مشروع تجاري
عدنان أبوزيد

عدنان أبوزيد

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الحياة قبل كورونا ليست كالتي بعدها، هذا ما تجتمع عليه النخب السياسية والأكاديمية والفكرية الغربية، وقالها بجلاء السياسي الأمريكي المخضرم هنري كيسنجر، بان كورونا يقلب النظام العالمي.

 

المشترك بين الشعوب، انها لم تمتثل لفايروس الاكليل، لكنها عكست صورة تشاؤمية عن الحاضر، وحتى المستقبل،

بعدما تيقّن للجميع، ان المباغتة يمكن ان تحدث في اية لحظة، ليس من شبّاك السياسة والحروب، بل من الطبيعة والخلقة.

 

انحسر دور الاحداث السياسية، الى حد كبير، وانسحب أصحاب القرار الى الغرف، وأصبحت الريادة بيد أصحاب الاختصاص من الأطباء والممرضات والمعلمين وسائقي الشاحنات وجامعي القمامة والعاملين في المتاجر وعمال الأرصفة.

 

في العراق، بشكل خاص، بدت المفارقة واضحة، فعلى الرغم من الظروف الاجتماعية والسياسية الخاصة التي تتحكم في البلاد، اظهر الناس، الإيجابية، وجنوح الى التعاضد، في وقت كان الناس يموتون في مدريد كل 15 دقيقة.

 

يعيش العالم، فيلم ارتياع حقيقي، لكنه يتعلمّ من المحنة الكونية الشاملة، الكثير. وفي مجال البيئة كانت هناك إيجابيات،

إذ انحدر التلوث الى أدنى مستوياته، بسبب خمود حركة السيارات والقطارات، وصارت السماء أنقى من دون طائرات.

 

أكثر من ذلك، فان الحياة لن تعود الى انسيابيّتها كما في السابق، من دون التركيز على الصحة والرعاية، وهو أمر

بدأت الدول تفكّر فيه، أكثر من أي وقت آخر.

 

التصورات تفيد ان المستقبل على رغم التطيّر، سيكون أكثر إيجابية، بمدارس أفضل، وبعدد أقل من التلاميذ، وهو أمر يجب ان يُأخذ في الافتراض في العراق تحديدا، الذي يجب عليه تدعيم نظام تعليمي عبر الإنترنت.

 

الغبار الناعم سيكون أقل، والأنهار أكثر نقاءً، وهو ما أدركته الصين التي يموت فيها نحو المائة ألف انسان سنويا بسبب تلوث الهواء، فيما العلاقات الجنسية ستكون أكثر محافظة وتنظيما.

 

الدول تشيّد المستشفيات في مدد زمنية قصيرة لا تتجاوز الشهر او الشهرين، وكل مدينة ضاعفت من اعدادها المشافي ومراكز العلاج.

 

شركات الطيران تلقي نظرة فاحصة على سياسات النظافة، وتحرص على فلترة الهواء وتعقيم المقاعد، بل ان ستيفن فان دير هيجدن، الرئيس التنفيذي لشركة Corendonيقول أن النظافة ستصبح الاستراتيجية التنافسية الجديدة لشركات الطيران، بل سيكون مهما جدا تصميم المقصورات بمقاعد أكثر تباعدًا حتى يمكن الطيران، بأمان.

 

المتاجر، والجامعات والمدارس شرعت في إجراءات التعقيم اثناء الدخول والخروج، والتواصل عن مسافات امينة.

 

قطاع النظافة والصحة، هو الذي يوجّه العالم ويقوده، محقّقا أرباحا هائلة لمنتجات التعقيم وملحقاتها.

 

في أوربا، حيث دور السينما مغلقة، أصبحت المشاهدة افتراضية، وانحسرت الحفلات الغنائية الضخمة، وأصبح بإمكانك المشاركة فيها عبر شراء بطاقة افتراضية على النت. وفي 19 مارس الماضي، أعلِن عن الحفل الفني الرقمي الأول في بث مباشر من العاصمة الهولندية، أمستردام. على هذا النحو أصبح من المتعذّر، الذهاب الى الحفلات والمباريات والمنتديات الحية.

