مشروع تجاري
د. ميسون حنا

د. ميسون حنا

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قالت نملة لرفيقتها : منذ الصباح ونحن نجوب أرجاء هذا البيت ولا نعثر على شيء من الطعام لننقله إلى مقرنا ٫ ما السبب في رأيك؟ قالت النملة الثانية: لعل صاحب البيت فقير٫ ولا يملك طعاما . قالت

الأولى : الفقير يحوز على كسرة خبز٫ ولا بد أن تتناثر هنا أو هناك فتيتة تليق بنا . قالت هذا وضحكت ٫ وعندما سألتها رفيقتها عن سبب ضحكها أجابت: الفتيتة تتساقط بإهمال من آيديهم ٫ ولا تلفت

انتباههم ٫ حتى أن طعامهم لا ينقص بسببها ٫ لكن هذه الفتيتة تشكل لنا وليمة فاخرة . قالت النملة الأولى: ما لنا ولهذا الآن٫ لنبحث عن الأطفال ونتبعهم ٫ فكثيرا ما تتناثر من أيديهم ومن أفواههم الولائم .

قالت الأولى بتقزز: أنا أكره وليمة. مبللة بلعاب٫ حتى ولو كان طفلا . قالت الأخرى: لنجد هذه الوليمة أولا ثم نتجادل فيما نحب أو نكره . ثم سكتتا عن الكلام ووقفتا  تمسحان  بنظرهما المكان ولم تجدا

شيئا . قالت إحداهن : أنظري هذه ربة البيت على ما يبدو تمسح البلاط ٫ وهرعتا واختفتا في أحد الشقوق بين البلاط وتهامستا إذ قالت إحداهن: مسح البلاط يمسح الأمل لنا في العثور على شيء ٫ علينا

أن نمنع حملة التنظيف هذه . قالت الأخرى: وكيف نفعل هذا ونحن ضعيفتان ولا حول لنا ولا قوة أمام قوة هذه المرأة ؟ أخيرا تسللتا خارج المنزل إذ لم تجدا وسطا مناسبا لهما للمعيشة .

تشويش

14 حزيران 2020

أمسكت قلمي وتهيأت للكتابة، وأخذت أستعرض أفكاري والقلم بيدي ينتظر، طال انتظاره، فتحفز وقال: ما بالك لا تقودين خطواتي، سئمت من الركود، تحركي. قلت: أنت كنت تسعفني دائما بحلو المعاني، وتسبقني بالمبادرة، قال: كنت أقرأ أفكارك فأتحرك، ولكنك اليوم غامضة، لا أفهم ما يدور في رأسك من عبر، قلت: هي أفكار فقط وليست بالضرورة عبر، فالعبرة هي نتاج عمر عايشناه، وتجارب مرت بنا، وأناس خالطناهم، وكتب قرأناها، ومن كل ما ذكر نستخلص العبر، أما أن يخلو الإنسان مع نفسه لحظات فهي خاطرة وليست عبرة. قال: ليكن، هات ... أسكبي خواطرك، أتحفينا بخاطرة واحدة أزين بها صفحتك. قلت: الخاطرة يجب أن تكون جميلة ليقرأها المرء مع فنجان قهوة الصباح، ويروح عن نفسه، ولكن مزاجي اليوم معتل، قال: لماذا أمسكت بي إذن ما دمت عاجزة عن التعبير ؟ قلت: هي عادتي، أمسك بك كل صباح، وينساب الكلام تلقائيا، أما اليوم فأنا أعلن عجزي، وتقصيري. قال: أنت لا تختلفين عمن حولك، أنتم أيها البشر ناكرون للجميل! قلت: وأي جميل أنكرنا لك؟ قال: قدت خطواتك، وأنرت عقلك، إفتحي دفاترك واقرأي ... لقد بثثتك حلو المعاني، وألهمتك شتى الأفكار، وبحت لك بلواعجي، وكشفت لك عما يختبيء في شغاف قلبي، وأنت تجلسين ممسكة بي ببرود جسد يخلو من روحه. أين روحك لتعبر عن نفسها؟ وأين قلبك ليشف عن ذاته وأحاسيسه؟ قلت: ها أنت ترى، أصبح الإنسان في عصرنا بلا قلب، فيبتلع الكبير الصغير، والقسوة شعار كل متجبر، فيدوس القوي على الضعيف، والبلاد مُنتهكة ومُستباحة للغرباء والمستعمرين، فأصبحنا مشردين في البقاع والأصقاع، نحمل وطننا في قلبنا وهذا بحد ذاته وهم كبير، ونعيش على وهمنا هذا، ونحلم ونكتب خواطرنا العبثية لنرفه عن أنفسنا وما خفي أعظم. قال: ألهذا أنت صامتة؟ قلت: ربما هي تراكمات طفت اليوم على السطح فكدرتني وشلت تفكيري. قال: التفكير لا يتجمد إلاّ إذا أعلن موته، وأنت إذ تعبرين عن اعتلال مزاجك فهو في حد ذاته تفكير! إذن عبري ... فالتعبير يعطيك قوة البوح. قلت: الصمت أبلغ الكلام، دعني وشأني اليوم فقد طفح كيلي وأعلنت صمتي. قال: حسنا سأغادرك اليوم ولكني سأعود غدا، فربما انزاحت غمامتك وحثنذاك سيهطل المطر. قلت: أو الدموع. قال: الدموع هي مداد قلمك، تذكري، سأعود غدا وسيكون لي معك لقاء.

