مشروع تجاري
محمد جواد الميالي

محمد جواد الميالي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أحتجاجات أكتوبر التي أجتاحت مدن وقرى الشيعة في العراق، كانت تعبر عن مدى أستياء الشعب من سلطة الحكم، التي لم تنصف المواطنين، ولم توفر لهم أبسط الخدمات، سواء المجتمعية أو المعيشية.

كل أحتجاجات العالم تتأثر بمستوى تفوق ثقافة العرق البشري، من النخب الأعلى تأثيراً إلى  الأدنى الاقل وعيا، ولكن مستوى الفعل واحد.. عندما يذوب الإثنان في نظرية العقل الجمعي.

أنطلقت سلمية جداً، بمطالب مشروعة، إيماناً بأن التظاهرات هي أهم سمات العملية الديمقراطية، فكان الهدف واحد، وطناً سالماً منعماً كما نردد في النشيد الوطني عندما نرفع العلم.. فكانت الأيام الأولى سلمية يحتذى بها، وكان العراق عالياً في عيون الجماهير المتظاهرة، والكل كان يترقب موقف الحكومة، لكن  كلنا تفاجئنا بما يحصل داخل تظاهراتنا..

رقصٌ وغناء لا يتردد به حرف من الوطن، وشعارات لا تنتمي للسلمية بشيء، هدفها هدم الوطن لا بنائه، فبدأت مجموعة تنادي بإسقاط النظام، وأخرى تصرخ بإقتحام المؤسسات وحرقها، وصدى صوت كان يأمر بأرتداء اللثام وتغطية الوجوه، وبدأت تتصاعد هذه الهتافات، حتى خرجنا بعبارة "ماكو وطن ماكو دوام" كان هدفها ناصع السواد.. لا يرغب سوى بتجهيل طلابنا!

كان هناك صوت ينادي من بعيد "ألتزموا بسلميتكم فأنها تهلك الحكام" كان صوتا ناصع البياض.. لكن للأسف نحن لا نستمع لما تقول المرجعية!

يبقى السؤال المحير، كيف أنحرفت بوصلة الإحتجاجات، من السلمية إلى التخريب والحرق؟

كيف تحولنا من سلمية واعية إلى تخريبية قاتلة، حتى بدأت تتساقط اجساد شبابنا من الطرفين، الأمن والمتظاهرين؟ ثم بدأنا نتراشق التهم بيننا "مابين ذيل و أبناء السفارة" وبدأ البعض ينكل رجل الأمن، الذي كان قبل سنة من التظاهر هو سور الوطن، اليوم بدأنا بالهتاف ضده بأنه عاهة على الوطن!

أصبحنا في قوقعة جاهلة، تسمح للتلميذ بأن يهتف ضد معلمه، الذي كاد أن يكون رسولا..، والحرق لم يقتصر على إطارات قطع الطرق، فقد أنتشر حتى أجتاح التراث الأثري لشارع الرشيد في بغداد..

كل هذا الإنحراف حدث بسبب مجاميع ترتدي قناع الجوكر، توغلت داخل التظاهرات، تحركها أيادي خارجية هدفها هدم العراق، فعندما يسقط المربي الفاضل "المعلم" ونشكك بالقائد العالِمْ "المرجعية" أعلم حينها أننا نسير في الطريق الصحيح.. نحو الهاوية.

كل هذا تحقق حينما أمتزج العالم والجاهل، في بودقة العقل الجمعي، لأن سايكلوجيا الجماهير عندما تحقق تجمعا بهذا العدد، يصبح لهُ ما يسمى باللاوعي العنصري، وهو مايقود موج المواطنين من السلمية إلى العنف، فكلما علا صوت العنف أزداد اللاوعي.. والعكس صحيح.

لقد أصبحت الجماهير مسيرة لا مخيرة، تهتف لتهديم العراق لا بنائه، كل هذا يؤدي إلى مشروع مظلم يحاك في سفارات الخضراء، فمتى سنصحوا من التنويم الممول، لنبني عراق الغد الأجمل؟

أكثر ما يميز علم الإجتماع، عن باقي علوم المعرفة الحياتية، هو إتصاله المباشر مع الانسان.. ورغم صعوبة التنظير فيه إلا أنه حقق نجاحاً باهراً في التطبيق، وخاصة في بلدان العالم الثالث، أو مناطق الحرب بالوكالة.

