قواي مع تساقط آخر أوراق الخريف، حينها أصبحت ثملاً في طيات الجوع والفقر، حتى سقوط النظام الدكتاتوري في ٢٠٠٣.

عندها توقف وأشعل سيجارا وبدى كأن روحه تحترق و تخرج مع كل نفخة دخان، وأكمل قصة معاناته: كأن سقوط النظام الدكتاتوري هو بريق الأمل المنشود لنا نحن الفقراء، كنا نتوسم خيراً بتوفر العمل، كانت أقصى أحلامنا أن نجد عملا يوفر قوت يومنا.. أحلامنا بسيطة، دائماً ما نحلم على قدر بساطتنا.

أبتسامه ساخرة من الوضع الحالي، تلاها كلام بنبرة حزينة، كأنه يتيم قُتِلَ أبواه أمام عيناه.. لم أجد أي عمل أستطيع أن أسد به رمقي، حتى بدأت أصبح كالظل، وبدأت الناس لا تلاحظ وجودي في المكان، فالفقير في بلدي منبوذ ياصديقي.. بعد أن تقاسم الساسة كعكة وطني، والتهموا الأخضر واليابس فيه، عندها في نهاية قواي العمرية عند بلوغي الأربعين، أستطعت أن أجد عقداً حكومياً بمبلغ ١٤٠ الف دينار لأعالة نفسي وزوجتي..

هل تعلم ياصديقي أن كل ممتلكاتي عبارة عن ثلاث ملابس فقط، وإلى الآن مازلت أتنقل من بيت إيجار إلى آخر، فأنا لا أملك شبرا في وطني..

بعد أن أكمل حكايته الحزينه، فهمت كم أن الحياة بائسة بعيوننا، وكم هي بسيطة رغم ألمها بأعينهم.. فهو مازال قنوع جداً بما يملك، لأنه عند كل وقفة في حكايته كان يردد، الحمد والشكر على ما أملك!

يبدوا أن الصراع من أجل المال والسلطة هو ديدن الحياة، ويمكن أن يكون هذا الصراع هداما أو عقيماً وهو الصراع الذي لا يؤدي إلى حل، كما يفعل ساستنا.. لكن هناك من هم خارج قوقعة هذا الصراع، لا يأملون سوى بلقمة عيشهم، فهم مازالوا مواطنين من الدرجة الثالثة..

أسوء ما يمكن أن يصيب الشعوب قبل أن يهتك حرمتها الموت بعنوان الحرب، هو أن يخنقها حصار، يعمل على تجويعها وإذلالها، فكعادته سيكون متطرفا طائفيا، لا يمس الطبقة الحاكمة، وكأنه ولد ليقضي على الشعب المنهكة حصرا!

عندما انتقل العراق من الحكم الملكي للجمهوري، دخل قليلا في أجواء الإعتدال السياسي، لكن سرعان ما جائت شعارات القومية العربية، للبعث الإشتراكي، لتفتك بعقلل الشعب الجمعي، وتقتل الجمهورية قبل أن ترى بصيص للنور، حينها جلست الدكتاتورية على قلب شعبنا، حتى كسرت كل أضلعه على مدار أربعة وثلاثين عاما.

عاش العراق فترة السبعينات ولإنشغال النظام بتثبيت قبضته، في أجواء من بحبوحة نسبية للعيش، قبل أن تجرفه قرارات الدكتاتورية، بأموال خليجية، إلى دخول حرب إيران، التي أستمرت لمدة ثمان سنوات، أودت بحياة ما يقارب المليون عراقي!!

مركبة السيول السماوية، حملت شهيداً من الفقد، مع قرصة العسكري، وساعته المتوقفة، وبضعة دنانير ماعادت تصلح لشراء رغيف خبز.. و قلمه الذي جف من طول الإنتظار و بقايا عظام.. هذه إحدى الروايات التي كتبها الوجع العراقي، على مدى أربعة وثلاثين عام من الحكم الدكتاتوري.

لم تبدأ إستراحة الإنتهاء من حرب الثمانينات، حتى دخلنا في معترك حصار التسعينات، الذي فرضته أمريكا على شعبنا المنكوب، فصار بعضنا يعرض حتى شبابيك منزله للبيع، من أجل أن يوفر قوته اليومي، و آخر هتك حرمة منزله الفقر، ولكن غيمة الحصار لم تمطر جوعاً و فقراً سوى على شعبنا، و مظلة الحكم كانت تحمي للطاغية وجلاوزته بقوة.

لاحت خيوط الشمس لعراقنا الحبيب، فتخلصنا من نظام القمع الظالم، و دخلنا عام 2003 في نظام الديمقراطية العرجاء، بقيادة معظمها من الهواة.. وكثير منهم لا يفقهون في السياسة سوى مبدأ السرقة، إلا أن الشعب إستعاد جزءا من عافيته، من حيث حرية الرأي و التعبير، و توفر الطعام و أنتهاء فترة الجوع الكافر، إلا أن هذا لايلبي طموحات وطن مليئ بالموارد والأموال.

