مشروع تجاري
عدنان أبوزيد

عدنان أبوزيد

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

انتقل عصر الخبر النقلي، من الصحافة التقليدية، الى وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح يُبث من موقع الحدث

عبر الموبايل، صوتاً وصورةً، من دون الحاجة الى مراسل متخصّص.

هذا التطور، أنهى خصوصية الصحيفة في التفرد، الا في النادر القليل، كما اختزلت سرعة الارسال والنشر، الزمن، وباتت الاخبار تنشر على مستوى واحد من الوقت تقريبا.

الصحافة الغربية، التي تُموّل نفسها، في الغالب، من عائدات انتاجها، ادركت هذا التحول المفصلي، فسعت الى جذب القراء والحفاظ على مستويات الاهتمام، باعتماد التقارير الخاصة، والتحقيقات المبتكرة، والعمود الصحافي، وهي نوافذ

تنسجم مع التطورات الجديدة، ما دفع الصحافة الغربية الى الاعتماد عليها، ان الصحيفة الرقمية او الورقية مهما بذلت الجهد في الخبر، فأنها لن تتفوق كثيرا فيه، لعدم قدرتها على تحقيق التميّز، بحكم انتشاره اللحظي عبر التقنيات الحديثة.

 

أصبح العمود الصحافي، وهو المساحة الحرة التي تضعها الصحيفة أمام الكتّاب بنافذة محددة لا تتجاوز بضعة سنتيمترات، سمة مهمة للصحف، لكي تتمّيز.

وقد حرصت الصحف الغربية، على ابراز اسم الكاتب وصورته، كي تؤكد للجمهور، انّ الرأي يعبّر عن وجهة نظر كاتبه، حصرا، وان مهمة الصحيفة ايصاله الى الجمهور.

وفي أسلوب مماثل، شرعت صحف غربية في التركيز على التحقيق الصحافي الذي لا تستطيعه مواقع التواصل والتراسل الفوري، بانتقاء المواضيع الثرية المضمون، والتي تحلّل الظواهر وتستقصي ما وراء الاخبار.

 

على هذا النحو، تحافظ الصحف الغربية على القراء، لكنها في ذات الوقت، تقف على خط المواجهة لانها تطرح

آراء ووجهات نظر، لتصبح ساحة صدام بين الأيديولوجيات، على الرغم من حرص الاعمدة والتحاليل والتقارير على

النصوص الاحترافية، الخالية من اللغة المسيئة او الاتهامات، حتى المبطّنة منها.

 

في العام 1801، بدأت صحيفة "نيويورك بوست" على يد ألكساندر هاملتون منصتها التي أعلن منها الحزب الفيدرالي وجهات نظره، بما في ذلك الهجمات على الخصوم وفي مقدمتهم، توماس جيفرسون.

كان ديدن الصحافة الأمريكية المبكرة، هو التحزب، ويمكن القول ان الأحزاب السياسية هي التي أسست الصحافة اليومية، في وقت مبكر من القرن التاسع عشر. وبمرور الزمن تحررت الصحف من سطوة الأحزاب، نحو الاستقلالية.

ولكي تتخلص اكثر من هيمنة الأدلجة، اكتشف طالب طب شاب يدعى بنيامين داي في ثلاثينيات القرن التاسع عشر أنه إذا أنتج صحيفة رخيصة، فإن المزيد من الناس سوف يشترونها، وهذا يعني فرض المزيد من الرسوم للحصول على إعلانات العملاء، و كانت صحيفة Day’s New York Sun أول جريدة نجحت في الابتعاد عن التمويل الحزبي.

ومنذ ذلك الوقت، باتت فكرة الحياد هي الهدف والوسيلة، كما كان العمود اليومي والتحليل والتحقيق الخاص، هو الذي يميز صحيفة عن أخرى، ويبرز هويتها.

