مشروع تجاري
عدنان أبوزيد

عدنان أبوزيد

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تبصم تظاهرات الاحتجاج، على كتاب العصر العراقي الجديد، الذي بدأ العام 2003، كفعالية مجتمعية عدمها المواطن طيلة عقود قبل ذلك التأريخ، لتكشف عن حرية في الرأي، وحراك معارض، يغيب عن الكثير من الدول الإقليمية المجاورة.

 

وليست مسيرات تشرين أول/أكتوبر، الاحتجاجية بمستحدثة، اذ انطلقت قبلها المئات من التظاهرات في جنوب البلاد وشمالها، وغربها وشرقها، حتى قيل ان العراقيين أدمنوا الاحتجاج الذي يعرّفه قاموس أوكسفورد الإنجليزي، بانه فِعل أو إعلان عن اعتراض على سياسة، أو مسار عمل، أو إدارة سلطة.

 

المعارضات العصرية التي تستعرض في الشارع، تطورت في دول العالم الى مفاهيم ونظريات، وهيئات جديدة خلال العقدين أو الثلاثة عقود الماضية، ذلك ان الاحتجاج من قلب لندن الى باريس، الى واشنطن ونيويورك، و شوارع البرازيل التي احتضنت الشعب ضد الحكومة، بات يعتمد على الكتل البشرية الهائلة، لا الطلائع والقيادات التي توجّه الدلالات والشعارات، وقد تجلّى ذلك بنسخة واضحة في ثورات ما يسمى "الربيع العربي" حيث المعارضون يعوّلون على الهيجان والثوران العفوي، وعلى استمرارية وثبات زخم الاحتجاج، كما لم يعد التظاهر مؤدلجا، يحتكره حزب أو رهط معين في المسمى والتصنيف والتبويب، وصار البعض يلمح في الحشود الهائلة، تعبيرا بالضرورة عن الرأي الجمعي، حتى وإنْ لم يشارك جميع الشعب فيها.

 

فضلا عن كل ذلك، فانّ اغلب التظاهرات تبدأ ارتجالية، تلقائية، لدوافع مختلفة، فيما مأزقها في النهاية، وفي اغلب الاحتمالات، يكمن في محاولة جهات توظيفها نحو غايات ومصالح، وتحويلها الى وسيلة للانتصار على الخصم، بل واستقطابها إعلاميا من دول، ومن ذلك ان جريدة الغارديان البريطانية، اختارت المتظاهر العربي، شخصية العام 2011.

 

تظاهر العراقيون في العهد الملكي، سياسيا، بشعارات انقلابية، وفي حقبة النظام السابق، كان الحزب الحاكم هو الذي يسدي مشروعية التظاهرات، التي ما كانت لتخرج لولا الشعارات المؤيدة له، اما المعارضون فيعبّرون عن آرائهم بالصمت والخوف، فيما الحاضر يشهد مسيرات، اغلبها مطلبية في تحسين الخدمات وتوفير فرص العمل، حتى كشفت تظاهرات أكتوبر، عن محيا سياسي، يسعى الى التغيير الجذري في طريقة إدارة البلاد.

 

يسود الرأي القائل، بان على التظاهرات العراقية، ان تبتعد عن التخريب، والتعطيل للحياة، وان تعزل نفسها عن دعوات العصيان المدني، ذلك ان سَحَرة الفرص يسعون الى منفذ لتحقيق شروط فوضى لا خلاّقة، تتقصّد الدولة بالكامل، وذلك بتوظيف الشكاوى التراكمية، وتحويلها الى إشكالية مركبة، بين المتظاهرين والحكومة، يصعب فك عُقدها، وهو ما حصل في فنزويلا وكرواتيا، حين تلاشت إرادة التظاهر في صراع الدول.

 

لكي تتجاوز الحالة الاحتجاجية، التوظيف المقصود لأهداف وغايات دول ومشاريع ومراكز قوى، فان الحاجة ماسة الى التنظيم الذاتي للاحتجاجات، وان تستتب على حالة من الثقة، وان تتصرّف في سن الرشد، وليس المراهقة السياسية، والحماسة الثورية، الطارئة.