وفي اليوم التالي عاد ووقف أمامي صامتا، قلت: ما بالك حتى لم تلق تحية الصباح؟ قال: أنا اليوم أداة جامدة، فإما أن تنفخي بي الروح فأقول وأبوح، واما تتركيني في حال سبيلي فتتجمد حروفي. قلت: انتقلت عدواي إليك إذن! ولكني اليوم شفيت، وأدركت أن الحياة ستستمر   ، لذا قررت أن أعيشها وأيتسم، فالبسمة تعطينا قوة نواجه بها أكبر المصاعب، قد تقول هذا وهم، ليكن فالوهم حقيقة أيضا، هو الحقيقة الوحيدة التي نتسلح بها أمام هجمات الريح العاتية التي تعصف بأوطاننا ونحن الواهمون الحالمون، نتمسك بقيمنا، ومبادئنا، وسيكون يوم نعلن فيه انتصارنا على الطغيان، تجاهلت ضحكته الساخرة، واسترسلت قائلة: نعم برغم استهزاء الكثيرين إلا أن أحلامنا ستستمر وستحيلها إلى حقيقة، كيف ومتى لا أعلم، فقط أدرك أني اليوم قوية، والبسمة هي قوتي، قلت هذا وابتسمت. قال القلم: سعيد أنا إذ أراك متفائلة فلولا فسحة الأمل لمات العالم، ودنا مني وتأهب للكتابة.

كان يغزل من خيوط الشمس قنديلا يضيء به عتمة البائسين، كاد طموحه يصل إلى السماء، ويرفعه إلى النجوم، حتى أنه ذات يوم رافق غيمة علمته فنون السحر، لعب بالنار دون أن يصطلي بها، وعندما سال المال بين يديه وهب بلا تردد. أحبوه ... وأحبهم، نظروا إليه بحب وامتنان، خبأ نظراتهم في قلبه وقودا للأيام المقبلات وارتضى، أمعن بالرضى فطلب الخلوة، طالت خلوته، ضجر، خرج للعامة، استقبلوه بترحاب، وتفننوا بالتعبير عن اشتياقهم وحبهم، فرحوا به فرحا عظيما استساغه هو إلى درجة أنه أدرك أخيرا مدى أهميته، نظر في عيونهم، لكنه لم ير حبهم فيها كالسابق، بل رأى فقط انعكاسا لصورته في تلك العيون، ثم قرر أن يتوارى بين الحين والحين ليحظى بحرارة الترحيب، وليؤكدوا له حبهم المتجدد، ابتكروا طريقة جديدة بأن يقرعوا الطبول لعل ذلك يدخل الفرح إلى قلبه، استساغ اللحن، ومن باب المشاركة الوجدانية كما اعتقد لوهلة تحول إلى بوق، وعندما سألوه عن سبب تحوله، قال: إنما فعل ذلك ليحافظ على اتساق الألحان وارتضى ... ومنذ ذلك الحين تتبعه زمرة الطبالين فقط، وعندما ينظر في عيونهم لا يرى حتى انعكاسا لصورته فيها، ثم اكتشف أنه أصبح بلا ملامح، أمسك بالبوق ونفخ ليؤكد ذاته، نفخ طويلا عله يستعيد ملامحه المفقودة، نفخ حتى سالت الدموع من عينيه  ... أخيرا رمى البوق وبكى ... والعجيب أن الطبالين تخلوا عنه ببساطة وتركوه يبكي وحده .