 

وأسّس هوراس غريلي، في العام 1841 لفكرة فصل التقارير الإخبارية عن التحقيق و كتابة الرأي، في صحيفة "نيويورك تريبيون" ومنح للرأي صفحته الخاصة، وجعل من تحقيق الواقع الاستطلاعي، "المانشيت الرئيسي" اليومي.

و أطلق غريلي، أيضا فكرة المقال "Editorial" وهو العمود الذي يقدم رأي المؤسسة في الاحداث، على رغم الحياد الذي تلتزمه الصحيفة.

 

وبحلول أوائل القرن العشرين، تمتّع الكتّاب بمساحات اوسع في الصحف، وابرزت الصحف صورهم، للإشارة إلى القراّء بأن هذا هو رأيهم، وليس تقريرًا إخباريًا.

 

على هذا النحو، اكتسحت أعمدة الصحف الشهيرة، عالم النجومية، مثل الشاعرة الهزلية فرانكلين ب آدمز في صحيفة "نيويورك تريبيون" في عشرينيات القرن العشرين، و "إل إتش مينكين" في الثلاثينيات والأربعينيات. ووصل عدد قراء "وولتر ونجل" الذي نشر عموده في الصحيفة من 1920 حتى 1960، إلى نحو 50 مليون شخص في اليوم. واستمر هذه الاهتمام الشعبي بأعمدة كتاب مثل جورج ويل، وتوماس فريدمان، وجيل كولينز.

 

سوف تصمد الصحافة التقليدية، إذا ما حافظت على العمق في البحث عمّا وراء الخبر، بالعمود والتحقيق والتحليل، مهمّشة الاخبار، التي سوف تختص بها وسائل التواصل الفوري.

يتذمّر بعض العراقيين من الضريبة، ويتمنون لو انهم لم يدفعوا حتى فواتير الماء والكهرباء، متذرّعين في العموم الاغلب بسببين رئيسيين، الأول، ان العراق بلد نفطي، فلا حاجة اذن لدفع الضريبة للدولة، والسبب الثاني، انّ لا خدمات مناسبة، وبالتالي، لا وجوب على المواطن، الدفع.

 

لست متخصّصا في الاقتصاد، والنظام الضريبي، لكن تجربتي في العيش في الغرب على مدى عقدين، تعزز مصداقية قدرة واردات الضريبة على بناء البلدان، وكيف يخلص المواطن لها، ويمتثل للقوانين الصارمة بحق كل من يتخلّف عن الدفع، حتى صار التهرّب الضريبي، من أكبر الجرائم التي يعاقب عليها القانون.

 

بعيداً عن التفاصيل الدقيقة، فانّ الموظف في بلد مثل هولندا، يتقاضى راتبا شهريا بنحو الـ 4000 يورو، يتوجب عليه دفع نحو 1300 يورو، ضريبة عمل. وفي المجمل العام فانّ الفئة ذات الدخل الذي يتراوح بنحو العشرين ألف يورو، يتوجب عليها دفع ضريبة بنحو 35 بالمائة، أي ما يزيد على السبعة آلاف يورو، تقريبا.

 

المواطن الهولندي، صاحب معدل الدخل المنخفض (زهاء 1700 يورو)، وكذلك العاطل عن العمل الذين يتراوح معدل دخله بنحو 1400 يورو، يدفع الضرائب والفواتير، بشكل منتظم، وآلي، ولا مجال للتسويف، او التأخير عن السداد، بسبب الغرامات الهائلة التي ينجم عنها والتي تصل بين 30% إلى 60%، من اجمالي المبالغ غير المصرّح عنها.

 

لا مفرّ من دفع ضريبة العمل، التي هي من اهم موارد الخزينة الوطنية، فيما ضريبة التأمين الصحي تحتل نسبة 15% من إجمالي الراتب. ولا أنسى الإشارة الى التأمين التقاعدي ونسبته حوالي 10% من المعاش الشهري، وتأمين البطالة ونسبته نحو 2% من الدخل الشهري، فيما تأمين الرعاية يصل الى زهاء 2% من إجمالي الراتب، فضلا عن انّ مجموع الضرائب على تلوث المياه والقمامة، واقتناء كلب في البيت، تصل الى نحو الخمسة يورو شهريا.