 

يتّفق الكثير، على ان العراق يشهد تحولا تاريخيا في نوعية التظاهر واشكاله، وقد نجح في تسويق شخصية احتجاجية الى دول العالم، متصدرا قائمة تاريخ الاحتجاجات العظيمة، وزعماؤها من إميلين بانكهورست في الذود عن حقوق المرأة في التصويت مع حق الاقتراع، الى غاندي زعيم حركة الاستقلال في الهند، الى مارتن لوثر كينغ، وهو يقود مسيرة واشنطن في العام 1963، الى نيلسون مانديلا في الانتصار على الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وبعيدا عن رموز الاحتجاج الفردية، المشكوك في شرعيتها  مثل حالة إدوارد سنودن، الذي احتج على سياسات بلاده بتسريب تفاصيل برنامج التجسس إلى الصحافة، في فعل يضرّ بالدولة.

تُوجّه الانتقادات مرة أخرى الى المثقف العراقي، لغياب دوره في أزمة التظاهرات، والملزِم الوطني الذي يحتّم عليه، في التبصير والإرشاد، وحساب أرقام الحل، سواء للمواطن أو لأصحاب القرار.

ليست هذه هي المرة الأولى التي ينسحب فيها دور المثقف الى الخلف، في الأحداث التاريخية الكبرى، والذي لم يقْنص في المناخ الديمقراطي في العراق، - لا يتوفر في البلدان المجاورة- ، فرصة لتوثيق دوره وفرض رؤيته على الاحداث، عدا التدوينات التنظيرية، والإسقاطات التسطيحية في التحليل.

الراصد للفعاليات الكتابية والمعالجات من قبل الكتّاب والمثقفين العراقيين، يرى ذلك الأفول، جليّا سواء في آصراتهم

مع النخب، من أجل تداول الحلول، او مع المتظاهر في ساحات التحرير، للنزول الى طرائق التفكير وتوجيهها، واستيعاب سلوكيات الاحتجاج وإنماؤها الى الأسلوب المتمدّن والمتجدّد.

 

وعدا الفضائيات التي عاقرت التحليل السياسي الخاطف من قبل محللّين يخلعون مفاهيمهم وطروحاتهم على الحدث في عجالة، انحسرت بصمة المثقف العراقي على الاحداث، وكان يمكن ان يكون له دور بين المتظاهرين في فرض قيادته لها، بدلاً من تسليمها بيد الارتجالية، والفوضوية التي سعت اليها اطراف طارئة، على ساحات التظاهر، وتروم توجيهها الى غير مقاصد المتظاهرين الحقّة في الإصلاح، وتحسين الأوضاع.

 

يقود هذا القصور الى السؤال عن دور أولئك المثقفين والكتاب الذين يضعون أنفسهم في خانة "الكبار"، فيما الواقع

يشير الى انهم أصبحوا "صغارا" أمام جدّية الحدث، وتعلّق مصير الامة العراقية بنتائجه.

 

ما يزيد التعييب لأولئك، انّ الكاتب العراقي حرّ، ولديه من النوافذ أضعاف مضاعفة، عما تتوفّر عليه الدول الأخرى، لكنه يافع التأثير على الحدث بشكل واضح.

لا شكّ في ان الكاتب الكبير هو الذي يتماهى مع الواقع، ويرتقي اليه، ويفصح عنه، وصاحب مجسّات تعتمد عليها

النخب في القرار، والمواطن في السلوك.

 

الذي يحدث هو النقيض تماما، ذلك ان النوافذ الإعلامية والثقافية، والفضائيات، التي تضم طواقم إعلامية وثقافية،

وتحليلية، فشلت في هديّ المواطن، وهو يتظاهر، وقبل ذلك اثبتت إخفاقها في قطف ثمار أطروحاتها السياسية والثقافية

التي وجّهتها الى الشعب لسنين طوال.

 

كشفت الازمة عن ان الشعارات التي يرفعها المواطن هي على العكس تماما من التحليلات، والاستشرافات في المقالات

والخطاب الإعلامي والتحليلات، كما أفشت عن ان الكتاب والإعلاميين الذي يعهدون أنفسهم أسماءً لامعة، يحرصون على البقاء في المنطقة الرمادية في اتخاذ الموقف من الأزمات الكبرى، منتظرين تداني النتائج لكي يوجهوا بوصلتهم نحو الجهة المنتصرة، في سلوك وصولي ومُتاجِر يكشف عن إجادتهم لعبة الهروب من الموقف الصادق، وتوفّرهم على مهارات المناورة في اللحظة المناسبة.