 

تزداد أهمية الحاسوب والتلفون، وبطاقة الدفع الالكتروني، وكل وسيلة تجعلك في اتصال مع الآخرين، لكن بعيدا عنهم.

 

تتقصى الأبحاث، دور الوباء في كشف الحقائق الكامنة للمجتمعات، منها ان الانسان يقسو على الطبيعة كثيرا، ويعامل الحيوانات بطريقة بشعة، ولم يكترث لتغيّر المناخ والعولمة الاحتباس الحراري، وأبخس كثيرا فوائد نظام الفردية، فيما صار واضحا ان النظام الذي يسيّر العالم اقتصاديا وسياسيا لم يكن مفيدا بالشكل المتخيّل، وفي حقيقته فانه نظام مجرد من الرعاية لاسيما في بلدان العالم الثالث، حيث المصالح الحزبية والخاصة تتفوق على المصلحة المشتركة، في ظل حياة تسودها عدم المساواة والاستقطاب وتقويض المؤسسات.

 

لن تنتهي الشدائد التي تصطدم العالم، من الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر، العام 2001، والأزمة المالية العام 2007، والكارثة النووية في فوكوشيما، العام 2011، وأزمة الطاقة والمناخ، الأمر الذي يفرض على العالم، نظاما جديدا، يتيح فرص التعاون ونشر السلام وتطوير المجتمعات، بدلا من إنفاق الأموال الطائلة على الأسلحة والحروب.

ليس وباء كورونا، السباّق الى إعادة صياغة العالم، والعلاقات بين الدول، وفتْح منافذ دبلوماسية بين الشعوب، فقبْله الكثير من الأزمات والمصائب، والظروف الخاصة التي اتاحت فرص فتْح ملفات سياسية واقتصادية حساسة، حتى باتت الفرصة للدبلوماسية في أوقات الشدائد يُعوّل عليها لفكّ عقد مستحكمة، ومعضلات تاريخية.

 

سخّن تسونامي، العلاقات الباردة بين الدول في منطقة المحيط الهادئ، وأبرقت موسكو الى طوكيو، بإصدار الأوامر

لفرق متخصصة في البحث والإنقاذ، حتى في جزر الكوريل المتنازع عليها بين البلدين.

 

ضَرَب الزلزال تركيا، في تسعينيات القرن الماضي، فانبرت اليونان، تسابق الزمن لمساعدتها على رغم الخصومة التاريخية، وقد فَتَح ذلك باب الحوار المغلق لسنوات طوال.

 

ودفعت الازمة الاقتصادية التي ضربت الصين ابان حكم ماوتسي تونغ، الولايات المتحدة الى عرض المساعدات، الأمر الذي فتح نافذة استشراف مستقبل العلاقة بين البلدين في خضم حرب باردة، جعلت من بكين، ثاني أخطر عدو لواشنطن بعد موسكو، كما استثمرت الدبلوماسية الامريكية في مشروع تقويم الاقتصاد الصيني، لتعزيز التعاون، الذي أثمر في النهاية عن اتفاقية لخفض الأسلحة النووية.

 

واستدرجت "دبلوماسية التعازي" بموت زعماء، الحميمية بين الدول، حيث الزعماء يتحدّثون تحت سقف واحد يخيّم عليه الحزن، ويذكّرهم بالفناء، ما يخفّف كثيرا من جدل الخلافات.

 

أزمات الفقر في كشمير، اتاحت تخفيف الشدّ المتصاعد بين الهند وباكستان، بعد حملات مشتركة بين البلدين لمساعدة الناس.

 

كورونا، يفعل اليوم ما عجزت عنه المفاوضات الماراثونية، في ابتكار نوافذ جديدة في التجارة العالمية لم تكن معهودة من قبل، سيما بين الدول التي تتصدى للحصار مثل كوريا الشمالية وإيران.