 

لا يقتصر الأمر على ذلك، اذ لا يتبرّم الهولنديون، لاسيما رجال الاعمال والتجار، من الرقابة الضريبية، وهم يتوقعون التفتيش والتدقيق بشكل دوري ومنهجي، فيما لا مفرّ أمام الموظف العادي من الادلاء بتصريحه الضريبي، نهاية العام، تفاديا للغرامة.

 

بعيدا عن الضرائب المباشرة، وددتُ انْ يطّلع المواطن العراقي على ما يسدده الفرد من فواتير في بلد مثل هولندا،

فعلى افتراض ان معدل الدخل هو في حدوده الدنيا، أي نحو 1600 يورو، فانّ عليك ان تسدد أجور السكن البالغة

نحو الـ 400 يورو شهريا، والتأمين الصحي بحوالي 80 يورو للشخص البالغ، وتأمين اثاث البيع بنحو 10 يورو شهريا، وضريبة السيارة البالغة نحو الـ 30 يورو شهريا، وتكاليف الماء بنحو الـ 10 يورو شهريا، والكهرباء، بنحو الـ 100 دولارا شهريا، والانترنت مع التلفاز بحولي 50 يورو شهريا، فضلا عن أعباء مالية أخرى.

 

بعد كل هذه الأرقام تبدو المقارنة ممكنة، مع الواقع في الداخل العراقي، والعمل على تطوير قوانين الضريبية في العراق،

بما يجعل المواطن يتمكن من الدفع، بعد ان يكون قد عزز ثقته بالدولة، ومؤسساتها، وبعد ان يشعر بان ما يدفعه ينعكس بشكل جلي، على توفير الخدمات من ماء وكهرباء وانترنت وطرق وبنى تحتية، عندئذ، سوف نجد مواطنا إيجابيا في تفاعله مع الواجبات المالية الملقاة على عاتقه، تجاه الدولة.

 

حدّثني خبير مالي عن انّ أول قانون للضريبة في العراق كان في العام 1927 ، تلاه قانون 113 العام 1982، ومنذ ذلك الوقت، لم يشهد التشريع الضريبي أي تجديد، فيما فعلت الحروب والأوضاع غير المستقرة فعلها في انهيار اليات الجباية الجدية.

 

 

 

لنعترف بان الثقة المتبادلة، هي الأساس في نجاح النظام الضريبي، فحين يشعر الفرد بان الضرائب التي يدفعها ستتحول الى مشاريع خدمة وتطوير، فانه سيكون أكثر تعاونا مع النظام الضريبي، لا يميز بين الفئات الاجتماعية، ولا يهدر المال العام، سواء عبر الانفاق غير الصحيح، او الفساد.

لا يزال النصْب "العراقي" في العاصمة الهولندية، أمستردام، ويجسّد "أشلاء" سيارتين مفخختين جلبتهما منظمة ( أي كي في ) الهولندية للسلام، من بغداد، يجذب الزوار، مذكّرا بإرهاب عمّ أنحاء العالم، واستقرّ في العراق، بشكل خاص.

 

وإذا كان مستوعَبا، أنّ هذه النصب المتفرّد، المثير للمتابع الغربي، هو ادانة لعمليات القتل بواسطة تفخيخ الاشخاص والسيارات في الساحات العامة، لقتل أكبر عدد ممكن من الناس، الا انه يكشف عن غياب "الاستثمار" في العراق لمرحلة العنف التي مرّ بها، وانحسار كتابة التاريخ بالنصب والتماثيل، وصناعة الرموز، التي تساهم في وحدة الصف ونبذ العنف والفتن القومية والطائفية، عن طريق استذكار مآسيها وضحاياها.

