مشروع تجاري
أمجد الدهامات

أمجد الدهامات

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

يمكن تقسيم علاقة الشباب بالسياسة إلى عدة أنواع، أهمها:

الممارسون للعمل السياسي: هم أعضاء في أحزاب سياسية ويحضرون اجتماعاتها وتجمعاتها ويشاركون في حملاتها الانتخابية ويتولون مناصب عن طريقها، ولكنهم بشكل عام أقلية لا تتناسب مع حجم الشباب العددي ومطالباتهم وطموحاتهم العالية، خاصة أن العمل الحزبي هو الممر الإلزامي للعمل السياسي في أي بلد ديمقراطي.

المهتمون بالعمل السياسي: الشباب الذين يهتمون بالشؤون العامة ويدافعون عن حقوق الشعب عن طريق التظاهرات والاعتصامات والنشاطات الأخرى، ولهم مواقف مؤثرة في الانتخابات حتى عندما يقاطعونها، وأكثرهم غير منتمين تنظيمياً.

الهامشيون بالعمل السياسي: وما أكثرهم! وهم الشباب الذين لا يهتمون بالشأن العام أصلاً، لكنهم يتفاعلون عندما لخدمة مصالحهم فقط، (مثلاً: يتظاهرون لزيادة رواتبهم ومخصصاتهم أو يستغلون نتائج تظاهرات الآخرين للتسجيل على منحة الحكومة للعاطلين عن العمل!).

وبما أن الشباب هم النسبة العددية الأكبر في المجتمع، وهم الطريق الحصري لمستقبل أفضل للبلد، فلابد أن يشاركوا بالعمل السياسي بفاعلية أكبر ويمكّنوا أنفسهم ويؤهلوها للقيادة في المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، ... ألخ، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن (التمكين) عملية طويلة تتمثل في مشروع وطني متكامل يبدأ من البيت مروراً بالمدرسة والجامعة ويتكامل مع مشروع حكومي مخطط له ومدروس وطويل الأمد يهدف بالنهاية إلى زيادة عدد المنتمين للنوعين الأول والثاني وتقليل، قدر الإمكان، من المنتمين للنوع الثالث.

ولهذا تعمل الكثير من دول العالم، وبطرق متعددة، على زيادة مشاركة الشباب في العمل العام لضخ دماء جديدة وأفكار مبتكرة في مفاصل العمل الحكومي والحزبي، وتجنب الشباب الحلول اليائسة مثل الهجرة أو الإنتماء لتنظيمات إرهابية ومليشياوية.

ومن أهم هذه الطرق:

أولاً: تخصيص (كوتا) للشباب في البرلمانات والمجالس المحلية وهذا موجود في (15) دولة، مثل: كينيا، رواندا، مصر، المغرب، الفلبين.

ثانياً: تخصيص (كوتا) للشباب في المفاصل القيادية للأحزاب السياسية، مثل: الحزب الليبرالي النيكارغوي يخصص (%40) للنساء والشباب، الحزب الليبرالي الكندي يخصص (%40) للشباب، والحزب الاشتراكي الهنغاري يخصص (%20) للشباب.

ثالثاً: خفض سنّ الترشح للانتخابات البرلمانية والمحلية، وكما يلي:

  1. هناك (59) دولة تسمح للشباب بعمر (25) بالترشح للانتخابات، مثل: إيطاليا، اليونان، مصر، الجزائر، ليبيا، لبنان.
  2. أما رومانيا، تونس، جزر القمر، جيبوتي، فتسمح للشباب بعمر (23) سنة بالترشح للانتخابات.
  3. كما توجد (62) دولة عمر الترشح للانتخابات فيها هو (21) سنة، مثل: روسيا، إيرلندا، البرازيل، فنزويلا، بوركينا فاسو، المغرب، إندونيسيا، ماليزيا.
  4. وهناك (51) دولة تسمح للشباب بعمر (18) سنة بالترشح للانتخابات، مثل: ألمانيا، بريطانيا، كندا، أستراليا، أوغندا، كينيا، تايلند، تركيا.
  5. أما دولة تيمور الشرقية فيكون عمر المرشح للانتخابات فيها هو (17) سنة.

بل أن اليونان سمحت للشباب بالتصويت بعمر (17) سنة، وفي النمسا ومالطا بعمر (16) سنة، وهناك دول عينت شباب بمناصب وزارية.