 

صحيفة "نيويورك تايمز" تعتبر في معالجة تحليلية، ان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فشل في استغلال ازمة كورونا، لإذابة جليد العلاقة مع ايران، وكان يمكن له استثمارها بطريقة افضل ممّا فعل، عبر الاستعداد الجدي لفك الحصار عنها.

 

أزمات النفط، لها دورها في ترتيب العلاقات بين الدول، فما انْ تتصاعد، حتى تسارع الدول الى الحوار والتفاهمات، من اجل دراسة أسواق النفط، وقد أثّر ذلك كثيرا، على سبيل المثال، في تحسين العلاقات الباردة بين موسكو والرياض.

 

وتسبّبت أزمة الفقر في افريقيا، في أزمة دبلوماسية بين ايطاليا وفرنسا، بعد انْ اتّهمت روما، باريس، بتعمّد إشاعة الفقر في افريقيا، الأمر الذي تسبّب في الآلاف من المهاجرين بأعداد كبيرة إلى أوروبا.

 

عودة الى الفيروسات التاجية الصينية، بحسب وصف الرئيس الأمريكي ترامب، وهو وصْف اثار غضب بكين، واعتُبر إهانة أمريكية لها، فانّ لا مفرّ أمام حقيقة، ان الوباء يعزّز تبادل الخبرات والمعدات مع الدول حتى المتصارعة على النفوذ الاقتصادي والسياسي.

 

تدرك الصين كيف أثّر الوباء على صِيتها كدولة واقتصاد، ويقول الفريد وو، الأستاذ المساعد في مدرسة Lee Kuan Yew ان الصين تعيد صياغة نسختها التي تضرّرت من تفشي المرض بعناية، وكان الأمر على وشك انْ يتحول الى أزمة دولية بسبب الدعاية الإعلامية التي اتّهمتها بعدم التعامل المبكر مع الفيروس، وهو اتهام لا يخلو من الغرض السياسي.

تميّز الصين ذلك، لتردّ على الولايات المتحدة بانها تتقصّد نشر الفزع بشأن الفيروس، لتحريف صورة الصين، التي سارعت الى معالجات حاسمة لانتشار الوباء، وانتقلت الى خارج البلاد لمساعدة الدول الأخرى، الأمر الذي أعاد الثقة بالقيادات الصينية.

  

وفي خطوة لا تخلو من الغمز من قناة أمريكا، أرسلت الصين فريقا طبيا إلى إيران مع مئات الالاف من الأقنعة وأجهزة الوقاية، كُتب عليها بيت شعر للشاعر الفارسي سعدي شيرازي: "أطفال آدم هم أطراف جسد واحد، يشتركون في أصل واحد في الخلق".

بل وتحولت الصين من الدفاع الى الهجوم باستثمار الازمة في إبراز الحاجة الى "طريق حرير للرعاية الصحية" الذي يُنظر إليه بعين الشك في واشنطن.

 

يبدو أمرا لافتا انحسار قراءة الكتب التقليدية في الدول العربية، بسبب تقنيات النشر الرقمية، ونوافذ التواصل الافتراضي، فيما المجتمعات المحدِثة، تحرز أعلى المبيعات في المنشورات الورقية، على رغم سطوتها على وسائل النشر الالكترونية وانتشارها بين مواطنيها، بشكل واسع.

تجربتي في الإقامة في أوربا لنحو العقدين، لا تؤشّر على همود المكتبات الشخصية للأفراد، فيما البيوت العراقية

تقفر منها في الغالب، عدا الضآلة القليلة، وما يزيد من استفحال ذلك، ان الفرد العراقي يتّخذ من مواقع التواصل الاجتماعي ومجاميع التراسل الفوري، المعروفة بمحتواها الخبري الأفقي والفوقي، مصادرا لمعلوماته، من دون الاستطاعة في تنمية مستويات ثقافته وأنماط معرفياته وتحسين لغته، بصورة عمودية، كما يفعل الكتاب الورقي.