 

الإعلام الكبير، والقلم الجبّار، هو الذي يستجيب مع الواقع، ويستشعر الناس نبضهم فيه، فيتفاعلون معه، ويستجيبون لطروحاته، ويصدّقون منشوره، وهو أمر في غاية الاعتبار، لأنه يقصي المجتمع عن الانفعال في الاعلام الخارجي المسيّس الذي يسعى الى تحقيق الاجندة الممولة له.

للأسف، فانّ ما يحدث اليوم هو الضد، اذ بات للكتابات والطروحات والرسائل الموجّهة عبر الحدود، التي تمارس النقد المسيّس، زخم أكبر من مثيلاتها في الداخل.

 

انّ تحريف الأوضاع في العراق، ونشر التدليس سواء حول التظاهرات، أو الجهات الحكومية والأمنية، ينتشر بشكل واسع، عبر أقلام مسيّسة، تُظهر أقساط الحقائق، وترّوج لتمويه الواقع، في رسائل، الغرض الأول منها زعزعة الوضع، وايصاله الى درجة اللا عودة، للإجهاز على الدولة بالكامل.

 

يبقى الخطاب العظيم، والكاتب الحر، هو في النزول الى الميدان، بأدوات مختبرية تهندس الرأي العام، لا العيش في بوهيمية التحليق في الخيالات والتنظيرات.

واحدة من مظاهر التحول السلوكي، الذي تسْتَشرِفه المعالجات، هو الاهتمام الجمعي بالمنصب السياسي، وتزايد الظفر

به في الديمقراطيات الموتورة، وهو ما يؤشر عليه كتاب "لقد تغير العالم (ص 322)"، الذي يتحدث عن قواعد بيانات متشاكلة تفيد بانه حتى في الديمقراطيات الصناعية المتقدمة، فان ثمة رصد لحالة الاهتمام بالسياسة وصراعاتها للوصول الى وضع مثالي في إدارة الحكم، فيما الانتقال الديمقراطي في بلدان العالم النامي، يؤدي إلى الولع بالمنصب السياسي، بدوافع الجاه، والنجومية، كما في ديمقراطيات العراق وبعض الدولة العربية، وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية.

 

تُوجّه الانتقادات الى السياسيين وممثلي الشعب في العالم الثالث، بأنهم في الغالب، منتوج عملية انتخابية "غير راشدة" تروّعت بها شعوب لا تمتلك القدر الكافي من التربية والتعليم، وتؤثر عليها العوامل الاجتماعية مثل العشائرية، والطائفية، في كيفية تجعل من المنصب، وسيلة للتسلط والإثراء.

 

من الظواهر الجديرة بالملاحظة، ان العموم يحصر السياسة بأداء الحكومة والأحزاب، وهذا صائب، لكنه ليس الحقيقة كلها، ذلك ان الصوت الذي منحه المواطن للحكومة، هو سياسة أيضا، وهو الذي يتجشم مسؤولية أي قانون يُسنّ .

 

السبب الآخر الذي يجعل الفرد يلتفت للسياسة، هو ضرورة ان يكون له رأي فيما سيحدث، ولن يكون من العدل التخلي

عن رأي شخص ما، في الديمقراطيات العادلة، لان كل صوت يُحدث فرقا في مستويات النفوذ، ويحول دون نفاذ

الشخص غير المناسب الى المكان غير المناسب، لكن هذا ما يحدث في الديمقراطيات ذات العود الليّن، اذ ان المواطن نفسه لا يجعل لصوته قيمة، ويفترض الانتخاب، عملية روتينية، وعبثا.

 

الرصد في الحالة العراقية، يشير الى ان المنصب السياسي، يصبح الوسيلة الأنجع إلى الطموح والغاية، ما يدفع الى مغادرة الوظائف والمهن، جريا إليه، عبر الانتخابات، أو بواسطة الفرص والعلاقات، في حركية لا تبدو تلقائية.

الطبيب يهجر عيادته، ممارسا السياسة، والمهندس يجهد ويجاهد لأجل منصب سياسي، ورئيس العشيرة، يعزز إمكانياته لاستكمال نفوذه العشائري بمنصب حزبي، أو نيابي.