بالنهاية يبقى الموضوع بيد الشباب أنفسهم، كما فعلها قبلهم شباب فرنسا اثناء تظاهراتهم الشهيرة في آيار/ 1968: حيث كان شعارهم: «لا تعطيني حريتي، سأتولى الأمر بنفسي».

نعم لن يعطيكم أحد شيئاً بل يجب ان تأخذوه بأنفسكم، والبداية من شعاراتكم: «نريد وطن» و «نازل أخذ حقي».

يسأل البعض: لماذا أمضى النبي يوسف (ع) فترة طويلة في السجن لتحقيق هدف مهم وهو إصلاح وتغيير السجناء؟

ألا يكفي أن يزورهم في السجن ويلقي عليهم محاضرة نظرية يحثهم فيها على التحلي بمحاسن الأخلاق وترك طريق الإجرام بدلاً من قضاء سنين طوال في عذابات السجن؟

وسؤال ثانٍ: لماذا أستغرق النبي محمد (ص) ثلاث سنوات (الدعوة السرية) لكسب وهداية حوالي (40) شخصاً؟

ألا يكفي أن يجمعهم ويلقي عليهم محاضرة نظرية ليغيروا دينهم ويعتنقوا الإسلام بدلاً من الجهد المتواصل لسنين؟

الجواب: أن إعادة بناء وتغيير الإنسان، فضلاً عن المجتمع، عملية صعبة ومعقدة وتحتاج إلى زمن طويل ووسائل كثيرة ومتنوعة من أهمها (القدوة).

أن دور القدوة محوري في تغيير الإنسان والتأثير عليه، وعلى هذا الدور أن يكون عملياً تطبيقياً وليس نظرياً ليكون مؤثراً وفاعلاً، وهذا ما كان يدركه النبي يوسف، فالسجناء كانوا يحتاجون لرؤية قدوتهم وهو يأكل مما يأكلون ويلبس مما يلبسون وينام على الأرض الخشنة مثلما ينامون، باختصار هم بحاجة لأن يشعروا أن قدوتهم هو واحد منهم لا يتميز ولا يُميز نفسه عنهم بشيء، عندها فقط يفتحون قلوبهم وعقولهم للتغيير، وهذا ما حصل وكانت النتيجة مذهلة، لقد أصبح هؤلاء المجرمون دعاة يساهمون في نشر دعوة النبي، ونفس الشيء صار مع النبي محمد (ص) خلال دعوته السرية حيث استطاع أن يغير أولئك الأشخاص ليكونوا مساعدين له في نشر دعوته العلنية.

وهناك مثال أخر:

كانت بريطانيا تشتري القطن الهندي بثمن بخس، ثم تصنّعه على شكل ملابس تبيعها للهنود بأسعار باهظة، فطلب (المهاتما غاندي) عام (1920) من الشعب مقاطعة هذه الملابس وغزل قطنهم بأنفسهم وقال: «أحمل مغزلك واتبعني»، فبدأ بغزل ملابسه وتبعه شعبه، وتكرر الامر عام (1930) عندما فرضت بريطانيا ضريبة على الملح فقرر (غاندي) السير إلى البحر بنفسه لإستخراج الملح، فمشى معه الناس لمدة (24) يوماً وقطعوا مسافة (240) ميلاً للوصول إلى البحر وقاموا باستخراج الملح معه.

لو أن (غاندي) لم يغزل ملابسه وظل يرتدي الملابس الأوربية الأنيقة وقال للناس: «أغزلوا ملابسكم»، ولو لم يمشي إلى البحر بنفسه لما استجاب له الشعب وكان الفشل من نصيب دعوته.

مثال أخير:

 في عام (2012) أصبحت السيدة (جويس باندا) رئيسة لجمهورية (مالاوي)، ولمعالجة الأزمة الاقتصادية قررت التقشف في مصاريف الدولة وبدأت بنفسها:

باعت سيارات الموكب الرئاسي وعددها (60) سيارة، باعت الطائرة الرئاسية وظلت تسافر بطائرات عادية، خفضّت راتبها ورواتب الوزراء بنسبة (%30)، بل حتى باعت منزلها الشخصي وتبرعت بثمنه للفقراء، وبعد ذلك طلبت من الشعب أن يتقشف وهذا من حقها لأنها بدأت بنفسها أولاً.

