مشروع تجاري
د. ميسون حنا

د. ميسون حنا

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الكاتبة د سناء الشعلان وهي الروائية والقاصة كتبت مجموعتها القصصية أكاذيب النساء بحرفية كاتب يملك ناصية اللغة لتطوع الكلمات ، وتعزف عليها قصصها لتخرج مجموعتها القصصية المتضمنة خمس عشرة قصة هي على التوالي: مولانا الكذب، أكاذيب النساء، أكاذيب العدالة، أكاذيب مباحة، تخريصات، صهوات الكذب، أفراح التدليس ومصارع الصادقين، يوم صادق مؤسف جدا، كاذبون بمنتهى الصدق، جارتنا أم الخير، روايات موضوعة، كله تمام، أكاذيب الوسط، تضارب أقوال، ألف كذبة وكذبة .

المجموعة القصصية بمضامينها تعري الواقع الأليم الذي تعيشه الأمة العربية من فساد مستشر حد النخاع ، فهي تعري الكذب وتفضح الحقيقة المكذوبة التي يعيشها واقع مهلهل يقلب الموازين لتصبح الأكاذيب حقيقة نتعايش معها رغم أنوفنا ، ومن الملفت للنظر في المجموعة أن الأشخاص الحقيقيين يُقمعون ويموتون، ويُقهرون ، وبرز ذلك في عدة قصص:

1 – في قصة أكاذيب العدالة : حيث تُقتل الحرة التي رفضت الزواج بمن اغتصبها وهو ابن عمها الفحل الذي كما تقول الكاتبة : أينما اشتهى نط . بينما هي المُعتدى عليها تُدان وتُجرم وتُقتل من قبل رجال عشيرتها وبذلك تعلن النزاهة موتها .

2- في قصة للعدالة وجوه كثيرة : حيث تتحدث عن الشخص الحقيقي الشريف الذي يعيش النزاهة في عالم موبوء، بينما المسؤول الفاسد يرفض نزاهته التي قد تصبح شاهدا على وضاعته وصفقاته المشبوهة فيلفق له التهم وينتهي به المطاف إلى غياهب السجن ليموت نبض النزاهة مرة أخرى .

3- في قصة موت العدالة :  حيث تعلن العدالة عن موتها لأنها ترفض أن يكون لها وجوه متعددة ، بل هو وجه واحد مطلق ، لذا نحرت نفسها وذهبت إلى القبر ، وهنا الكاتبة تريد أن تحيي ذكرها في ضمائرنا حيث تقول: ذهبت إلى القبر متمسكة بوجهها الأزلي مهما حاول واقعنا المزيف تشويهها . وهنا تموت النزاهة مرة أخرى .

4- في قصة أقوال مأثورة: حيث يعلق بطل القصة الأقوال المأثورة على حائط غرفته ، مثال: الحيرة هي السيرة المشتركة للباحثين عن الحق . لذا اختار أن يعيش حالة الضياع بين ما يحفظ من اقوال لا تُطبق على أرض الواقع، أخيرا يطلق الرصاص على نفسه لأنه أشجع من أن يعيش حياة المهزلة وهكذا تنتحر النزاهة مرة أخرى .

5- وفي قصة تخريصات : حيث تُحاك الشائعات بدقة وتسلسل حول شريد تعيس ، ومحسن لطيف يجود عليه ببعض الطعام ويحادثه أحيانا ، وهنا تبدأ الشائعات تُحاك حولهما حتى يُصنع منهما قائدي حركة تخريبية هما بريئان منها ، وتُلفق الشائعات بفنية محترفة حتى تنتهي في نهاية المطاف بالحكم عليهما بالإعدام ، ليعلن الوطن انتصاره المزيف على عصابة حسن كامل (الشريد) ، ومراد (المحسن) وبذلك يموت شعاع الأمل أيضا في هذه القصة .

6- في قصة أفراح التدليس ومصارع الصادقين ، قصة فيما ورد في باب أكاذيب الغواني وترهات الشطار :

حيث سُطي على القبيلة بينما غاب رجالها إلى الحرب ، والعصابة الساطية استباحت نساء القبيلة اللواتي لم يتمنعن كما فعلت الحرة التي نحرت بخنجرها رقبة المُعتدي ، فيقتلونها جزاء عفتها ونزاهتها ، وهكذا تُقتل المرأة التي حافظت على شرفها حتى لا تفضح بشجاعتها وعزتها تفريط نساء القبيلة بشرفهن ، وهكذا تموت النزاهة أيضا .