قالت المرأة : لنتوجه إلى البئر . علّق الرجل : البئر مكان أمين نأتمن فيه سرنا ولكني لا أظن أن ما نعانيه خافيا على أحد . قالت المرأة : لا أعتقد أن ما تحفظه البئر في جوفها من مصائب خافية علينا ولكنها أقدر منا على الكبت . قال رجل آخر : البئر تنوء بحملها فلا تحملوها المزيد . قالوا: بل صدقت المرأة ، البئر أقدر على الكبت . قال الرجل : ولم الكبت ؟ هلموا نثور ، ونغير ونتغير . قال رجل : أيادينا مكبلة ، وألسنتنا طليقة ولكن لا أحد يسمعنا ، لنبوج للبئر بهمومنا ، هلموا يا قوم . وتحركوا من فورهم ووصلوا إلى البئر ، وسار معهم الرجل مغلوبا على أمره ، وعندما هم شاب بنزع الغطاء ...تردد صدى في المدى ، قال الرجل : الويل من تحذير الصدى . تردد الشاب بينما قالوا : أخطأت التأويل ، وحثوا الشاب على الإقدام ، داعب اليافع الغطاء ، وأزاحه ، ولما فعل ذلك زفرت البئر هواء ساخنا كالحمم ، مصدرة أصواتا كالهدير ، فزع القوم واتسعت الدائرة التي يشكلونها بأجسادهم حول البئر ، وبعد لحظات تنفست البئر الشهيق مبتلعة ما كانت نفثته قبل قليل وكأنها آثرت التريث والصبر . قال الرجل: قلت لكم لا تحملوها المزيد، قالوا: ليس أمامنا خيار آخر ، ثم إن البئر هدأت وتهيأت لاستقبال أناتنا من جديد . آثر الرجل الصمت ... ضيقوا الدائرة وانحنوا برؤوسهم فوق فوهة البئر وتنهدوا بأسى ، فارت البئر وغلت ، تراجعوا مرة أخرى ، وتبادلوا النظرات ، لكن البئر هذه المرة لم تهدأ مما جعل الهواء ثقيلا مشبعا بالزفرات. قال أحدهم : الهواء أصبح ثقيلا على رئتينا ، والأرض هنا ضاقت بنا ، ولا مكان لنا إلا في جوف البئر، لنرمي أنفسنا بين الحمم . قالوا: هو الموت إذن . قال: وليكن موتا جماعيا هيا ... ولم ينتظر آراءهم ، بل اقترب من البئر التي همهمت وزمجرت مما جعل القوم يصرخون : تريث . لم يلتفت ، ورمى نفسه في البئر ، ولكن البئر سرعان ما لفظته خارجها فارتمى بلا حراك ، اقترب شخص منه وقال: هيا نواريه ، وإكرام الميت الدفن . قالوا : نعم لنواري القتيل ، حفروا حفرة ووضعوه فيها ، لكنه انتثر خارجها مما جعل القوم يحارون. قال أحدهم : الأرض تلفظه هي الأخرى وقريبا سيخرج ريحه النتن ، وما العمل ؟ أما هو فلم يكن ميتا بدليل أنه نهض بحماس لم يعهده في نفسه سابقا ، وقال: النتن يعبق في المكان ، لا بد أن هذا ريحكم يا قوم ، تشمم بعضهم بعضا إذ بهم منتنين مما جعل القوم في بلبال ، فكيف يتسلل إليهم النتن وهم بعد أحياء فوق الأرض يتحركون ، وها هو الرجل الذي حاول اغتصاب الموت يحيا أمامهم من جديد ، نظروا إليه مندهشين. قال الموت الكامن في صدورهم : أنتم قاب قوسين مني ، وها أنا أتسلل إليكم من حيث لا تدركون ، ولكنكم اخترتم نكهة من نكهاتي بغيضة . للموت نكهات إذن ، تفكروا في صمت ثم قالوا: أوكلنا أمرنا إلى الله ، وما كان لامريء أن يختار ميتته ، ثم ها هو رجلنا يتحدى الموت ، والموت يتحداه ، وكانوا يقصدون ذاك الذي حاول اغتصاب الموت قبل قليل . ضحك الموت ، وقال: الموت لا يقبل الإهانة ، عليكم بميتة مناسبة إذا كان لا بد من الموت . قالوا : كيف ؟ سكت الموت  ولما طال صمته تحولوا عنه ، وتبادلوا النظرات إذ بعصي تهوي عليهم مما جعل البئر أشد ثورانا حتى أنها قذفت من جوفها الشرر الذي أصاب عصا فتحولت إلى رماد مما جعل الرجل الصامت ينضم للرجال المتأهبين للقتال بحماس لم يشهدوه في أنفسهم سابقا ، أمسكوا الحجارة ، وبدأت المعركة ، سقط قتلى كثيرون ، وعندما هدأ القتال تفسر الأمر واتضح ، وتبين أن للموت نكهة مختلفة ، كان الرجل الصامت قد قتل ، وقتل معه من حاول اغتصاب الموت ، ولم ينته الأمر على هذا الحال ، إذ حتما ستتكرر المعارك ، ولكن الجديد في الأمر أن الناس اكتشفوا أنهم قادرين على المواجهة وأنهم كالبئر قادرون على الصبر والكتمان والتبسم .