 

وإذا كانت مفردة "المفخّخة" مخيفة بعض الشيء، للجمهور الغربي، غير إنّ عرْض هذه الهيكل الحديدي المتهالك، في ساحة (لايدسه بلاين) في قلب امستردام اضفى على المكان "روعة" خاصة، لأنه أصاب الغاية، عبر التقاط صورة "دخيلة" على البيئة الهولندية، "تذكّر الجميع بانّ السلام واجب عالمي، وانّ على الشعوب التعاون من اجل ذلك"، وفق مستطرق هولندي وصلت كلماته الى مسامعي، حيث أقف الى جواره.

 

استنهاض ذكرى الويلات، بالأشكال الجمالية والنصب الفنية، بات ضرورة تحتاجها مدن العراق، كي لا تنسى الأجيال، معاناة الآباء والاجداد، ولعل البلدان الاوربية سبّاقة في هذه المجال، فلم تترك موقفا تاريخيا، سواء في السلام او الحرب، إلاّ، وجسّدته بأمانة، اعترافا منها بأهمية تحويل التاريخ الى إشارات مادية حاضرة.

 

لم يعد التاريخ سجلا ورقيا في رفوف المكتبات، أو مخزونا رقميا في أجهزة الحواسيب، بل حالة يومية يعيشها الانسان

وهو يتجول في ميادين المدن الكبرى التي تضم صروحا ونصبا وحدائقا، تؤرّخ لحدث أو تذكّر بشخصية، فيما لم ينسحب

التاريخ العراقي الى الآن على الحالة اليومية، وساحات المدن، ليستقر الى حدود كونه كتابا مدرسيا، او بحثا في الجامعات، لا يتعدى في أهميته، حدود الدرس والبحث.

 

أنشأت اليابان متحفا للسلام في هيروشيما في حديقة قرب مكان سقوط القنبلة الذرية، يعرض تفاصيل الضربة التاريخية، ودمار المدينة، بأحدث الاجهزة السمعية والبصرية، وفق بناء معماري، مهيب.

 

وحوّلت حكومة المانيا الغربية ملجئا للحماية من الصواريخ النووية، الى متحف يصوّر فترة الحرب الباردة.

 

واقيم نصب تذكاري في واشنطن لضحايا الحقبة الشيوعية، لاستيعاب دروس الحرب الباردة، حيث "الشر والكراهية أديا إلى مقتل ملايين الأشخاص في القرن العشرين"، وفق تعبير الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، الابن.

 

بل إنّ الولايات المتحدة خلدّت ذكرى 4 آلاف كلب نفقوا في الحروب التي خاضتها خارج حدودها.

 

وفي لندن، يرتفع في الفضاء، نصب تذكاري لتكريم الحيوانات والحشرات التي تحمّلت المصاعب مع القوات المسلحة البريطانية.

 

لم تعد مسؤولية تسجيل الاحداث تقتصر على المؤرخ التقليدي، وحده، بل واجبا على الفنانين والمهندسين والمثقفين،

وحكومات المدن، والجامعات، من أجل كتابة التاريخ، لاسيما القريب منه، حيث الاضطراب الأمني والسياسي، يحول دون أرشفة الكثير من الاحداث المهمة، التي تشكّل حلقة مهمة في التاريخ العراقي.

 

لا تزال الفرصة سانحة، أمام روح الإبداع، فنيا، وادبيا، وهندسيا، في استحضار المنهج العلمي في تخطيط المدن والساحات، واغناءها برموز الاحداث القريبة، لاسيما تلك التي سببّت الآلام والاوجاع، للعراقيين، لكي لا يقتصر استذكارهم لمآسيهم وحروبهم، بزيارة قبور الضحايا والشهداء فقط، بل في رموز فنية وهندسية دقيقة الصناعة، تعيش معهم في كل الأماكن واللحظات.