7-في قصة يوم صادق مؤسف جدا : عندما يفوز موظف الدائرة الضريبية التي يرأس قسم الجباية فيها برحلة حج من أحد المراجعين للدائرة، ويعجز أن يبيع الهدية فيقرر أن يستفيد منها حتى النهاية فيقوم برحلة حجه ، وفي الحج يتعرى المرء أمام الخالق فيرى نقائصه ويقرر أن يولد من جديد تائبا ، طاهرا، نقيا ، فيرفضه المجتمع بولادته الجديدة، ويتنكر له أهل بيته ، ويُحارب في عمله ، وأخيرا يستسلم ويتراجع عن توبته في مجتمع موبوء ، وهكذا يموت الصدق إذ يعلن حجنا انتماءه لعالمه القديم، عالم الكذب الذي هو الحقيقة الفعلية التي نعيشها ، فتموت النزاهة وتوأد في حينها .

8- في قصة أكاذيب الوسط : قصة أوراق ميت : حيث عندما خرجت إلى النور مخطوطة الأديب العجوز المدفوع على أبواب الوسط ونُشرت بدعم من جهات رسمية كثيرة ، بعد أن نُقش عليها اسم شخص آخر في الوسط بدل كاتبها الأديب المبدع الذي رفض أي ناشر عمله الأدبي دون مقابل ، وهكذا يعلن الأديب عن موته ويولد مكانه أديب مزور، ويقبل الأديب الجقيقي بهذه النتيجة مقابل أن يرى عمله النور، وهو موت النزاهة أيضا .

9-وفي القصة السادسة من ألف كذبة وكذبة هناك انتحار من حاول السعادة وعاش زيفها ، وعندما وُجد منتحرا تاركا رسالة مكتوب فيها : هذا عالم تعس لا يُطاق ، وهكذا ينتحر النزيه قهرا .

10-في القصة التاسع عشرة من ألف كذبة وكذبة : حكاية الذي لم يعش حياته كما تمنى ولكنه مات كما يشتهي ليبقى خالدا في ضمائر الناس وكأن الناس تريد أن تخلد الصدق والنزاهة فتدفع حياتها ثمنا لذلك .

11- في القصة الخامسة والعشرين من ألف كذبة وكذبة : يُعلّق النزيه على عود المشنقة ليموت شريفا فيتمنى خصمه لو كان هو المشنوق الذي يحظى بحب جماهيري ، فقد عاش بطلا ومات بطلا وهنا موت النزاهة أيضا .

أخيرا في القصة الإحدى والثلاثين من ألف كذبة وكذبة ، وأنا أعتبر هذه القصة الأهم في المجموعة ، حيث تفترض الكاتبة أنه لو تمكن علم هندسة الجينات أن يهندس البشر المتميزين ، النُخب من قادة وفنانين ، ومبدعين، وعلماء، لاختفى من العالم ما اسمه غير النخب وبذلك تبدو الحياة رتيبة ، مملة، وتفقد رونقها إذ لا مقارنة بينها وبين نقيضها الميت ، وهكذا تفقد معناها ، ويبهت نقاؤها، بل يفقد قيمته ، حينها سيشعر الناس أنهم بحاجة إلى عالم جديد فيه شرور حيث تتضح معالم النقاء وجمال الكمال بالمقارنة مع النقيض الشرير، وهكذا سيجدون معنى لحياتهم إذ سيناضلون من أجل الحفاظ على نقائهم بمحاربة الشر .

نحن لا نطلب عالما شريرا ؟، ولكننا بقليل من الشر سنضفي إلى حياة النزاهة الرونق . نحن بحاجة إلى النزاهة التي تكاد تكون معدومة في واقعنا الحالي .

المجموعة القصصية تذرف الدموع على واقع أليم ، وتتخبط وهي تبحث عن القليل من النزاهة التي غالبا ما توأد ليتخلد ذكرها ، هي في الحقيقة لا تموت إذ تحيا في ذاكرتنا وضمائرنا ولكننا بحاجة لها حية بيننا . وأخيرا لا يسعنا إلاّ أن نتضرع للإله ليصلح قادتنا ليقودوا دفتنا نحو الصلاح الذي تحلم به الكاتبة ويحلم به كل مواطن شريف .