قفز هاجسي وزنّ في رأسي أن أتصالح مع الكلمة بعد جفاء دام أسبوعا أو يزيد، فأمسكت قلمي وشرعت أبحث عن كلمات مناسبة تقال لتخفف وطأة الظرف الذي يمر بنا، ويقحمنا لنندمج معه ليس دعما وإنما انقيادا وتبعية، فنحن نخضع له مستسلمين وطائعين، يأمرنا أن نمكث في بيوتنا، ونعطل أعمالنا، ونغلق مؤسساتنا، وأن نقطع صلة التواصل مع أقربائنا وذوينا وأصدقائنا وخلاننا، والمسافة بيننا وبين محدثينا تؤكد سلوكنا الذي فُرض علينا، والهلع يجعلنا نرضى بقيودنا، ولكن عدونا يتربص بنا ولا يحيا إلاّ عندما يحتل أجسادنا لتغدو مرتعا له لينمو ويتكاثر وينتشر، أما إذا حاصرناه بتباعدنا فلا نتيح له فرصة انتهاك أجسادنا فانه يفنى، فالتباعد هو خير وسيلة للقضاء عليه، وعلينا أن نمارسه بصبر وأناة، وبالرغم من الخسائر المعنوية والمادية إلا أننا سنحقق نصرنا عليه ولن نكون تابعين له كما تخيلنا في البداية بل سنقوده إلى حتفه بعزم وثبات، سنقضي عليه بتجاهلنا له، ولكن ماذا عن فيروسات أخرى تعيش حولنا ومعنامثل فيروسات الحقد والكراهية وغيرها؟ فنحن ننسى أننا لو وضعنا رقابة على أنفسنا، وكبحنا جماح غضبنا إزاء توافه الأمور التي غالبا ما تكون سببا لعراك أو مشادة بين خصمين وهميين، وتكرار هذه المشادات سيحيلهما إلى عدويين حقيقيين، عندها ستتراكم الأحقاد، وتوغر الصدور، وتنمو الكراهية، ويحدث التنافر، ومع مرور الزمن سيصبح التغلب على هذه الشحنات يكاد يكون عقيما فيحدث الفراق ... قد نتساءل: هل علينا أن نكون متبلدي الشعور أمام الاستفزاز الذي قد نتعرض له؟ وماذا نفعل مع أعدائنا، ومع من يتعدى على حريتنا، ويغتال حلمنا؟ علينا حينئذ أن نصب جام غضبنا عليه على ألا نستنزف قوانا في الصراخ والشتائم، إنما لنعد أنفسنا لمواجهة ترتقي بنا وترفع من شأننا فنترفع عن توافه الأمور، ونواجه الظلم بالحجة، ونتسلح بالعلم والمعرفة والفضيلة، فلا يستطيع عدونا اختراقنا، ونكون قد حققنا ذلك بصقل أحاسيسنالتكون ميالة للتسامح وسعة الصدر، أما العدو الشرس فننأى عنه، وسننجح كما نجحنا في مقاومتنا للفيروس بالتباعد، علينا كذلك أن نبتعد عن فيروس الحقد بأن نحجزه خلف مدارات تفكيرنا، وهكذا سننجح في أسرنا ومحيطنا، ولكن هل سننجح أمام مغتصبينا ومحتلي أراضينا؟ هذا السؤال المحير الذي يجعلنا نهدم ما كنا بنيناه بالحكمة والتسامح والمحبة، فعدونا يتسلح بالحديد والنار، ومواجهته تتطلب الحزم والإقدام، ولكننا لن ننجح ما دمنا نتلفع بدثارات جهلنا وقلة ثقافتنا، فلن يشتد عودنا إلا إذا أصلحنا أنفسنا من الداخل، وصقلنا شخصياتنا، وبنينا مجتمعاتنا بالعمل الدؤوب، وإلى أن يتحقق ذلك ستمر عقود، حينها سنكون جاهزين لمواجهة أعدائنا الحقيقيين، والله ولي التوفيق .