من خلال هذه الأمثلة، وغيرها الكثير، نستشف أن الإنسان يحتاج إلى مثال أعلى عملي يطبق على نفسه ما يطلب فعله من الآخرين، فليس من المعقول أن يطلب منهم أن يتقشفوا وهو مترف، وليس من المقبول أن يطلب منهم أن يكونوا متسامحين وهو غير متسامح، ومن غير المنطقي أن يطالبهم بالنزاهة والإصلاح وهو فاسد من الدرجة الأولى!

كيف له أن يطالب الفقراء بالصبر والتحمل والإصلاح وهم يشاهدون سيارته الحديثة وحرسه الخاص وبيته الفخم ثم يتوقع منهم أن يتغيروا؟

بعضهم يعتقد أن الإنسان يتغير ويصلح حاله بمجرد استماعه للمحاضرات والكلام المنمق المسجع!

أقول: لهم انكم واهمون والدليل نراه في المجتمع واقعاً!

يبدو أن (ديمقراطيتنا) تختلف عن المتعارف عن الديمقراطيات في العالم، ويبدو أن (معارضتنا) تختلف عن المعارضات في العالم أيضاً!

ما يدفعني لهذا القول هو سيل التصريحات السياسية عن المعارضة ومهمتها في البلد، ولعل أبرز ما لفت نظري هو تصريح لسياسي من الموالاة يقول فيه: «ان مهمة المعارضة هي تقديم البديل العملي للحكومة وليست من مهمتها الإستجواب بهدف إسقاط الحكومة».

وبالمقابل صرح سياسي من المعارضة بقوله: «معارضتنا لا تتبنى إسقاط الحكومة بل تقويم عملها».

بالحقيقة لا أعرف كيف يفهم سياسيي بلدي دور المعارضة في الأنظمة البرلمانية، ولا أعلم في أي قاموس وجدوا تعريف ومهام المعارضة في البلدان الديمقراطية!

أيها السادة: من بديهيات الأنظمة الديمقراطية البرلمانية هو وجود المعارضة، وبديهية أخرى هي قيام المعارضة باستجواب رئيس وأعضاء مجلس الوزراء، وبديهية ثالثة هي محاولات المعارضة المستمرة اسقاط الحكومة للحلول محلها.

ومن المعروف أيضاً أن الحزب أو ائتلاف الأحزاب التي تحصل على الأغلبية تشكل الحكومة وتقوم الأحزاب الأخرى بدور المعارضة تحت مظلة الدستور والقوانين، وتعمل الحكومة استناداً على ثقة البرلمان، وتبقى طوال فترة حكمها مسؤولة بشكل جماعي تضامني وفردي أمامه، ولهذا تعمل المعارضة على اسقاط الحكومة بطرق كثيرة منها الاستجواب وسحب الثقة، وبالتالي تشكل المعارضة حكومة جديدة، وهذا حاصل في دول كثيرة، وهاكم هذه الأمثلة:

عام (1979) تم سحب الثقة عن رئيس وزراء بريطانيا (جيمس كالاهان) فقدم استقالته.

عام (2013) استجوبت المعارضة الاسبانية رئيس الوزراء (ماريانو راخوي)، مما أدى إلى حجب الثقة عنه واستقالته.

عام (2019) استجوبت المعارضة الإيطالية رئيس الوزراء (جوزيبي كونتي) فقدم استقالته من المنصب.

وعملية الاستجواب ليست خاصة برئيس الوزراء فقط، بل تشمل حتى الوزراء أيضاً، مثل:

عام (2007) استجوب البرلمان الهولندي وزير الخارجية (برنارد بوت) لعدم موافقته على منح تأشيرة دخول لوفد فلسطيني رسمي.

عام (2007) استجوب البرلمان الاسباني وزير الدفاع (خوسيه ألونسو) على خلفية مقتل (3) جنود أسبان في قوات الأمم المتحدة في لبنان.

عام (2018) استجوب البرلمان الإيراني وزير الشؤون الاقتصادية والمالية (مسعود كرباسيان) ووزير العمل (علي ربيعي) وسحب الثقة عنهما.

وقد يحدث أن يستقيل الوزير قبل حصول عملية الاستجواب وهروباً منه، فقد استقال وزير الشؤون الاجتماعية والعمل الكويتي (أحمد الرجيب) عام (2012) قبل أيام من استجوابه، أما وزير المالية (مصطفى الشمالي) فقد استقال وهو على منصة الاستجواب عندما اقترحت المعارضة سحب الثقة عنه واقالته، وفي عام (2018) استقال وزير النقل والمواصلات الإيراني (عباس آخوندي) قبل استجوابه في البرلمان.