1 لغة العناكب

 

الغنكبوت بمشاركة أنثاه ينسجان بيتهما بعناية فائقة . انزلقت قدم العنكبوت ، علق على نتوء خارج حدود نسيجه ، الأنثى تواصل الغزل بهمة، انتبهت لابتعاده ، أشارت إليه أن يوافيها في الحال، أشار إلى قدمه المغروسة في النتوء، لم تفهم، وأنكرت عليه تلكؤه ، بينما رفض هو لا مبالاتها ، شتمها، شتمته، توعدها. قالت بتحد: إقترب يا ملعون .

أشار إلى قدمه ، اقتربت هي بوحشية لم يعهدها فيها من قبل، انقضت عليه، سحبها بعنف نحوه، انغرست قدمها في ذات النتوء، علقا معا ...

قالت: بلوتني.

ضجك بشماتة، شتمته بحدة، واصل الضحك بصخب وجنون ، تردد صدى الضحك في الفضاء... ابتهج، أحس أن الكون يشاركه بهجته، ضحك أكثر، ضحك حتى شهق شهقته الأخيرة، وارتمى بلا حراك، كانت أنثاه قد سبقته هي الأخرى إلى العالم الآخر .

 

2 ثلج

 

المارد الذي في أعماقه قابع في سكون ، أحس الرجل ببرودة أطرافه، أدرك أن المارد تحول إلى لوح ثلج. دوي الرصاص في الخارج ... تناثر الغبار في الفضاء ، واندلعت ألسنة من اللهب، قفز الرجل واقتحم الحلبة، سخونة تلفحه وتحرق الجلد، والعجيب أن البرودة في شرايينه وقلبه لا تتأثر بسخونة الأجواء. أمسك بشظية ملقاة، شدد قبضته عليها لعل حرارتها تنفذ إلى قلبه دون جدوى . عثرت قدمه بأشلاء إنسان، حدق باهتمام ، لملم الأشلاء في ذهنه وجمعها، تمثلت أمامه بصورة شخص ، نظر إليه بذهول، لقد كان صورة طبق الأصل عنه هو ، متى تمزقت أوصاله هو لا يدري، فقط أدرك أنه تحول إلى قالب ثلج تعجز النار أن تذيبه .

 

 

 

3 بحر الرمال

 

حفن الرجل حفنة من الرمل وبسط يده ، وأخذ يتأمل الرمل المتطاير من يده بفعل الريح ويضحك ، ثم أصبح يحفن الرمل ويضعه على شعره  وينفض رأسه فيتطاير الرمل حوله، بعد ذلك أخذ يدور حول نفسه مبتسما ثم قال في سره: عندما أتخلص مما يعلق بشعري من الرمال أشعر بنفسي خفيفا بلا هموم. وضحك لهذا الخاطر ولكن سرعان ما اكتست صفحة وجهه غمامة من الأسى ، وقال: يلزمني بحر من الرمال وبكى .

اشتعل القنديل المعلق على شجرة في الطريق العام، أمر بإشعاله شيخ البلد لتستنير الناس في طريق أوبتهم من نهار مضن قضوه في أعمالهم المختلفة . قال رجل عندما لمح القنديل : شيخ البلد عطوف إذ يأمر بإنارة الطريق لئلا يعثر أحدهم أو يصاب بأذى في الليل الحالك . قال آخر: المهم زيت القنديل الذي سيقتطع من مؤونة أبنائنا . قال آخر : لنتناوب المسؤولية جميعنا ، وهكذا لن يقع العبء على أحد دون غيره .

وافق الجميع على اقتراج الرجل ، وكان كل واحد منهم يملآ القنديل بالزيت بانتظام . وذات يوم في طريق أوبتهم كان الظلام حالكا والقنديل مطفأ ، إذ أن أحدهم قد تخلف عن دوره وبعد تدقيق في الأمر تبين أن الدور كان لوجيه مرموق ، وعندما سئل عن سبب تخلفه ، قال: أمركم لا يعنيني ، وأنا إن أردت أن أنير دربي حملت قنديلي بيدي ، والويل لمن يتبعني بقصد الإستنارة . نظروا إليه باحتقار إلاّ ذلك الرجل الذي تقدم منه مهددا قائلا: إياك يا هذا أن تمر بدربنا حيث نعلق قنديلنا ، فالنور منه عليك محرم كذلك . قال الوجيه بسخرية : دربكم لا يلتقي مع دربي .