الحربان العالميتان الأولى والثانية، أنهيتا مفهوم التدخل العسكري المباشر، وما يتبعها من التدمير الإقتصادي للبلدان المتنازع عليها، لأن علم السياسة قد سبب الخراب للبلدان المحتلة، وكان لابد من إيجاد طريقة، للسيطرة على الشعوب النامية بأقل تكلفة بشرية..

علم الإجتماع هو الباب الذي نشأت منه الحروب بالوكالة، ولكنها تعتمد على زعزعة المجتمع المراد السيطرة عليه..

لخلق الفوضى وتفكيك مجتمع، عليك أن تعرف نقاط قوته قبل ضعفه، لأنك لو دمرت قوة الشعوب، تستطيع حينها  تسيرها بسهولة عن طريق العقل الجمعي، ومثال ذلك ما يحدث في العراق اليوم.. بشكل ما.

قوة العراق تتركز على مباني مهمة..

أولها المرجعية الدينية بقيادة السيد السيستاني، صمام الأمان الذي وقف بوجه كل مخططات النيل من العراق، وفند كل مشاريع أمريكا المحتلة.. ففي 2005 بكلمة واحدة أنقذ العراق من حرب كادت أن تفتك بأبناء الوطن..وفي 2007 قال "السنة أنفسنا" كلمتان أوقف بها الأقتتال الطائفي، وأوقف به مخطط بريمر لتقسيم العراق..

عاد في العام 2014 أطلق فتوى الجهاد الكفائي، وأسس الحشد الشعبي، الذي أخرج به العراق من فكي داعش الإرهابي "المدعوم بالأموال والأنتحاريين الخليجين، والقيادة الموسادية"..

الثاني الحشد الشعبي، وذلك لأن بلدنا يعج بالتدخلات الخارجية، التي حاولت إضعاف جيشنا، إستطاعت المرجعية أن تخلق قوة عسكرية بطابع عقائدي ووطني، لصد كافة فلول الإرهاب، وبفضل شهداء الحشد، إستطعنا المحافظة على أرضنا، التي حاولت القوى الخارجية أن تجعلها ساحة صراع طائفي.

الثالث العادات المجتمعية الرصينة الراسخة، حيث أن أهم ما يميز أبناء الوسط والجنوب، هو وجود الحكمة العشائرية، التي تتدخل دائماً لحل النزاعات المجتمعية، وتعتبر من أهم قوى مجتمعنا العراقي، لما لها من مواقف سامية في حفظ السلام المجتمعي.

إذا أتضح للعالم أجمع أن قوة العراق تتمثل بالمرجعية، حشدها، وكذلك شيوخ العشائر، لذلك أستغلوا تظاهرات العراق المطالبة بالإصلاحات، ليمرروا أفعالهم الدنيئة من أسفل طاولة المظاهرات..

القنوات التابعة لسفارة العم سام، وكذلك "الممول" على مواقع التواصل الإجتماعي، بدأ يشوه صورت السيستاني، وكذلك يتهم الحشد المقدس بالقتل "علماً أن العنف الحاصل، هو نتيجة مجموعات مندسة، تابعة للسفارات التي دعمت داعش" وكذلك يبين أن شيوخ العشائر هم سبب الخراب!

 كل هذا يتم تسييره بالعقل الجمعي للمتظاهرين، وهدفه الوحيد ضرب نقاط قوة المجتمع العراقي.

المعطيات أعلاه أوضحت الهدف الفاسد للموساد والمال الخليجي في محاولة تدمير العراق، عن طريق كسر عصى المرجعية، ومايحدث اليوم من حرق وتخريب، مدسوس داخل التظاهرات.. ما هو إلا بداية تحويل العراق إلى ليبيا ثانية.. هل سيتحقق ما تطمح إليه دولة العم سام أم سيكون لإرادة أبناء المرجعية رأي آخر؟

أنطلقت في ٢٥ أكتوبر المنصرم، تظاهرات حاشدة في بغداد ومدن الجنوب، رافعين شعار السلم والسلام.. مطالبين بتوفير الخدمات والإصلاحات، وتطالب بإقتلاع  رؤس  الفساد، التي عاثت الخراب في البلد، تحت شعار "نازل أخذ حقي" .. ورغم أنها بدأت سلمية, لكن شابها العديد من حالات العنف.