سوء إدارة العملية السياسية، التي حطمت الزراعة والصناعة في بلدنا، جعلت من حدود الوطن مستوردة لا مصدرة، و أكثرت من البطالة بين صفوف الشباب، حتى أصبح العراق بين طبقتين، حاكمة ومحكومة، و بات لكل دول الجوار ذراع داخل وطننا، تحرك به جزءا من الساسة.. إلا ما رحم الباري.

بما أن قرار حكومتنا ليس عراقيا، فهو مازال يترنح بين مؤيد لقرار أمريكا ضد العقوبات الإيرانية، وما بين معارض لها، والكارثة بدأت تقترب من شعبنا مرة أخرى فهو بين نارين، إحداها أن يقطع العلاقة بينه وبين الجارة إيران، فيصيبه جفاف الإستيراد لأن غالبية إستيرادنا منها، و بين أن يعارض القرار الأمريكي، فيصبح على موعد مع الحصار.

رغم أستهانة البعض بعودة الحصار، و أستهتار غالبية الساسة في الإدارة الحكومية، إلا أن العودة باتت قريبة، خاصة بعد التصعيد بين الجانبين الأمريكي والإيراني، و المتضرر الأكبر هو الشعب.

إن أراد شعبنا الحياة فلابد أن يتغير.. ويفهم اللعبة جيدا، ويترك سلبيته فالتفرج لن يغير حاله.

لكل منا وطن جميل رسمه في مخيلته, ورغم أن حقيقته مليئة بتناقضات كثيرة ومبهمة، بعضها  عبارة عن مقدسات وعادات لأناس يشاركونا ذات الوطن.. هذه الحدود التي ننتمي إليها، تحكمها قيود دينية وقدسية وأخرى مجتمعية، ولكن مهما قست أوطاننا الحقيقية, فهي تبقى الملاذ الأول والأخير لنا، حتى ولو كانت مميتة.

كل الأوطان عبارة عن خليط من مجتمعات وأقليات، تأطر ضمن منظومة أخلاقية، تتفاوت شدتها من مجتمع إلى آخر.

المنظومة الأخلاقية دائما تسبق القانون الوضعي، لأنها تنبع من نفوس الأفراد, لذلك حرية الرأي والتعبير، يجب أن لا تخرج عن إطار السياق الأخلاقي والعرف الإجتماعي لأي مجتمع، ليبراليا كان أو ديمقراطيا أو حتى دكتاتوريا.

 من يخالف هذه المنظومة، ويعمل على خدش المقدسات و الرموز المحترمة في أي مجتمع، لن نستغرب أن يعاقب ، لأن المساس بمقدسات الآخرين، هو بحد ذاته أنتهاك لحقوق الإنسان، فمن  الأولى إحترام الغالبية المكونة للمجتمع.

الحروب العسكرية لإنتهاك حرمة الأوطان وسيلة إنقرضت بنهاية الحرب العالمية الثانية، وأنتقلنا إلى لما يسمى بالحرب الناعمة.. التي تستهدف دائما المنظومة الأخلاقية للمجتمع,  فتعمل على تفكيكها، لينقسم المجتمع بين مقدس ومتحرر، وأهم مصاديق هذه الحرب، نشر الموبقات والمخدرات، وحاضنتها الأهم المقاهي.. حيث الملتقى الأكبر للشباب، بسبب تفشي البطالة، ولا ننسى "دعارة" الإعلام والفضائيات، التي يكون تأثيرها غير مباشر على الشباب.

الآفة الحقيقة التي تنشر مثل هذه الأفكار، التي تعمل على هدم أخلاقيات المجتمع، هم صنف أو جزء ممن يسمون أنفسهم "ناشطي المجتمع المدني" ..  فقد سربت وكالة أخبار العراق، أن سفارة دولة عظمى جندت إثنين  وسبعين ناشطا مدنيا، لبث الشائعات وهدم المعتقدات، وصولا لزعزعة النسيج الإجتماعي للعراق.

ما قام به أحد الشباب في مدينة مقدسة, من شتم الأمام الكاظم في ذكرى شهادته ونطقه بالكفر، أثار ضجة كبيرة في المجتمع, مما أخرجت مسيرات كبيرة إحتجاجا على سكوت الحكومة، وللمطالبة بإنزال أقسى العقوبات، بحق كل من يسيء للمقدسات والرموز الإسلامية.