وضع الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان إذاعة "صوت أميركا" في منزلة برامج غزو الفضاء من ناحية الأهمية لمصالح البلاد، وايصال الخطاب الرسمي، منتقدا الإهمال لهذه المؤسسة الإعلامية، وهو ما دفعه الى التعويض عن ذلك بتأسيس محطة "تقوية" لبثّها، العام 1984.

وفي العام 2018، يتكرّر المشهد، لكن في روسيا، حيث رئيسها بوتين، بات يهتم شخصيا بالإعلام وخطابه، مؤكدا على أهميته للأمن والصحة، فيما منافسوه يتهمونه بالسيطرة على شبكة "إن تي في" والقنوات الروسية الرئيسية.

 

ووجد ممثلو "الأوليجارشية" او "الروس الجدد" فرصتهم في الاعلام للسيطرة على السياسة والاقتصاد، ونجحوا عبره من

الحصول على الجاه السياسي، والاجتماعي، وجني الثروات الطائلة.

 

وفي روسيا الحقبة السوفيتية، كان الإعلام كحاله في كل الأنظمة الشمولية، تابعا الى الحزب الواحد، الذي سعى عبر خطاب مؤدلج الى نشره مبادئه في العالم، ونجح بشكل منقطع النظير في بسط نفوذ الأيديولوجية الشيوعية.

 

وانبرت الصين، بعد "حقبة إعلامية" مظلمة، الى تطوير التقنيات التي تجعل منها رائدة في الحضور الإعلامي العالمي، ونجحت بشكل واضح في تحدي وسائل الاعلام الغربية، بل والتفوق عليها في الكثير من الحالات.

 

وفي تركيا، أصبحت تهمة استخدام التمويل العام في قطاع الإعلام تتقاذفها قوى الحكومة والمعارضة، بعد ان صار معروفا بان من يمتلك ناصيته، يفوز.

 

ولكي لا نسهب كثيرا في الوقائع، نشيرا أخيرا، الى فضيحة "ووترغيت" التي كشفها الاعلام، وأدت إلى استقالة رئيس الولايات المتحدة الأميركية، ريتشارد نيكسون، في أغسطس/ آب 1974.

 

لقد كانت الصحافة على الدوام، المرصد الذي يحسم مستقبل السياسيين والمشاهير، ما يجعلها المحور المحرّك للأحداث، والضامن لنتائجها، في اتجاه معين، حتى في الأحداث الصغيرة ما يفسّر جرأة مديرة أمن رئاسة الوزراء في العاصمة الفرنسية على الاستقالة، بعد فضيحة فساد كشفتها، احدى المقالات.

 

وفي عصر التواصل، أدرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خطورة وسائل الاعلام على مستقبله السياسي ليصفها

بانها "عدو الشعب" وهو تعبير كان الزعيم السوفيتي الراحل، جوزيف ستالين، قد استعمله، ونهى عنه نيكيتا خروتشوف.

 

و من الخطاب الشمولي الى ديمقراطية إعلامية، فان مواقف وحوادث كثيرة ترسم العلاقة المضطربة بين السياسي والإعلامي. وثمة امثلة كثيرة لا يسعف المجال لذكرها.

 

كل الأمثلة الواردة، تكشف عن ارتباط الاعلام التقليدي بالسياسة أولا، وفي بعض الأحيان بالسياسيين حصرا،

لكن الإعلام الجديد اليوم، حيث تتدفق المعلومات عبر وسائل اتصال حديثة، متاح، لأي فرد في المجتمع، وبات للإعلام وظيفة اجتماعية اكثر منها سياسية، كما تحول الفرد الى صحافي واعلامي، بسبب امتلاكه تقنيات النشر المباشر، نصا وصوتا وصورة.

 

لم يعد الاعلام يختص بطبقة السلطة وتوابعها، لأنه صار نافذة لكل الناس، ومن الصعب اليوم، حصره في رؤية واضحة ونسق واحد، وهدف مشترك، لعدم قدرة أية جهة على احتكاره، والسيطرة عليه، حتى لو ارادت ذلك.