جلس صاحبنا يتأمل نتائج بحثه عما يسببه هذا الوباء من خسائر مادية ومعنوية، وأجرى إحصاءاته وراجع بياناته التي عمل عليها طاقم كبير ، وما عمله إلا فرز لأدلتهم واستقصاءاتهم ، فكر مع نفسه كيف يجبره هذا الكائن الصغير الذي لا يرى بالعين المجردة لكل هذا الحذر والتقصي ، إنه يتوارى خلف قناع أو كمامة ويدس يديه في قفازات كذلك عندما يتطلب منه عمله الخروج إلى الشارع حيث أنه مصرح له التحرك أحيانا عندما تقتضي الضرورة لذلك .

     في الواقع هو يتوارى من كائن دقيق ، غير ظاهر للعيان ، لكنه يرى فتكه في هزيمة أوقعها ، في فقد حبيب أهلكه ، في مؤسسة لم تدمرها قنبلة أو قصف أو سلاح كما اعتدنا أن نشهد الإعتداءات على بلادنا من قبل متطرفين أو محتلين ، لكن هذا العدو الضئيل ... الكبير ... يجبرنا أن نجمد أعمالنا في مؤسساتنا وإلا فتك بنا ، فنغلقها ونتوارى في بيوتنا ، وأحيانا قد يكون هناك شخص محجور عليه ، وتشاء الصدفة أن تجعله أحد أفراد أسرتنا فيحتجب عنا في غرفته ، ولا نتواصل معه إلا عبر الهاتف مثلا ، وأي تصرف غير مدروس في التعامل معه يتسلل هذا الخفي إلينا ، ونراجع حساباتنا مع أنفسنا لنكتشف كيف وصل إلينا الوباء .

خلاصة القول عندما ترى عدوك في كامل عدته وعتاده يحاربك ، تدرك أنك أمام تحد كبير فتشتبك معه، إما أن يهزمك أو تهزمه ، ومهما كانت النتيجة فأنت ملم بأبعادها ، إذا هزمته سجلت انتصارك ، وإذا هزمك سترسم خطتك لهجوم معاكس يتيح لك فرصة الإنتقام ، أما هزيمتك أمام عدو خفي تقلب الموازين أمامك ، إذ أن هزيمتك تكون أشد إيلاما حيث لن يتسنى لك الإنتقام المحسوس الذي يشفي غليلك .

بينما كان صاحبنا يتخبط مع أفكاره إذ سمع جرس المنزل يرن ، استغرب من يكون القادم إذ أن حظر التجول مفروض على الجميع ، لا بد أن يكون أحد سكان العمارة ، تكرر الرنين مما جعل صاحبنا يفتح الباب ليفاجأ برجل في أواسط العمر ، نظر إليه مستغربا ثم قال : لست من سكان العمارة يا هذا ... من أنت ؟

-أنا ... أنا ...

-كيف خاطرت بخروجك من منزلك والحظر قائم ؟

نظر إليه الرجل بصمت بينما بادر صاحبنا : ما بك ؟ فقدت النطق ؟ أم هو أسلوب جديد لجذب الإنتباه ؟ قال هذا وضحك ضحكة قصيرة ثم أمعن النظر بالرجل الذي كان يقف مرتبكا ، محتفظا بصمته ، قال صاحبنا : هيأتك لا تدل على أنك شحـ ...