قال عبارته وغادر بلا مبالاة وتجنب المرور في تلك الطريق بالذات . بعد مدة من الزمن ، أمر شيخ البلد بإنارة جميع الطرق ، تناوبت الناس مسؤولية تغذية القناديل بالزيت ، واستثني الوجيه من نوبته على ألاّ تطأ قدماه هذه الطرق، قابل الوجيه الأمر بازدراء في البداية ، ثم أخذ يسلك الطرق الملتوية الوعرة، وأخيرا شوهد يتسلل خارج البلدة حاملا قنديله بيده ، وصل إلى بلدة مجاورة ، طريقها مظلم ، تقدم بحماس وعلق قنديله على جذع شجرة في طريقها العام ، ومشى وسط الجموع التي رحبت به وشكرته على تفانيه في خدمة المصلحة العامة ، والغريب أن الوجيه صدق ذلك ، بل وتعجب لتنكر الناس له فيما مضى .

وهم

30 آب 2019

الإنسان بطبيعته يرفض الموت، في الحقيقة إن معركتنا مع الموت معركة خاسرة ، فالموت حقيقة لا حياد عنها ، ولكننا بلا وعينا نحارب الموت فنتمسك بالبعيد الموغل بالقدم ... نعشق الآثار ونسعى لاكتشاف حقيقة الماضي ، ونبحث وننقب ... هذه كلها إشارات نتحدى بها الموت .

الإنسان بعد موته يتحول إلى ذكرى سرعان ما تخبو وتندثر ما لم يدعمها بعمل يخلده ، فكانت الآثار أو فن العمارة الذي أبدعه الأسبقون وتحول إلى آثار في عصرنا الحالي ، هذه الآثار تقف شامخة لتقول لنا ها نحن قوم نبقى بينكم برغم عظمة الموت الذي غيّبنا ، لكننا أصررنا على البقاء ، فها نحن نتحداه ، أما حياتنا القصيرة التي اغتصبها الموت ما هي إلاّ وهم وضلال . وعندما نسمع همسات الأقدمين وهم يخاطبوننا من خلال آثارهم نتأثر بهم ونقر أنهم امتداد لحياة ما بعد الموت ، فإبداعهم يشهد لهم ويبقى موتهم شاهدا على حياة زائفة أعلنت بطلان زيفها بعد الموت عندما أطلّت علينا ببصمات خالدة ، ونحن أبناء هذا العصر نعشق الآثارلنعبر عن رفضنا للموت ونقول نحن امتداد لتلك الأقوام التي شيدت هذا الفن الخالد . إذن عشقنا للآثار هو تحد للموت وتمسك بالأبدية والخلود ، ولكن الإنسان في عصرنا الحالي وأخص وطننا العربي وفي العالم الثالث عموما لا يُترك له المجال ليبدع ، فالإحتلال والحروب وضنك العيش والاضطهاد الذي نعيشه يقف حائلا أمامنا ولا يترك لنا الوقت والطاقة للإبداع ، فنشأ بيننا إبداع جديد ، فنحن نبدع في الفتك ببعضنا ، ونقتتل فيما بيننا ... تبقى الطبقة المسحوقة التي تفنى وهي تلهث خلف لقمة العيش ، نحن نعيش حياة مهمشة زائفة . الإنسان في عالمنا العربي غريق يتعلق بقشة ، وقشتنا تلك الآثار الموغلة في القدم ، نعشقها ونعشق وهمنا إذ نتمسك بعشقنا هذا ، ولا يبقى بعد موتنا إلا أبناء يذرفون الدموع .

هاجس

 

إتاء فارغ ملقى على الطريق،  نظر إليه الرجل  ، وفكر: ربما آخذه إلى بيتي وأجمع فيه ثروتي . ثم تذكر أنه لا يملك من الدنيا غير شجرة زيتون. قال: أخلل فيه زيتوني إذن . تناول الإناء ومضى ، ولما وصل إلى مقره لم يجد الشجرة مكانها، تلفت حائرا كيف اختفت ؟! أغمض عينيه ، رآها في مخيلته ، تذكر أنه دائما كان يراها في مخيلته فقط. حاول أن يرى الإناء في مخيلته أيضا ، استعصى عليه الأمر، فتح عينيه ، الإناء فارغ أمامه ، هذه هي الحقيقة ، ابتسم بفتور ، هزَ الإناء بعنف أراد أن يكسره  ، تردد.... وضعه أخيرا بسكون ، ومضى يواصل يومه بملل ، وأرجأ أحلامه للمساء .