 

أكثر من ذلك، فان الانترنت لم يعد المصدر لاقتناص المعلومة والمعرفة، فحسب، بل لاستنساخ أطاريح الماجستير والدكتوراه، حتى في المجالات العلمية، في ظل تغييب مؤسف للاستطلاعات الميدانية، والاختبارات الفعلية.

 

سرّ التعادل بين الكتاب التقليدي والمضمون المعرفي الرقمي، والقراءة الافتراضية، يكمن في البصيرة بأهمية المعرفة العميقة، وتوفير الدعم للمكتبات التقليدية، لكي تبقى المعادلة متوازنة، بين المعلومة المرئية السريعة، والأخرى الراسِخة.

 

تشير تقديرات سنوات مضت، الى ان معدل انتشار الكتاب في العراق والدول العربية ينخفض باستمرار، ذلك ان نصيب كل مليون فرد من الكتب المنشورة في العالم، لا يتجاوز الثلاثين كتابا، مقابل 584 كتابا لكل مليون أوروبي و212 لكل مليون أميركي، حسب تقرير منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة والتربية (اليونسكو).

 

لابد من الإقرار بان التدوينات الرقمية جعلت من الفرد، كاتبا وناشرا وقارئا في نفس الوقت، ومع هذا التعدّد في المهارات، اتّسعت المعرفة المدرِكة بشكل سطحي، لا نحو المسلك السحيق.

 

لم يعد تسطير الكلمات، يحتاج الى الشجاعة، كما في السابق، ذلك ان دوافع بسيطة للتعبير، مع امتلاك نوافذ نشر في التواصل الاجتماعي والتراسل الفوري، يجعل منك كاتبا مشهورا، وهو ما يحصل الآن، اذ ينال مدونون وناشرون على قدر متواضع من الثقافة، من الشهرة والمال، ما لا يناله كتّاب مشهورون، ما يكشف عن انقلاب جذري في المفاهيم المتعلقة بمصادر الثقافة ومراجعها، وتصويباتها.

 

القراءة الرقمية، وفّرت جانبا أكبرا من الترفيه، بلو واللهو، على حساب المعرفة الجدية، وأصبح خيار اقتناء كتاب رقمي، او معرفيات عبر نوافذ الترابط الرقمية، لا يمثّل بشكل دقيق مفهوم الملكية الكاملة للمعرفة والدراية، والتي ارتبطت في الأسلوب الكلاسيكي المعروف، بالذات، قبل أي شيء آخر.

 

لازال الكثير من المثقفين العراقيين على الرغم من محاولاتهم تجربة الأساليب الرقمية في المطالعة والنشر، يتشبّثون بالكتاب التقليدي، والجريدة الورقية، التي توفّر الأناة، والعزلة، والتأمل، بل ان البعض منهم يصرّ على النشر فيها على رغم ان ما يقطفه من قرّاء ومتابعين، أقل بكثير من غنائم المتابعات والإعجابات، في المواقع والصحف الرقمية وصفحات التواصل الاجتماعي.

 

في كتاب "فن القراءة"، يكشف الفيلسوف الاسترالي دامون يونغ، الحائز على جائزة أوسكار، عن علاقة المطالعة بكيفيات التفكير، ويسوغ لماذا تبقي الروايات والأدبيات الورقية الكلاسيكية مصدرا أساسيا للدراية والخلق والمتعة واللذة المتفردة،

التي لا يمكن الاستغناء عنها مطلقا، حتى في حالة تحوّل كل النصوص الى أرقام في المكتبات الافتراضية.

 

في دول أوربا الغربية، مثالا، لا حصرا، يُلاحظ بشكل بارز، أولئك الشغوفون بالقراءة وهم يحملون أجهزة "الايباد مِنِي"، ولوحيات الكتب الرقمية، في القطارات ومحطات المترو، والباصات، مبحلقين بتركيز على النصوص، ومدونين الملاحظات، في مخطوطات بألوان زاهية، لكن ذلك لم يمنع من وجود المكتبات الكلاسيكية في الأسواق، وإيثار الكثير من الناس لها.  