الغريب أن مدن ومحافظات  السنة، عرباً وكرداً، لم يبرحوا مكانهم ولم يتظاهروا، كأن على رؤسهم الطير و أن لا فساد عندهم! ..بل وكأنهم يعيشون في باريس وليس العراق.. لماذا يسودهم هذا الصمت، تجاه ما يثار في بلدنا من تظاهرات؟ هل عُمِرَتْ مناطقهم.. أم أستعادوا حقوق أراملهم وقتلاهم.. أو بالآحرى لا يريدون وطنا كالآخرين؟!  كل هذا وأكثر يجعل الشك والحيرة يدبان في قلوبنا.. هل هناك شيئاً يخص مدن الشيعة؟ هل يريدون فتكاً بمحافظات الحشد والمرجعية؟ 

كلها تبقى تساؤلات لها وجهان من الإجابة، بين مؤيد للتظاهرات رافض لفكرة المؤامرة، بحجة أنها تنبع من مرض نفسي، وبين رافض لعنف  الإحتجاجات  مؤيد لفكرة المؤامرة، ودليله إختصاصها بمدن الجنوب فقط..

"نطالب بأسقاط النظام" هذه العبارة التي فاجأت الجميع، لما يتبعها من هرج ومرج لو تحققت و دخلنا حقاً في الفراغ الدستوري، الذي حاربه وبشدة رئيس الوزراء، وقال أنه مستعد للإستقالة لو كان هناك بديل.. وهي نقطة تحتسب له ولحنكته السياسية.. لو فهمها المدركون لبواطن الأمور.

إذاً وعلى طريقة علم الرياضيات، فإن المعطيات تؤكد أن مدن السنة والكرد موافقين على النظام البرلماني، لأنهم لم يشاركوا في الإحتجاجات، أو بالآحرى هذا ما صرح به قادتهم، وكذلك بعض الناشطين في مدنهم.. إذاً لا يمكن أن نذهب إلى إسقاط نظام دولتنا، الذي سيفتح الباب على مصراعيه أمام التدخل الخارجي والحرب الأهلية ربما..

المرجعية الدينية في النجف قالت في آخر خطبتها، يجب أن تكون هناك إصلاحات واقعية، وتحت سقف زمني محدد.. إذا الكل لا يقبل بإسقاط النظام، وإنما يطالب بإصلاحات حقيقية تغير حالنا إلى الأفضل.

التطور هنا يعتمد على ما ستفعله الحكومة، لتلبية مطالب المتظاهرين السلميين والمرجعية، تجاه حزمة الإصلاحات المناطة بسقف زمني وتطبيقها فوراً، لذلك كان لابد منهم التجرد ولو إعلامياً من أي تعنصر حزبي، والعمل من أجل إنقاذ الوضع الراهن، فكان إجتماع الجادرية هو مخاض لا يستهان به.. بحزمة إصلاحات عديدة، وصلاحيات كاملة لعادل عبد المهدي، بشرط أن يحقق كل الأهداف المشروعة بظرف خمسة وأربعين يوماً، و إلا فالإقالة والإنتخابات المبكرة هما الحل الوحيد المتبقي.

خمسة وأربعون يوما، ستكون هي الحد الفاصل والملاذ الأخير للمتشبثين بالسلطة، فأما تحقيق المطالب المشروعة للشعب المنتفض، والتي أهمها تعديل قانون الإنتخاب، الذي جعل السلطة عبارة عن ورث لبعض العوائل، وإصلاح منصة القضاء، التي لم تكن يوماً منصفه في محاسبة الفاسدين، وإعادة هيكلة مفوضية الإنتخابات، التي ما أن تنتهي أصوات الإقتراع، حتى تتراشق الإتهامات حولها.

ظلام الساسة بدأ ينجلي بهتافات المتظاهرين، وأياديهم التي طالما سرقت، بترتها لهم خطبة المرجعية..  ما بقيت من فتراتهم  إلا أيام معدودات، فأما إصلاح شامل للنظام السياسي، أو لن يكون أمام الشعب سوى خيار خلعهم من منصات السلطة لأنه دائماً وأبداً، هو مصدر السلطات.