سالت دموع الرجل بصمت ، بينما نظر إليه صاحبنا باهتمام ثم قال بلهجة نادمة : يبدو أني تسرعت في الحكم عليك .صمت لحظة ثم قال : أنا على يقين أن وراءك حكاية .

-أنت لم تتسرع ... أنا قصدتك سائلا ، أنا للأسف أقف ببابك شحاذا الآن ... هذا هو الواقع وإن كنت كارها له .

-كيف خطر لك أن تمارس مهنتك في ظرف كهذا ؟

صرخ الرجل : ليست مهنتي ، ثم أجهش بالبكاء . نظر إليه صاحبنا بصمت وانتظار وقد لامس قلبه شفقة عليه ثم قال : لا بأس ، يبدو أني تسرعت مرة أخرى ، أعذرني ولكن ...

تمالك الرجل نفسه وقال : لست شحاذا ، ولا أحفظ عبارات تُتلى لاستدرار عطفك وشفقتك ، قال هذا وأطرق بصمت ، قال صاحبنا : وفر عليك عناء الحديث ، ودس يده في جيبه ومد نحوه ورقة نقدية مما جعل الرجل ينظر إليه بقلق وسخط وارتباك وغضب ، تراجعت يد صاحبنا وهي ممسكة بالورقة النقدية ثم قال : خفف عنك ... أنا على يقين الآن أنك لست شحـ ...

قال الرجل منفعلا : أنا عامل مياومة ، والعمل متوقف ، انقطعت بي السبل ، ونفد المال القليل الذي كان بين يدي ، وأسرتي تتضور جوعا فقصدتك ثم استرسل بانفعال : أنا لم أقصد بيتك بالذات عن دراية بك ومن تكون ! لكن بيتك أول بيت أقصده ، لماذا ؟ لا أدري ، هي الصدفة التي قادتني إليك ، وجعلتني أقف ببابك ذليلا ، ثم صرخ : أنا شحاذ ، أمارس هذا العمل للمرة الأولى .

-لكن ... ونظر صاحبنا إلى الورقة النقدية في يده :أنت رفضت ... أو هكذا هُيء لي أنك ...

-نعم رفضت ... أنا أريد طعاما ، خبزا ، أنت قلت الحظر قائم ، وماذا ستنفعني الدنانير والسوق مغلق ؟... أنا بحاجة لطعام .

-لكن قدومك فيه مخاطرة كبيرة ، أين تسكن ؟

-في الشارع المحاذي لشارع بيتك .

-كيف تسللت إلي ؟

-عميت العيون عني ... لطف الله .

-ولكن قد يعتقلونك .-

-يكون فرج لو فعلوا هذا ، إذ سأجد ما يسد رمقي لهذا اليوم ، ثم قطب فجأة وقال : أعرف أن جوابي فيه أنانية لا أغفرها لنفسي .

-كيف ؟

-قلت لك تركت أسرة جائعة تنتظر .

أدخل ، سأقدم لك شيئا من الطعام .

نظر إليه الرجل باستنكار وغضب ودهشة ، استدرك صاحبنا وقال : سأعطيك شيئا لأهل بيتك ،" لا تقلق ، اعذرني لقد أسأت إليك .

-لا بأس ، لا بأس ... أنا أسامحك ، فقط هات الطعام الآن فأطفالي جياع .

أعطاه صاحبنا ما تيسر من طعام موجود في بيته ، تناوله الرجل بلهفة وفرح ثم غادر  مسرعا ولم يبال بنداء صاحبنا له ليعرف بيته ومن يكون ليرشد إليه ذوي الشأن لمساعدته . أغلق صاحبنا الباب وتوجه للنافذة ليتعقبه بنظراته ، لكنه لم يره ، ولا يعرف ماذا سيحل له في قادم الأيام ، هو يعلم شيئا واحدا، يعلم أنه أمام هزيمة من هزائم هذا الكائن الخفي ، هزيمة مكرورة في كثير من البيوت ، تنهد صاحبنا والتفت إلى جهاز الكمبيوتر ليتابع عمله بصمت واكتئاب .