الإعلامي، الذي يمتلك الوسيلة، لإيصال الصوت، والتعبير عن إرادة الناس، ينصرف عن إبداعه، الى المنصب النيابي او الحكومي.

الفنان يترك اشتغالاته، في الابداع، ويتصارع على منصب في النقابة، والبرلمان.

الملاكم العراقي، ربما يلاكم داخل الحلبة على أمل الفوز، بكرسي الاتحاد..

 

على هذا النحو، تجري الأمور ليتحول الأفراد الطامحون لو اتيحت لهم الفرصة، إلى مسؤولين إداريين وسياسيين، ضاربين هواياتهم وانشغالاتهم وإبداعاتهم، عرْض الكرسي المأمول.

 

 الشعوب، تحتاج الى الإداريين المهنيين، كل من موقعه، قبل السياسيين والنواب، ولعل هذا أحد أسرار نجاح الغرب، اذ لا وجود للمكتب الفاخر الذي يجلس في وسطه مدير متجبّر، ولا تأثير للمنصب على قيمة صاحبه بين الناس.

 

في الديمقراطيات الصورية، يحدث العكس، اذ المفترض أن يتحول السياسي الى مستخدم للنخب العلمية والثقافية، مشرّعا القوانين والأنظمة التي تسهّل الأعمال، لكنه بدلا من ذلك، يتحول الى رمز للاستغلال والمقام والامتياز.

 

متى يصبح السياسي مثل حال المعلم والمدرس والطبيب والمهندس، عندها تنحسر الرغبة الى المنصب، وسوف يقود ذلك، أصحاب الاختصاص الى المشاركة العضوية، في الوزارات والمؤسسات، فيما يعبّد السياسي الطريق لهم بالقوانين والتشريعات.

 

سرّ الاهتمام الزائد لدى المواطن بالسياسة، ناجم عن اعتقاد سائد بان الإنجاز والمجد لن يتم الا حين يصبح المرء سياسيا، بل وانتهازيا، وحين يُعتقد أن المنصب امتياز لا مسؤولية، وحين يشعر صاحب الاختصاص انه مُهان، ليلجأ الى السياسة التي أصبحت مهنة من لا مهنة حقيقية له.

اندلعت التظاهرات المطلبية في العراق، كحالها في البلدان الأخرى، حيث يسعى المحتجّون الى إيصال صوتهم الى السلطات، لكن الاستثناء الذي يميّز حالة الاحتجاج العراقية، هو الخطاب التحريضي، المتلاعب بأفكار الناس لغايات سياسية و"التطلع الخارجي"، الساعي الى انزلاقها نحو العنف المتبادل، كما دلّت على ذلك، الأرصاد الإعلامية.

 

كان المواطنون على حق، وهم يطالبون بالحد من الفساد وتوفير فرص العمل، وتعزيز الخدمات، وهي مطالب تتميّز بها

كل الفعاليات والحركات الشعبوية في العالم، والتي في الغالب ترفع الشعارات من قبل الناس العاديين ضد النخب،

كما حدث في فرنسا وهونغ كونغ، على الرغم من ان هذه الدول تتمتع بمستويات اقتصادية واجتماعية تفوق العراق.

 

أستطيع القول، ان حركة الاحتجاج العراقية، هي جزء من ظاهرة شعبوية عالمية، معروفة الأهداف في العمل على

توليد تغيير في البرامج الحكومية، السياسية والاقتصادية، كل حسب بلده ومجتمعه، حيث يصنف الشعبويون في الغالب، النخب النافذة بأنها منفصلة عن معاناة الناس، وانّ لا مفرّ من الإصلاح.

 

وفي العراق، يزداد الأمر تأزيما، ذلك انّ المسيرات المشروعة المطالبة بالحقوق والخدمات، يتخللها خطاب من جهات متعددة، تسعى الى بلوغ حالة من هستيريا احتجاج غير منتجة، وصولا الى الثقة الصفرية بين الشعب والسلطة.  

 

وساعدت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام الخارجي، على اتاحة المجال الى خطاب تأليبي، يزيد من المهواة بين الطرفين، ويجعل منهما عدوين متقابلين، لابدّ لأحدهما ان يصرع الآخر.

وانتبه الكثير من الشباب العراقي الى ذلك، حيث الخطاب الشعبوي يتحول الى نبرة عنفية، محذرين من الانزلاق الى فوضى التظاهر المسلح.