أكثر ما يمكن أن تلاقيه على رفوف المكتبات في "شارع المتنبي" ببغداد، أو "سوق الحويش" في النجف، هي كتب علم الإجتماع، لما لها من إتصال مباشر بحياة الجماهير..

في إحدى رسائل بريمر لزوجته، يقول  "هذا الرجل الذي يسكن أحد أزقة النجف"السيستاني"، قد أفشل كل الخطط التي جئنا بها حول العراق، وأنه يسبب لي الكثير من الإحباط، رغم أنهم يدعوه بالصامت، إلا أنه قد هزمنا أشد هزيمة"

علم الإجتماع يثبت بما لايقبل الشك أن الفشل ينتج الحقد والكراهية، لذلك لايمكن أن نتصور قبول أمريكا وحلفائها، بالسكوت حول فشل خططهم بسبب مرجعية السيستاني.. فكان لابد لهم أن يزيحوه عن طريقهم واولى خطواتهم هي بأن يسقطوه في أعين العراقيين.

مخاض ستة عشر عاماً من التجربة الديمقراطية العرجاء، أثبت فيها الإعلام أنه أداة الربح والخسارة، حيث يمكنك أن تصنع من "عركجي" مثالا للمدنية والنزاهة.. وأن تجعل "العمامة" مثالا للسرقة والفشل.. لذلك كان لابد من أن تكون هناك قنوات، ومواقع تواصل أجتماعي، لكسر صمام أمان الوطن (المرجعية).

بدأ الممول على "السوشيل ميديا"  يتصيد بالماء العكر، ويحاول أن ينشر كل ماهو مسيء وينسبه إلى العمامة، ودائما مايستخدم العطر الفرنسي والبدلة الأمريكية، لتلميع صورة السكير، ستة عشر عاماً أصبح في العراق صورة نمطية، وأخرى واقعية.

الصورة النمطية تضخمت في عقول الشعب، حتى أصبحت السبحة والعمامة هي سبب فشل كل المؤسسات الحكومية والإجتماعية في الدولة، وأن "السكير" هو الحل لعراق آخر ممكن!

"على الرغم من أن السياسة يشترك بها الكرد والسنة والشيعة، لكن بقيت فكرة تلوح في الأفق مفادها أن الشيعة سبب الخراب..  كل هذا لأننا نشاركهم السلطة، كأننا لسنا أبناء هذا الوطن، ولا يحق لنا أن نشاركهم به!

السؤال الأهم ماذا قدم السكير، وبماذا ضحت العمامة؟

خرج العراق من حرب أهلية، بفضل كلمة صدحت من النجف "السنة أنفسنا" ووئدت بها الطائفية.. أين كان السكير حينها؟!

فتوى واحدة أنقذت العراق من فك الإرهاب الداعشي، الذي تربى وترعرع في كنف العم سام، وأنطلق ليلاقي حتفة على يد العمامة في وطننا.. فأين كان السكير حينها؟

816 خطبة للجمعة، كانت تصدح بمكافحة الفساد، وعدم إختيار المجرب الفاسد والفاشل، ولكن كما قال المثل الشعبي "حب وأحجي وأكره وأحجي"

رغم كل ما فعلته المرجعية، ما زالت عرضة للتسقيط والتشويهة من قبل الأجندات الخارجية، بالأمس كانوا يقصفون مقرات الحشد الشعبي، ويحاولون هزيمتنا بكلبهم الأعور داعش، ويزرعون الشك في قلوب شعبنا تجاه مرجعيتنا الرشيدة، واليوم بيتهم الأسود يصرح من أجل إنقاذ العراق.. غريب كيف يدسون السم بالعسل!!

رغم ما فعلته "العمامة" من أجل العراق، إلا أن أبواق الفتنة أنطلقت بتسقيطها بعد أول يوم من إنطلاق التظاهرات، وقناتهم كانت مثالا للعهر والإنحطاط.