بما أن لكل فعل ردة فعل، وكما تكلمنا أن هناك مندسين يحاولون إثارة البلبة، ظهرت فئة "تدعي المدنية" لم تتكلم بشأن ما قام به هذا الشاب من إنتهاك لقدسية محافظتهم، وإنما حرفوا الأمور لمنحى آخر، يتعلق بتردي الخدمات وأرتفاع نسبة الفساد في المجتمع، ومن هذا انطلقوا ليكملوا بأن الشاب يجب أن لا يعاقب لأنه تكلم ضمن مبدأ حرية الرأي والتعبير.. عجبا! هل تناسى هؤلاء أن هذا المبدأ يكفل إحترام حقوق الآخرين، وإن القانون الأخلاقي فوق القانون الوضعي؟!

ما يحدث اليوم من تضاد وتصادم، بين أبناء الجلدة الواحدة، من مطالب بقدسية وآخر مندد لها، ما هي إلا أفكار مزروعة في عقول أساسها هش، والأفكار لا تحارب سوى بالأفكار، فالحرب الناعمة أشدُ فتكاً.

أغرب ما دب على هذه الأرض منذ بدأ الخليقة، هي عقلية الإنسان الفلسفية، حيث نجد أن العديد من البشر لا يشكلون أي فائدة في الوجود، لدرجة أن البعض يشكل خطرا على المجتمع الإنساني (الإرهاب مثال).

كل علوم هذه الحياة أسسها الانسان من أجل غرض محدد، لكن ما نحن متأكدين منه أن غرض هذه العلوم هي أثبات شيء في النفس البشرية، و أهم ما تحاول إثباته الفلسفة، هي سبب وجود الخلق بقوانين فيزيائية، بعيدا عن نظرية الإيمان بالخالق من حيث الوجوب والإمكان.

إذا الفلسفة تنقسم إلى قسمين:

 فلسفة الجانب الإسلامي، و الذي يكون محورها الأهم إثبات أن البشر ممكنات والباري واجب الوجود، وتدخل ضمنها نظرية العلة والمعلول، و فكر التصور والتصديق، الذي يثبت أن كل شيء موجود مسبقا ضمن نظرية الفطرة التي يولد عليها الإنسان، وأن الأفكار لم تنشأ من العدم، وإن العدم الذي يشمل كل الممكنات هو من تدبير واجب الوجود، الذي لا يمكن أن يشمله الفناء، لأن خالق الزمان والمكان لا يمكن ان يصيبه العدم، هذه هي مرتكزات الفلسفة الإسلامية، لكن فروعها تتجذر وتتشعب، ولها أهداف واضحة المعالم في كل المجالات، حتى في مناظراتها مع الفلسفة في الجانب الآخر.

القسم الثاني هو فلسفة الجانب الفيزيائي، الذي يتكئ عليه غالبية علماء الإلحاد، حيث يحاولون أن يجدوا تفسير علمي لكل الموجودات، بعيدا عن الاعتراف بمصطلح المعجزة، الذي يفسر حقيقة الدين، وكل شيء يدخل ضمن نطاق ممكن الوجود، و ينعدم مصطلح الواجب في قاموسهم، أما من ناحية العلة والمعلول، فيفسرونها من ناحية تصور الأشياء في رحلة الأفكار، التي تثبت لدى بعض الفلاسفة مثل أفلاطون، أن البشر هم عبارة عن فكرة في عوالم سابقة، ودائما ما يحاولون أن يجدوا تفسيرا علميا للوجود البشري خاصة والكوني عامة، وكذلك فناء هذا الكون (العدم) وكيف يشمل كل شيء حتى يصل العدم الى نقطة ظلماء.

حاول ستيف هوكينك في آخر أنفاس حياته أن يجد تفسيرا للوجود، لكن قد أصابه الفناء قبل أن يجد الحل، وآخر ما كتبه أن هناك عامل فيزيائي يفسر هذا الوجود؟!

 أتباعه ساروا على خطاه بحثا عن العدم الذي لاح معلمهم، وآخر ما توصلوا اليه صورة ضبابية المعالم تفسر نقطة نهاية الكون، أو ما يسمى بالثقب الأسود، الذي يلتهم كل شيء ويحوله الى عدم .

 إن كل هذه الأموال والجهد البشري لإثبات العدم علميا، قد ذكره فلاسفة الإسلام استنادا الى كتابهم المقدس (القرآن) حيث فسر أن الباري خلق كل شيء في هذا الكون ضمن قوانين ثابته، تسير الفناء والوجود دون خلل.

أن صورة الثقب الاسود، لا تعني شيء لسكان الارض، فهي مجرد تحدي بين فلاسفة الإلحاد والإيمان، خاض غمارها الباحثون لإثبات صحة نظرياتهم وكلامهم، وإن مليارات الدولارات صرفت من أجل نقطة جدلية، لا فائدة منها سوى أنها ستكون سبب هلاك الأرض بواقع حتمي بعد ملايين السنين، وهذه هي النقطة المشركة الوحيدة بين الإلحاد والإيمان.