 

لكن وهج الإعلام "الاجتماعي" الجديد، سوف يتألق، اذا ما ضمنت الشعوب، وعي الفرد في استخدامه، لتجاوز نقاط الضعف في موضوعية الطرح، وإيجابية الهدف، والخبرة المهنية، لكي يكسب الخطاب قناعة المتلقي، أولا قبل التأثير عليه وتوجيهه.

انّ الديناميكية المحركة الواجب توفرها في الإعلام العراقي، والعربي، هي في نقل المعلومة بأمانة ودقة، وعدم التفريط في التسييس، وتعزيز الخبرة والمهنية والالتزام الاخلاقي في مداولة المعلومة وتحليلها.

في المشهد، تزدحم اعداد الذين يعملون في قطاع الاعلام، وتتناسل الفضائيات بشكل خاص، لكنها لم تحقّق من النجاح المهني، القدر الذي يُعوّل عليه، بعد انْ اجترّت الكثير من المواضيع وحتى التقنيات، ولابد لهذا القطاع، ان يستفيد من تجارب الدول المتقدمة للخروج من حلقة الإعلام النمطي.

يفتقر العراق الى صناعة الخدمات التي باتت ركنا أساسيا في اقتصاديات الدول الناجحة لتشغيل الملايين من الأفراد، وتحويل مناصب الخدمات الى مصدر مهم للمال.

 

لايزال الكثير، مخطئا، في الاعتقاد بان التقدم الاقتصادي هو فقط في المنتج الملموس الذي تضخه المعامل والورش الى الأسواق، فيما دولة مثل هولندا، تشغّل الآلاف من العمال في مزارع الورود، وتضخ الى العالم ما مقداره 8 مليار دولار، سنويا.

 

وفي غابات ألمانيا الشاسعة، يعمل الملايين من "الحطاّبين"، إذا صحّ استخدام هذه المفردة المنتمية الى عصر ما قبل الصناعة، يقطعون الاخشاب التي توفّر المادة الأولية لمصانع الأثاث وشركات البناء، فيما يزرعون الأشجار، أيضا، لديمومة الغابات، وعدم التفريط بالغطاء النباتي.

 

الذي زار أوربا أو عاش فيها، يرى جيوشا من العاملين في الحدائق العامة، والساحات الخضراء، يعملون طوال النهار في الزراعة والتنظيم، وادامة المحيط العام.

وفي حديقة مجاورة للحي الذي اسكنه في هولندا، ثمة حديقة بمساحة 2 كيلومترا مربعا، يعمل فيها يوميا نحو السبعة اشخاص يوميا، طوال العام، ومعهم معدّاتهم وأدواتهم الحديثة.

 

وحدثّني مدير شركة توظيف في الحدائق، ان شركته تحقق أرباحا جيدة في العام، عدا تأمينها رواتب العاملين، وتسديد الضراب للحكومة، مشيرا الى ان تشذيب الأشجار، وبيع المواد الأولية لصناعة الأسمدة وجذوع الاشجار، وتجارة الورود، وتوفير الخبرة لأصحاب الحدائق في البيوت والشركات، وساحات المدن، يدرّ على الشركة تلك الأموال الهائلة.

 

وفي بيت للعجزة، يتألف من خمسة طوابق ويسكنه المئات من كبار السن، يعمل نحو الثلاثمائة شخص، في ايندهوفن الهولندية، وهي مدينة بحجم مدينة صغيرة في العراق، ولك ان تحسب عدد الدور الموجودة في دول مثل المانيا فرنسا و بلجيكا والولايات المتحدة واليابان.

 

يعمل في هذه الدور، وفي مراكز اللجوء، والحماية من العنف، والرعاية الصحية، ورعاية الاسرة، الآلاف من الباحثين الاجتماعيين، الذين لا عمل لأقرانهم في العراق بعد ان أصبحت التشريعات الاجتماعية واحدة من الأنظمة الراسخة في أوربا.