كلنا أستمعنا لخطبة المرجعية الأخيرة، التي طالبت بمحاكمة الفاسدين علناً أمام الشعب.. لم تطالب بأن يتم محاسبة صغار الأسماك، بل كانت تريد أن تحاسب حيتان فاسدة، بقضاء عادل ونزيه.. ولكن كل هذا الذي قدمته العمامة، سوف يصبح طيّ النسيان، وبعد أول عقبة تواجه العراق سوف ننادي.. أين المرجعية، لماذا تصمت هذه العمامة! ما فائدتها في العراق ؟!

النظام الديمقراطي في كل دول العالم، يمر بمخاض ولادة ليرى نور الإستقامة، وغالبا ماتكون بدايته عرجاء إلى أن يترسخ مفهومه في عقول الناس، حيث أن أمريكا موطن الديمقراطية، أحتاجت ثلاثة وسبعين سنة لتفهم أسس ومعالم التجربة الديمقراطية، فكيف الحال بالبلدان النامية؟!

سبعة عقود خاض فيها العراق كل أنواع النظم السياسية، فقد قارع حكم الإستعمار وانتقل تحت رحمة العثمانيين فالملكية ومع رحيل الملك فيصل الثاني بإنقلاب عسكري، وتولي عبد الكريم قاسم للحكم، وسلسال الدم الذي تبعه للظفر بالسلطة.

للنتقل للحكم الجمهوري الدكتاتوري، بقيادة صدام حسين، الذي سطر لوحة في الطغيان، وجعل العراق أكبر مقبرة للشبان، وآخرها النظام البرلماني الديمقراطي، الذي جاء به الشعب، بالأصابع البنفسجية. 

 كلنا يدري أن العراق بعد ٢٠٠٣ أصبح ساحة صراع لدول الجوار، فالعم سام والحاج.. جعلوا العراق حلبة لصراعاتهم، لكن هل كان بلدنا قبل ٢٠٠٣، خاليا من أي تدخل خارجي؟

بالطبع لا.. لأن العراق كان عبارة عن ثكنة عسكرية للولايات المتحدة، التي جعلت صدام حسين يمرح بقتل وتعذيب شعبنا، وهي مجرد متفرج لايعنيه الامر..

أحتجاجات تشرين، التي أنتشرت في بغداد ومدن الجنوب، ماهي إلا ظاهرة صحية، تنم عن زيادة الوعي في فهم التجربة الديمقراطية، لكن هناك بعض المطالب التي يجب أن نقف عليها، لنفهم هل هي من داخل عراقنا، أم من خارج حدوده..

الأولى المطالبة بإسقاط النظام.. والمنطق يحدد التجربة التي تحتاج مئة عام لفهمها، نحاول أن نهدمها في غضون ١٦ عام، فبدل أن نرمم بيت الديمقراطية، نحاول أن نهدمه لإثارة الفوضى، وإشاعة الحرب الأهلية!

نعم.. فالسلاح ليس بيد الحكومة، والبلد خرج لتوه من معركة شرسة، ضد الإرهاب بصورة "داعش" وسقوط النظام، معناه إباحة الدماء في كل أركان العراق.

الثانية تغيير النظام البرلماني: الأطر الدستورية للنظام البرلماني واضحة، ولكن بعض القوى السياسية حاولت أن تلتف حولها من أجل مصالحها الشخصية، وما حدث في ٢٠٠٦ خير دليل على الإلتفاف حول القوانين الدستورية، لن نتكلم عن سوء النظام الرئاسي، لأننا قد عاشرناه لمدة ٣٠ عام من المأساة، ناهيك عن رفض السنة والكرد له، أما مايشاع في الإعلام، أن نظام الدوائر الإنتخابية هو الحل.. فهي مجرد خدعة، لإدخالنا في دوامة اللادولة.

نظام الدوائر الإنتخابية، بما معناه أن كل نائب في المجلس التشريعي، سيكون ممثلاً عن قضاء أو حيّ من محافظة، وسيحاول أن يدافع ويحقق مطالب ذلك القضاء، متناسياً أنه يمثل العراق أجمع، وبالتالي ستضيع الوطنية والهوية العراقية، ويصبح العراق عبارة عن ٢٠٠ عراق أو أكثر.. وهذا يتنافى مع الدستور العراقي، الذي ينص على أن النائب يمثل أطياف الوطن أجمع، بالإضافة إلى أن نظام الدوائر الإنتخابية، سوف يعيدنا إلى حقبة الطائفية والمحاصصة المقيته.