العراقيون يتداولون الأنباء عن بناء مستشفى عظيم في الصين لمعالجة مصابي كورونا، باستعجاب، واستغراب.

 

قبل ذلك، هزّت أزمات ومصائب، شعوباُ، فانبرت الحكومات تحسم المحن، بأسرع من البرق.

 

الكارثة المالية اجتاحت أمريكا قبل سنوات، وحلّ الكساد، والبوار، وفَلِسَت البنوك، وعجز المواطنون عن دفع أثمان البيوت التي اشتروها، وخسرت الشركات مليارات الدولارات، لكن تكافل الجميع، وضخ أصحاب رؤوس الأموال، الآلاف من المليارات من الدولارات الى السوق، واستنفار حتى مطابع العملة، حسم الضائقة، باتجاه التعافي.

 

اليونان تخطّت كبوتها الاقتصادية وحققّت المعجزة، بعد الانهيار العظيم، واليأس العارم، والافلاس والجوع، محققة منذ العام 2014، فائض ميزانية، أتاح الإنفاق الاجتماعي على الفقراء.

لم يحدث ذلك بتخطيط الحكومة فحسب، بل بمساهمة المواطن الواعي الذي تجشّم أعباء التقشّف من أجل عبور الأزمة.

 

اليابانيون بعد نحو 15 عاما من الانكماش، اكتشفوا انّ الانغماس في كثرة المطالب ليس حلا، وأدى بهم الرشد الاجتماعي، الى تفضيل الأمن الوظيفي على الأجور، كي لا تهرب الشركات الى الخارج بحثا عن عمالة رخيصة، او تتبنى تقنيات وآلات تحلّ محلهم، الأمر الذي منح البلاد، استقرارا اقتصاديا باهرا.

 

ولم تكن المعجزة الاقتصادية الألمانية، في إعادة الإعمار، الفائق السرعة، أمرا سهلا بعد حرب دامية أزالت المدن عن بكرة ابيها، لكن اقتصاد السوق النيوليبرالي الذي أدغم بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي، أتاح الحرية المطلقة لرأس المال والعمل، وهمّش الفساد، ما يسّر اندلاع ثورة تنمية كبرى، عمادها الشباب الواعي بمسؤوليته التاريخية في إعادة أمجاد بلاده.

 

ولم يكن الكثير من الصينيين يتوقعون بلادهم التي شهدت أكبر مجاعة تسبّبت في موت نحو 40 مليون إنسان، في نهاية خمسينيات القرن الماضي، سوف تطبّب الجراح، وتقبر اليأس، لكن العزيمة، وبعد أقل من سبعين عاما، قلبت الصين من أمة مغلوبة على أمرها، جائعة، إلى واحدة من أعظم القوى في العالم.

 

حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي المتبادل بين قبيلتي الهوتو والتوتسي في رواندا، خلّف نحو المليون ضحية، العام 1984، حتى تكهّن البعض بانقراض شعبها. ولم يمض وقت طويل حتى انتقلت البلاد بعد أقل من عقدين من الفشل، الى النجاح في منافسة اقتصاديات الدول المختلفة، ونالت عاصمتها كيجالي التي كانت يوما ما، مدينة صفيح، لقب أجمل عاصمة افريقية.

 

تشيلي التي عانت من هيمنة سلطة مركزية، ومجلس عسكري، بمقدراتها، أصرّ شعبها على التغيير الديمقراطي، وأثمر الجهد عن استفتاء العام 1990 أنهى حكم العسكر، بصناديق الاقتراع، لتقفز في زمن قياسي قصير، من بلاد يعاني النصف من سكانها، الفقر والمجاعة، الى أعجوبة اقتصادية واجتماعية عظيمة.