 

 

الشجرة والنعش

 

غرس الرجل شجرة في حقله ، وبينما كان يسهل التراب ليثبتها في الأرض ، أينعت أوراقها، عجب الرجل لهذه السرعة المذهلة في نموها ، وما أن رفع حاجبيه علامة التعجب حتى أزهرت ، وما أن تبسم حتى تدلت الثمار ، عزم أن يجمع الثمار بسرعة ، ولكن الشجرة كانت أسرع منه إذ جفت الثمار بسرعة ، ولكن الشجرة كانت أسرع منه إذ جفت الثمار ، وتساقطت فوق رأسه تالفة، لا نفع فيها، حصل ذلك في سرعة قياسية رهيبة، وفجأة بدأت الأوراق تتساقط، نظر مستبشرا، وقال: لن يطول خريفها ، إذ سرعان ما ستعاود الإنتاج، شمّر عن ساعديه، وتهيأ لجمع الثمار، طالت وقفته، لم يقطع الأمل، انتظر ....انتظر طويلا ، غزا الشيب مفرقيه ، وتقوس ظهره ، وهو لا يزال ينتظر أمام الشجرة ينظر إلى الأغصان في الأعلى ، وخشوع يملأ صدره لله الذي أنعم عليه بهذه الشجرة العجيبة .

وذات صباح عصفت ريح بعنف لم يشهده في حياته ، هزت الرياح الشجرة ، وبسرعة مذهلة تحطمت وكأنها لم تكن ، والعجيب أن الريح لم تزعزع الرجل من مكانه، بقي ثابتا ينتظر نمو الشجرة إذ بقي جذرها تحت الأرض، ولكن تحولت نظراته من الأعلى إلى أسفل .... يرقب بزوغ الساق، تكور الرجل ، وأصبح رأسه في مستوى قدميه ، وهو ينظر بلا ملل إلى الأرض ، تجمد ، وتوقف النبض في عروقه ، وعبثا حاولوا مدّه في نعشه ، إذ بقي متكورا، وحملوه وهو يتدحرج فوق نعشه ، وكان أعجب نعش عرفته الناس في ذلك الزمن .

1 الآفعى

شوهد أحدهم في مكان ناء بعيدا عن ضوضاء المدينة ، إذ بأفعى تعترض طريقه قائلة : هذا مرتعي وانت متطقل علي بمجيئك هنا . قال: أنا هارب من واقع أليم . قالت : كيف ؟ قال: هنا أتنفس الهواء وهناك حيث كنت الهواء يتنفسني ، ضاق صدري فأتيت . قالت: صدقت ، وبسرعة البرق تبادل كل منهما موقعه، ومن يومها وهو يبكي لأنه فقد آدميته ، وهي أخذت تعتلي المنابر لتخطب عن الغدر والخداع الذي شرّد ضعيفي النفوس ، وثوب الأفعى الذي يرتديها يكذّب ما تقول ، ومع ذلك الناس تصفق بحرارة .

 

2 فراغ

 

نظر الرجل إلى شجرة أمام بيته، قال: هذه الشجرة غير مثمرة وعلي أن اجتزها ، وبدأ يضرب بفأسه حتى تهاوت . وفي اليوم التالي نظر إلى مكان الشجرة المقطوعة ، وقال: كانت ظليلة ، وعلي أن أعالج الأمر ، وغرس غيرها . وفي اليوم التالي تناول فأسه ، واستمر على هذا الحال يزرع ويقتلع وهو من حيث لا يدري كان قد أوجد لنفسه عملا يسد فراغه الخارجي تاركا فراغه الداخلي يتسع .

 

 

 

 

 

 

 

 

3 التمني

 

ماذا ستجني من أحلامك غير التمني ، نظرات شبقة من رجل جائع ألى رغيف خبز يابس مُلقى على قارعة الطريق ، وُجد في هذا الحيز بالذات لاستفزاز من لا بتقن التمني ، نحن شعب نتمنى فلا نُقهر.