 

التجارب تفيد، ان التحركات الشعبوية، التي تفضي الى تجمعات واسعة، يجب ان تكون محترزة من استدراجها الى مستنقع الاقتتال البيني، ومن ذلك ان خطاب دونالد ترامب في حملته الرئاسية والذي فاجأ فوزه فيها الجميع، وحمل بشائر الشعبوية اليمينية، صاحبه التحذيرات من حرب أهلية أمريكية. وفي روسيا لاحت ملامح العنف في مطالبات تحرير الفلاحين الروس 1870. والتزم الشعبويون احتجاجات الريف الأمريكي ضد البنوك والشركات الرأسمالية. وقبل كل ذلك، كانت اثينا منبرا اعتلاه الشعبويون من أمثال "كليون"، ضد ديموقراطية اليونان النخبوية، وما خَلّفَتْهُ من فوضى.

 

 

 أوليفييه ايهل، خبير الأفكار السياسية في معهد العلوم السياسية في غرونوبل، لا يستغرب من كون العنف، او التطرف والحدّية، صفة من صفات الشعبوية، بعد ان وضع لها التعريف بانها "الوسيلة الجمعية للتنديد".

كما يندرج تحتها مفردات مثل "الحمائية" و"كراهية الأجانب" و"الفضائحية"، و"الشعور بالإحباط والدونية"، وكل هذه الوصفات والشعارات، تبنّتها حالة الهيجان العراقي في تشرين أول /أكتوبر 2019.

 

يبدو الخطاب الشعبوي في التظاهرات العراقية، معبرا عن مطالب الطبقات الفقيرة، ويركز -  كحال الخطابات الشعبوية في العالم - على انتقاد الخطط الحكومية، والقوى السياسية، وداعيا الى تحسين الأوضاع. ومقارنة بحركة السُتر الصفراء الفرنسية التي شارك فيها افراد كثر من الطبقات الوسطى، فان كلا الحالين، انزلقا الى بطش غير مسبوق، بل ان الحالة الفرنسية شهدت الاعتداء على المتاجر، والمرافق العامة، والمعالم الباريسية.

في النمسا، فان الشعبوية التي قادها حزب الحرية، كانت اكثر وطأة في العنف لكنها، لم تكن أقل مستوى من حدية الشعارات.

أيضا، فان الحالة العراقية، والفرنسية، فرغت من النخب الشعبوية الكاريزمية التي يمكن تصنيفها كزعامات، يمكن للسلطات التحاور معها، لوضع حد للازمة، وبسبب هذا الغياب، تتحدد خواتيم غير معروفة وغير محسوبة لكل من المتظاهرين والسلطات.

 

لا يغامر المعنيون، الشك، في ان الشعبوية العراقية سوف تكون صاحبة الدور في صياغة المرحلة القادمة، كاستحقاق طبيعي لصعودها العالمي، ولأن دولا سبقتنا الى ذلك، يتوجب الاستفادة من تجاربها في تعزيز المسار الديمقراطي، والتأسيس لنظام وظيفي واجتماعي واقتصادي، يستعيد الثقة بين الجماهير والسلطة، بعيدا عن ديماغوجيا التشويه لكل من التظاهرات والنظام السياسي على حد سواء.

اندلعت الاحتجاجات في العراق، وكان أحد أسبابها البطالة، والفقر. في مقالي السابق استعرضت وسائل الدول المتقدمة في الحد من البطالة، وكيف تتزاحم الحكومة ومؤسسات الدولة على خفض معدلاتها، لما لها من خطورة شديدة على الاستقرار.

 

في الدول ذات التجارب الناجحة، لا تقل جهود محاربة الفقر، عن مثيلتها في توفير فرص العمل، كما انّ الاحصائيات الدقيقة عن معدلات الفقر، والمراصد الحية التي تقيسها، والمجسات التي تستقرئ خطورتها، على درجة من الاعتبار، لتأمين قواعد بيانات لبرامج التصدي لهذه المشكلة الاجتماعية.