 

ولا أحدثك عن المَزارع التي تجذب فرص العمل للمهندسين الزراعيين والأطباء البيطريين الذين يعانون من البطالة في العراق.

 

وينجذب الجلّ الأكبر من شباب المدارس الثانوية الى التلمذة الصناعية، حيث لا عيب في الانضمام للمدارس المهنية والفنية، فيما يتسابق عراقيون على الشهادات العليا فقط من دون مهارات، ويسقطون في اول امتحان لهم في فرصة طلب العمل لاسيما اذا ما سافر خارج البلاد ووجد نفسه في مستوى علمي ومهني لا يتناسب وحجم اللقب الذي تحمله أوراقه.

 

وإذا تحدثنا عن القطاع المصرفي المتهالك في العراق، سوف نرى كيف ان المال القومي يتسرب الى خارج البلاد، بسبب تخلف المعاملات البنكية التي توفر ملايين فرص العمل لخريجي الاقتصاد، والمبرمجين، والصيارفة.

 

كل تلك الوظائف تغيب في العراق، حيث الاقتصاد لا يمتد بصورة افقية، ويفشل في ابتكار الفرص ليظل المجال محصورا في التوظيف الحكومي بدل الخدمات التي هي الأساس في تطور البلدان.

 

وفي ابتكار للوظائف، أسس رسامون هولنديون ورشة عمل تنظّم المعارض في مدن متعددة، يعمل فيها العشرات من الفنانين الذي ينتجون اللوحات، والنصب، وتلجأ اليهم البلديات في الاستشارات الجمالية والتصميم، لتحقق هذه الورشة أرباحا عظيمة في كل عام.

 

لم تعد الوظيفة في الدول المتقدمة محصورة بالحكومة، ومكاتب الوزارات والدوائر الرسمية، بل ان هذا النوع من الوظائف ينحسر تدريجا بسبب التقنيات الحديثة في الإنجاز ومعالجة المعاملات، الامر الذي يدفع الى ابتكار طرق مبتكرة في خلق فرص العمل  في مجالات الخدمات المدنية.

ومنذ تطورت صناعة الخدمات في أوروبا منذ القرن العشرين الميلادي، فان العراق والدول العربية، بعيدة عن التحولات الاقتصادية الكبرى التي ضمنت مصادر العيش الكريم للمواطن، ورسّخت الاستقرار وعزّزت ثقة الفرد بدولته ومجتمعه.

تغيب عن مدن العراق بشكل مفرط، الميادين الواسعة التي أضحت معلما ثقافيا وسياحيا، وحضاريا، لا غنى للحواضر العصرية عنه.

 

مدن يقترن اسمها بالباحات المترامية الأطراف، يلتقي فيها أبناء البلد والسواح، في ملتقى للتراث الشفوي والتبادل الثقافي، والتعارف وتلاقح الأفكار، والاستماع الى الخطب، وأنواع الفنون، في فناء منفرج يستقطب القاصي والداني.

انها متاحف مفتوحة، بالمجان، تعج بأنواع البشر، واختلاف الأذواق، يتدفق اليها الناس، في موجات داخلة وخارجة، تضفي على المدينة رونقا أخّاذا، فضلا عن كونها مشروعا اقتصاديا، تدر الأرباح الطائلة، حيث المحلات التجارية والمطاعم والنصب، والنافورات، وأصحاب الهوايات، والمواهب.

 

وإذا قصدت اسبانيا ولم تزر ساحة "بلازا مايور"، فكأنك لم تر هذه الدولة المترامية الأطراف. وعلى رغم انها تقع في قلب مدريد، الا انها تستضيف مصارعة الثيران، ومباريات كرة القدم، فيما تمثال فيليب الثالث يحدّق في الزائرين.