 

الى وقت قريب، كان شعب سنغافورة لا يعرف النظافة، ولا يتقن صناعة الحياة، وكان السواح يشتكون من قذارة المدن، وروائح المطاعم العشوائية في الشارع، ومضايقة المتسولين، والجرائم التي يقترفها العاطلون، ولم يمض سوى اقل من 50 عاما حتى نجحت الدولة في إرشاد سلوكيات المواطنين نحو طرق عملية، متحضرة.

 

ماليزيا التي عانت من الانقلابات والثورات والأنظمة الفاسدة، وطّدت مفهوم الوعي الحضاري والانفتاح على العالم، والاستثمار في الفرد الذي أصبح المحور الذي تدور حوله محركات البناء والاعمار. 

 

 

إنّ الشعوب التي تثق في نفسها، لقادرة على إحالة الانكسارات والهزائم، الى فتوحات حضارية واقتصادية واجتماعية، بعد ان يصبح الفرد فيها، أكثر من كونه رقماً، أو شخصاً، الى آلة فاعلة في دولة يتجشم الجميع فيها، مسؤولية رعاية الفرد حتى في حالة العجز أو المرض. من هنا تكون البداية، في التأسيس للثقة المتبادلة بين الدولة والمواطن.

تجديد الخطاب الاجتماعي وترميمه، يُصبح واجبا مع انتقال الخطاب الإعلامي من التركيز على السياسة الى أدبيات ونظريات الحركات الاجتماعية وأبرزها التظاهرات، وما تفرزه من مفاهيم وسلوكيات جديدة في المجتمع العراقي تتجسد بشكل واضح في ساحات الاحتجاج التي تحمل الى جانب مقاصدها السياسية، الرغبة في التغيير الاجتماعي.

 

المثقف العضوي، سيكون عاملا حاسما في توجيه النقلات الاجتماعية، بما يمتلكه من أدوات اختبار وتشريح في تفكيك العقد الاجتماعية، الناجمة عن الجهل، والانغلاق على العالم طيلة عقود، فضلا عن الاشتباكات السياسية التي رسمت اتجاهات متخبطة في التطور الاجتماعي.

واذا كان دور المثقف يتلخص في توجيه بوصلة التغيير، وتنظيك السطوح الاجتماعية الجديدة، فانه وبحكم وعيه سيكون حريصا على الموروث الثقافي والعُرفي، وان لا يجعل من الإبدال فرصة للانفصال عن التاريخ، وحتى الجغرافيا، فيما يتوجب عليه تأطير النشاطات الثقافية للحركات الاجتماعية والبحث في الدوافع الاحتجاجية وتفسيرها لأصحاب السلطة والقرار السياسي.

 

المٌتوقّع، هو تقدّم الأنتليجنسيا والأيديولوجيات، الصفوف في التظاهرات التي تجاوزت كونها فعالية سياسية الى اجتماعية تفصح عن ارهاصات الجيل الجديد، ورنينه المتميز في أسلوب الحياة، وتطلعه الى أعراف مجتمعية جديدة، بحكم الانفتاح الذي تفرضه محرّكات التواصل العالمي.

 

من مخرجات التظاهرات، انحسار النظرة الدونية المُتبناة من قبل النخب الاجتماعية والسياسية تجاه أفراد المجتمع البسطاء والفقراء، الذين يتمكنون اليوم من امتلاك ناصية الخطاب، وقيادة الشارع، وفرض المطالب، والتحكم في الازمة وهو متغير اجتماعي يحتّم على المثقف العضوي تشريحه على منضدة التنظير والتطبيق.

 

أكثر من ذلك، فانّ على الأنتليجنسيا العراقية، الانتساب الى الدور التوجيهي القيادي الميداني، في المجتمع لاسيما الاحتجاجات، بدلا من الانكباب فقط على الأعمال الذهنية المعقدة، ذلك ان دورها يتجاوز التنظير الى ترسيخ

الفعل الاجتماعي الجديد، الذي يجب ان لا ينصرف من دون رياسة توجّهه نحو الأهداف المقصودة بعيدا عن الوجهات العرضية التي يمكن لها ان تحل محل الهدف النهائي.