 

يحدث كل ذلك، على الرغم من ان أطوار الفقر في دول أوربا الغربية – مثالا لا حصرا- ليست في حالاتها الدنيا، والفقير فيها "متمكّن" من الحصول على لوازم الحياة الأساسية، فيما ينحصر الاكتراث بتوفير متطلباته التي تعزز العيش الكريم الموجود أصلا، وتساعد المعوز على ابتكار الوسائل وتمكينه من انتهاز فرص العمل، لكي يتخلص نهائيا من اعتماده على رواتب الضمان الاجتماعي التي توفرها الدولة له، فضلا عن ان المحتاج في الدول الغربية، يمتلك السكن والضمان الصحي، والراتب، ومع كل ذلك ينال من الاهتمام والرعاية، الشيء الكثير، فيما "فقير" الدول النامية ومنها العراق، يجسّد الحرمان بمعناه الحقيقي، ويعني الانسان المعدم الذي تجسّده صور في الشحاذة والسؤال في الطرقات، والنوم على الأرصفة بلا سكن، فيما في الدول الغربية المتقدمة، يدخل في قواميس الفقر حتى أولئك الذين لديهم رواتب شهرية، ولا يعانون من الإملاق، ولديهم السكن اللائق، لكنهم يشتكون من ديون لا يقدرون على سدادها، وقس على ذلك.

 

أحد أسباب الفقر في العالم هو تمركّز الثروات بين فئة قليلة من الأشخاص، ووفق تقرير لمنظمة أوكسفام الدولية فإن نحو ثماني دولارات من كل عشرة دولارات جنيت العام 2017 ذهبت إلى 1 في المائة من البشر، وهم الأغنى في العالم.

هذه الأمر يجب ان تنتبه له الحالة العراقية، وان تعمل الجهات المختصة على التقليل من الفروقات في الدخل، طالما

ان العراق يمتلك اقتصادا ناميا ويسعى الى تجربة تنتفع من أخطاء التجارب التي سبقته لاسيما تلك التي شيدت دول الرفاه في العالم لاسيما دول أوربا الغربية ذات الاقتصاد الرأسمالي الناجح الذي وظّف اقتصاد السوق بطريقة اشتراكية، وناجز الفقر الفاحش، والثراء الفاحش على حد سواء بواسطة تشريعات تضمن توزيع الثروات بصورة عادلة، وهو قاعدة غابت عن التخطيط الاقتصادي والاجتماعي في العراق، منذ عقود طويلة، حيث التفاوت الكبير في معدلات الدخل، بين من يتقاضى دخلا يصل الى نحو الأربعة الاف دولار شهريا، على أقل التقديرات، ولا يدفع ضريبة عليها، ومواطن لا يزيد دخله على المائتي دولار.

 

أرقام مكتب التخطيط الاجتماعي والثقافي (SCP) في هولندا، تفيد بان الفقير في البلاد، هو الفرد بمعدل دخل بنحو 1135 يورو، و للزوجين دون أطفال هو 1555 يورو وللأزواج الذين لديهم طفل واحد 1850 يورو، ولك ان تتأمل معنى "الفقر" الذي يبدو "رمزيا"، في هذه البلدان.

 

كتاب "السياسيون والصراع ضد الفقر"، لمؤلفيه "جيمس مانور" و"نجوجونا نجيتي" و"ماكوس أندري ميلو"، يفصح عن حقائق مرعبة عن أرقام عن الفقر في العالم، اذ لم يزل 783 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر الدولي المحدد بـ1.9 دولارا يوميا، فيما عُشر سكان العالم وأسرهم كانوا يعتاشون على أقل من 1.9 دولار يوميا في العام 2016.

 

العراق الذي يواجه احتجاجات الفئة المعدمة، والشباب العاطل، يجب ان يحزم أمره في منهج الشفافية، وتحسين إدارة الموارد وتنويعها، والابتعاد عن البيروقراطية في التعامل مع الفقراء وتعقب مصادر الفساد، الذي يعد الآفة الكبرى المضيعة للأموال في الدول التي تفتقر الى نظام محكم.  

لا تقلق دول أوربية على شيء، مثل قلقها على ارتفاع معدلات البطالة، حتى إذا تفاقمت أُعلِنت حالة من طوارئ، تُستنفَر فيها المؤسسات وخبراء التخطيط ومكاتب العمل والحكومة، من اجل خفض المعدل، وبأسرع ما يمكن، لإدراكها انّ لا أمر أخطر من ذلك، فهو حين يستفحل بين الافراد، يهدد استقرار المُجتمع، على الرغم من انّ العاطل عن العمل في دول الرفاه مثل السويد وألمانيا وهولندا والدانمارك، يحصل على معدل دخل كاف، فضلا عن دعم السكن، والتكاليف شبه المجانية للضمان الصحي والاجتماعي.