 

وينتصب أقدم نصب تذكاري وطني في بوينس آيرس في ساحة "بلازا دي مايو" التي لا يحدها بصر، لوسعها، فيما تغيب عن مدن العراق، ساحة مثل "الطرف الأغر" في لندن التي تخلد المعركة الشهيرة التي انتصر فيها اللورد نيلسون على نابليون العام 1805، فيما تمثالها الطويل القامة للغاية، يحضر بقوة بين الزائرين.

 

ويقف الزائر منذهلا امام سعة "ساحة تيانانمن" في بكين عاصمة الصين، التي تعد أكبر ساحة مدينة في العالم، وتدر على المدينة أرباحا طائلة، فضلا عن كونها جسرا ثقافيا يربط بين أبناء الصين والسواح من الدول، وقد تحولت مع مرور الزمن الى رمز وطني.

 

وفي حين تندثر في بغداد، أحياءها التاريخية، ورموزها التراثية، والتي تحوّلت اما الى حواضن مهمّشة، مهملة، او في طريقها للاندثار، فان المدينة البولندية كراكوف، تتوفّر على أكبر ساحة بلدة في القرون الوسطى في أوروبا والتي يعود تاريخها إلى القرن الثالث، ولازالت تتجدد وتتطور مع الزمن، من دون الحاق ضرر، أو تغيير في المنازل التاريخية، والقصور والكنائس المحيطة بالساحة.

 

تغيب الساحات المفتوحة في العراقِ، حتى عن الاماكن الدينية المعروفة التي تجذب آلاف الزائرين سنويا، كما تحاصر البنايات والمشاريع التجارية والمساكن، المراقد المقدسة والمساجد التاريخية، في انسداد للأفق، يشوّه المشهد العام. وعلى هذا النحو لا يمكن مقارنتها عمرانيا، بساحة القديس بطرس أمام كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان، والتي تتسع لنحو 200.000 شخص، فيما الزائرون للمراقد المقدسة في العراق، يبلغون اضعافا مضاعفة مقارنة بهذا الرقم.

 

كان يمكن لساحة التحرير في بغداد، أنْ تتحول الى "ساحة حمراء" عراقية، كالتي في العاصمة الروسية، موسكو، تتعدّد فيها ألوان الفرجة التي يقوم بها فنانون شعبيون وموهوبون، وباعة متجولون، لكنها ومنذ تأسيسها تنتقل في مراحلها التاريخية من الفناء الواسع الى الفضاء الضيق، لينتهي بها الامر الى رقعة صغيرة الحجم، لم تعد تشكل أهمية حضارية او فنية، او سياحية على الرغم من كونها، أقدم الساحات في الشرق الأوسط.

 

والميدان الكبير أو "غراند بلاس" وسط مدينة بروكسل في بلجيكا، لا يختلف في المساحة والارث التاريخي عن ساحة الميدان في بغداد، لكن الفرق ان بلدية بروكسل جعلت منه ساحة كبرى بالابتكار المعماري، والتطوير العمراني،

والمحافظة على الأصالة، وإبقاء رموزه مثل كنيسة القديس ميخائيل، والكثير من المباني الحكومية، فيما ساحة الميدان في بغداد، تراجعت كثيرا وفقدتها أهميتها التاريخية بل وحتى حاضرها القريب.

 

ولكي لا تتحول المعالجة الى مقاصد سياحية واعلانا مجانيا لمدن العالم، فان المقال تناسى عمدا، الكثير من ساحات المدن الكبرى في العالم، فيما الحرص على أشدّه في الإشارة الى ان العراق، في امس الحاجة الى استراتيجية تتبنى رسم فضاء جديد للمدن المغلقة، على نفسها، فلم تعد نظريات العمران في العالم تعبأ للأبنية العالية، وناطحات السحاب، ومراكز التسوّق والمولات، قدر تشييد الساحات المفتوحة على شكل متاحف وملتقيات ثقافية وتعليمية.