ليس الخلل في النظام البرلماني، لكن الفشل في الشخوص التي أختارها الشعب، والحل الأمثل هو أن تجري تعديلات وفق سقوف زمنية، بين قريب وبعيد الأمد، ليرى الشارع العراقي إصلاحات ملحوظة، حينها يمكن أن يتغير وعينا، حول مفهوم النظام البرلماني.

كل شعوب العالم، يمكنها أن تتقبل أي شيء تدريجياً، لا دفعة واحدة، وهناك عدة أساليب تدفع العقول لتقبل هذا الشيء، حتى ولو كان منافياً لطبيعتهم البيئية أو الإجتماعية.

المدنية الغربية لها جوانب، منها الإيجابي والسلبي، ولها تأثير كبير على فكر الشعوب الحاضنة لها، كونها ستتعمق في تفكيك هياكل المفاهيم الأساسية لها، وتعمل على تجديد بعض المعتقدات، والتي من الممكن أن تؤثر سلباً على حضارة الشعب.

إذا التطور الحداثوي، ما إن يصيب المجتمعات، حتى يقابل بالقبول والرفض، وذلك لما له من تأثير سلبي على الجانب الديني أو الإجتماعي.

أما الجانب الإيجابي فهو يدعوا الى إبداع في الفكر، الذي ينتج من زيادة القراء، مما يحتم إزالة عروش البعض ربما (كالسياسيين مثال) .

إذا بسبب جوانبها السلبي والإيجابي، ظهر لنا رأيان في فكر التطور المدني( العولمة الغربية).

ذهب بعض المفكرين ، إلى أمكانية تجزئة الفكر المدني(قبول الجيد ورفض السيء) وهذا ما لا يتحقق واقعيا لحد الآن وربما يصعب تصور إمكانية حدوثه.

أما الرأي الآخر، فقد نادى به بعض المفكرين، برفض الفكرة ككل، لكن النداء ذهب كأنه نفخة في رماد، أو صرخة في واد..

العادات والتقاليد الإجتماعية، أو الدينية أو حتى المورث الشعبي، لا يمكن له أن يتغير مع تقدم الزمن، فهو مرتبط فسيلوجياً مع أدمغة الشعوب، وبالتالي هو أحد الأركان الأساسية لحضارة هذا الشعب، وبإنتفائه تنتفي حضارة بكاملها، ومن لا يملك حضارة لايملك وطن..

المجتمعات التي لا تحافظ على موروثها، يسهل التلاعب بها فكريا، لعدة أغراض، أهمها  السياسي.

مايحدث كل عام في بداية السنة الهجرية في العراق، هو نتيجة العولمة أو التطور المدني، حيث ينقسم الشارع العراقي إلى قسمين، بين مؤيد للشعائر والتقاليد الحسينية، وبين رافض لها، وهنا تكمن جوانب العولمة السلبية بحذافيرها، حيث يعتبر محرم، من الفترات الذهبية لأدعياء الفلسفة الشباب، وخصوصاً (المتعلمنين و اللا دينيين) حيث يحاولون جاهداً أن يجدوا أقل ثغرة سلبية، لكي يجزموا أن كل الشعائر هي من جهل العقول!

لكنهم لم ينظروا إلى أن في محرم، يبذل الطعام للفقراء، وأن أغلب المنابر تعمل كمنصات توعية، إجتماعية وسياسية للشعب.

الشعائر هي موروث شعبي قبل أن يكون ديني، وله عدة جوانب إيجابية، أما أنتقاص البعض من هذه الشعائر، وتسليط الإعلام على الأمور السلبية فيه، قد يدخل في باب المؤامرة، والعالِم هو العالْم ..

الصين تملك أكبر تجمهر في العالم، وتحتفل سنوياً به، والهند تملك أكبر تمثال لبوذا للعبادة، ورغم هذه العادات والتقاليد، إلا أنهما من الشعوب المتقدمة، فهما متمسكان بحضارتهما.

إذا الشعائر لايمكن أن تؤثر سلباً على تقدمنا، ولكن من يعيق تقدمنا هي عقولنا الراكدة، وأنجراف الأغلبية للعولمة الغربية.