 

تعوق التظاهرات الشعبوية في العراق والدول الأخرى، المفهوم الذي يرَكَن المثقف في أبراج من الترف الفكري المحض، المتعالي على التفاصيل اليومية في مجتمعه، وما يجب ان يحدث اليوم هو العكس تماما، ذلك ان الكثير من الثوريين الاجتماعيين في العالم استلهموا التحليلات والاستراتيجيات من التفاصيل الصغيرة، التي رصدوها من تفاعلهم الميداني مع الناس وحثهم الى عدم الارتهان الى الخيالات والأوهام، التي تعشعش في برامج تنميط الجهل.

 

يتحدث كتاب "صعود الأنتليجنسيا" بالإنكليزية عن النخبويين الثقافيين الذين يرون أنفسهم موظفين مفكرين تابعين للدولة الحديثة، ولم يتفاعلوا مع التظاهرات الشعبية التي اسقطت النظام الشيوعي في بولندا، مثالا، لا حصرا.

 

و يعرّف الفيلسوف كارول ليبيلت نخب الأنتليجنسيا في كتابه "عن حب الوطن" الذي صدر العام 1844، بانهم الأشخاص المتعلمون الذين يتعهدون بتعميق الأخلاق في ثورات التغيير.

وكان للأنتليجنسيا الدور في مشاريع التأميم في أواخر القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة التي أسست لها الجماعات اليسارية، و كان لها الريادة في ترصين الحركات الاجتماعية الحديثة في فرنسا، وجّسدت الطليعة في التظاهرات التي قادها الشيوعيون في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي في أوربا وحتى الولايات المتحدة.

 

في العراق، فانّ لا مناص من نزول الطليعة المثقفة الى الشارع، لاستيعاب تجربة شباب محتج خرج من بقايا اتون

أجيال الحروب، وان تكون حركة المثقف، جدية وعملية، لا حالمة فقط، على طريقة هنري ديفيد ثورو، الذي قال "عندما أسمع الموسيقى، لا أخشى أي خطر، أنا محصن"، ذلك ان استيعاب المتغير الاجتماعي العاصف الذي تجسده احتجاجات العراقيين يحتاج الى ما هو اكثر من رنين الآلات.

حسمت وسائل النشر الجديدة والتواصل الفوري، الكثير من إشكالات تبادل المعلومة، بما فيها الأسرار، ومصادر الأخبار، والتشاركية مع المتابع، ليبدأ عصر جديد في الاعلام، يخلو من عبارات من مثل "غير صالح للنشر" أو "سر ينبغي عدم التفريط به"، أو "التحقّق من المصدر".

 

وحتى على مستوى الاجتماعات الخاصة، والسرية، فان تمرير الاخبار إنْ لم يكن تسريبها، في ذات اللحظة، ما عاد

أمرا عسيرا، ذلك ان تصريحا في حلقة مغلقة ينقلب في خلال لحظة، الى خبر عظيم يجتاح المواقع الرقمية،

ومنتديات الحوار، ومنابر التواصل، فضلا عن مجموعات التراسل الفوري.

ويتجاوز نقل الخبر، النصيّة، الى الصورية، والفيديوية، مع تطور الهاتف الذكي، وآلات التسجيل الحساسة، مُنهيا، والى الابد، حقبة الخصوصية والكتمان.

 

أكثر من ذلك، لم يعد هنالك، جدوى لمصطلح مثل "تسريب خبر" أو "سرقة محتوى" لان الجميع مفضوح أمام مرآة الترابط المباشر والنشر السريع، كما تنتهي بشكل واضح عبارة "سري للغاية" حتى في المخاطبات البينية بين مؤسسات دولة ما، لان التواصل الاجتماعي لم يعد يعترف بهذه القاعدة، وينشر كل ما يصل اليه من دون الحاجة الى التيقّن من صواب الخبر، او اسم المصدر، لان الحقيقة ستفرض نفسها، وفيما اذا كان الخبر كاذبا والحدث ملفقا، بعد ثوان من الوقت.