 

لا يقتصر عمل الحكومة وأذرعها، ومنظمات العمل المستقلة على إيجاد فرصة عمل جديدة للعاطل، بل تسعى الى إعادة تأهيله من جديد، عبر الدورات الفنية والدراسية من جديد، واكمال تحصيله الدراسي، إذا كان معوزا الى ذلك.

 

ومنذ اليوم الأول لانفصال الفرد عن العمل، تتدفّق عليه الرسائل من البلدية، لبحث فرصة إعادة تأهيله للشغل، إذا كان وضعه الصحي، يؤهله الى ذلك.

 

تُنفق الحكومة أموالا ضخمة من أجل ذلك، فيخضع العاطل الى منهج تدريب واختبار مهارات، وفحوصات نفسية، ويُبحث في أسباب طرده من العمل، أو تركه له، من أجل إعادة زرعه في بيئة توظيف تلائم وضعه النفسي والصحي، وحتى ثقافته الاجتماعية، وفي بعض الأحيان حتى معتقداته الدينية.

 

لا ينحصر هذا "الدلال" للعاطل عن العمل، على ذلك، فهو طوال فترة مكوثه في البيت يحصل على الراتب الجيد، فضلا عن كل المميزات الأخرى التي يحصل عليها المستمرون في وظائفهم.

 

وقد وصل الحد في هذا الترف، انّ مجلة ألمانية كشفت في آذار 2018 عن أن العاطلين عن العمل في ألمانيا يحصلون على دخل أكبر من العاملين أنفسهم!. ووفق المجلة فقد تبين، انّ عائلة العاطل عن العمل تدّخر، في بعض الأحيان، فائضا من المال في آخر الشهر، يفوق ما يحصل عليه العامل المسؤول عن نفس عدد أفراد الأسرة، وبمعدل دخل شهري لا يقل عن 2540 يورو، قبل اقتطاع الضرائب، لتغطية احتياجات عائلة بهذا العدد.

 

لا غلواء في ذلك، فهذا الامر يحدث في هولندا وفنلندا والسويد، وبقية دول الرفاه، مع عدم نسيان، ان النساء في هذه المجتمعات يقفن على رأس قوة العمالة، حيث يمثلن قوة اقتصادية هائلة الى جانب الرجال.

 

فضلا عن كل ذلك، فانّ الأطفال يحصلون على رواتب منذ ولادتهم، تصل الى نحو الـ300  يورو للطفل كل شهر،

ولك ان تتأمل عائلة عراقية وفدت الى هذه الدول ولديها خمسة أطفال، فكم يكون معدل دخلها؟.

 

دعونا من الامتيازات، فالحديث يدور عن البطالة، ذلك انّ الشاب الذي يكمل دراسته ولا يجد عملا - وهو أمر نادر الحدوث-، يحصل على مدخول بمقدار المخصّص للعاطلين عن العمل أيضا، فلا يعاني من مشاكل حياتية على الإطلاق.

 

في النتيجة، فانّ القول بانّ هذه الدول توفّر لكل فرد في المجتمع، العيش الكريم، ليس بجديد، ليطلّ السؤال الذي لابد منه: لماذا لا نجد هذا النظام الناجح، على أرض الواقع في بلد يقول عن نفسه، انه غني، مثل العراق؟.

 

وعلى رغم الوصف الواقعي، بان العاطلين عن العمل في دول الرفاه، "مدللون"، فإنك تجد تظاهرات لهم بين الحين والآخر، ليس لأجل أمر مُلح، بل لزيادة الدخل، او المطالبة بخدمات جديدة.

 

لا تكفي العواطف والنعوت، والخوالج الفياضة لمعالجة المشكلة، قدر الحاجة الى التخطيط والإدارة الناجحة التي

تبني المشاريع الصناعية والتجارية والزراعية، وتوسّع القطاع الخاص، وتضع القوانين الكفيلة بتعزيز الضمان الاجتماعي وجلب الاستثمار وكل ذلك لن يحدث من دون نمو اقتصادي.