 

يتعدى الانقلاب المعلوماتي، الجانب التقني الى الاجتماعي، ذلك ان المصداقية ستكون ديدن الناشر والمتلقي، لان الطرفين يدركان ان الحقيقة ستكون هي الراسخة في النهاية، ليقوّض ذلك، التصيد في المواقف والاخبار، ويحسر النفاق الاجتماعي والإعلامي، الى حد كبير.

 

فضلا عن كل ذلك، فنحن أمام صحافة الفرد، الذي لم يعد متلقيا، فحسب بل ناشرا أيضا، ومصدرا للأخبار، وقد دفع ذلك الأمم المتقدمة الى سن قوانين المعلوماتية، التي تتضمنها الأنظمة المحلية والاتفاقيات الدولية على حد سواء.

في جانب آخر تصبح الشفافية، غاية المسؤولين والحكومات، والمؤسسات، والشركات، لان عملها لم يعد بين الجدران المغلقة، بل في مساحات تفصلها ألواح شفافة، نافذة، صوتا وصورة.

 

وفق ذلك، تصبح الحقيقة ناصعة فيما يخص الأوضاع في البلدان، ولم يعد صعبا، تقصي المعلومات والاسرار عن الدول، وإدراك الحقيقة بعيدا عن الاشاعات والتشوهات، بل وحتى اطر التجميل والطلاء لهذه الجهة او تلك الشخصية او ذلك الزعيم، او تلكم الدولة، فإنها تتداعى في وقت قياسي اذا لم تمت الى الحقيقة بصلة.

 

وفي دليل واقعي، فان مشاهداتي للمواطنين في بلدان مثل المملكة المتحدة وهولندا، تشير الى انها باتت تمتلك صورة

اشد وضوحا وأكثر نقاءا للمشهد في العراق والشرق الأوسط، وان تشويه صورة العرب، لم يعد ممكنا، الا على نطاق ضيق، وان الحقائق باتت على الطاولة الجمعية، بشكل عام وليس النخب وحدها، وقد أتاح ذلك إزالة اللبس المعلوماتي

المتشكّل تاريخيا بحكم صراع الحضارات، وتضارب المصالح، أو تفاعلها.

 

تتفاعل الصحافة الجديدة مع القارئ، أيضا بمستويات لم تصل اليها صحافتنا، ذلك ان صحيفة الجارديان تتيح للمتابعين،

الحصول على المال، او الاشتراك المجاني في منتجاتها على مستوى الخبر، او التحليل، مقابل رفدها بالمعلومة، وإتاحة الوصول الى المصدر، في مشروع استثماري، يؤسس لعلاقة مادية أيضا مع المتابعين تتجاوز حقبة الإعلان التجاري الصرف، الأحادي الجانب، من ناحية كون المتلقي، مستهلكا فقط.

ويبدو ذلك مستغربا بعض الشي، فبينما تضع مواقع التواصل الاجتماعي، المحدّدات والشروط على المحتوى، فان صحفا رقمية تفسح المجال للنشر في معادلة تنقلب لصالحها، لذا فان المتوقع ان الصحف الورقية التي تحولت الى رقمية، والتي هي رقمية أصلا، سوف تتطور الى نماذج لمواقع تواصل اجتماعي، تتحاور مع القارئ آنيا، وتنشر له، وتؤسس لشبكيات تواصلية دائمة على غرار فيسبوك و تويتر.

بل ان الصحف، على ما يبدو، وهو ما يحدث اليوم في أوربا والولايات المتحدة، تتغلب على مواقع التواصل الاجتماعي بالدفع مقابل المادة الصحفية، متجاوزة أنماط التمويل الإعلاني، فضلا عن انها تتفوق، في جودة المحتوى.