وحتى لو كان عدد نواب المعارضة قليل، وهذا هو الطبيعي، فيمكنهم إنهاك الحكومة عن طريق الاستجوابات وطلبات سحب الثقة عنها أو عن بعض وزرائها، وهذا ما فعلته المعارضة الكويتية مع رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد الصباح الذي بلغت مجموع طلبات استجوابه (7) مرات وبالنهاية قدم استقالته بشكل نهائي عام (2011).

اما بخصوص التصريح الثاني، فأقول:

يا سيدي أن أصل وجود المعارضة هو عدم اقتناعها ببرنامج الحكومة ولو كانت موافقة عليه لما كان هناك داعٍ لمعارضته، ولهذا فأنها تسعى بشكل حثيث للوصول إلى السلطة وتشكيل حكومة بدلاً عنها لتنفيذ برنامجها التي تعتقد أنه يحقق مصالح الشعب أكثر من البرنامج الحكومي.

أن الأحزاب السياسية ليست جمعيات خيرية تبغي الحسنات أو الثواب الأخروي من خلال عملها السياسي، وليس من واجباتها تقويم الحكومة وتنبيهها على اخطائها لتصححها فتبقى بالحكم فترة أطول، بل تعمل المعارضة على تصيّد تلك الأخطاء واستغلالها لتحقق هدفها الرئيسي وهو اسقاط الحكومة والوصول إلى السلطة.

هذه هي السياسية!

ما أن عُرض الفيديو الهزلي للسيدة نادرة ناصيف وهي تُعلن عن تأسيس (مملكة الجبل الأصفر) الوهمية حتى أزهرت نظرية المؤامرة المنتشرة أصلاً في عالمنا العربي وفي العراق تحديداً، وانبرى بعض الكتّاب لتدبيج المقالات وترويج الأسطوانة إياها عن المؤامرة الإمبريالية الماسونية الأمريكية الصهيونية ... ألخ على العالم العربي حتى كتب أحدهم: «تدلل على وجود مؤامرة تحاك تجاه أهل غزة خاصة والفلسطينيين عامة، لتهجيرهم وترحيلهم لتصفية القضية الفلسطينية»، وكتب آخر: «ما أفصح به بيان الإعلان من أهداف سيكون بديلاً لمشروع الاستيطان الخاسر في سوريا والعراق، وستكون هذه المملكة المزعومة جنيناً صهيونياً جديداً في قلب القارة السمراء»!!!

وتكررت مثل هذه العبارات في أغلب مقالاتهم، بل تكرر حتى الخطأ نفسه حول مساحة (المملكة) البالغة (2060 كم²) فيذكرون أنها تعادل مساحة دولة الكويت ولم يتعب أحدهم نفسه ليبحث في (google) ليتأكد من المعلومة ليجد أن مساحة الكويت تبلغ حوالي (17.818 كم²) ولا تعادل مساحة (المملكة) المفترضة!

ثم يتحدثون بثقة عن تأسيس (المملكة) في مؤتمر القمة المنعقد في مدينة أوديسا الأوكرانية، مع أنه لم ينعقد أي مؤتمر قمة في أوكرانيا ولم يزرها أي رئيس دولة في تلك الفترة!

ونسوا أو لم يعرفوا أصلاً أنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها الإعلان عن (مملكة) في هذا المنطقة التي تقع بين مصر والسودان المسماة (بئر طويل)، فقد جرت مثل هذه المحاولات سابقاً ولم تنجح أي منها ولم يترتب عليها أي أثر، أنها مجرد فرقعات إعلامية تنتهي في وقتها، وهاكم بعض الأمثلة:

في عام (2010) أعلن أحدهم عن تأسيس (مملكة بئر طويل) وأطلق على نفسه لقب (الملك هنري) وفتح باب الحصول على جنسية (المملكة) ولكن لم يتقدم أحد ليكون من رعاياه مع الأسف!

وفي عام (2014) أعلن الأمريكي (جيرمي هيتون) أنه ملكاً على (مملكة شمال السودان) ليحقق رغبة أبنته في أن تكون أميرة! بل أنه حتى صمم علماً للمملكة وسك عملة لها وأعلن ابنته (إميلي) أميرة عليها!

وفي عام (2017) أعلن الهندي (سوياش ديكسيت) نفسه حاكماً على المنطقة وأطلق عليها أسم (مملكة ديكسيت)، وأيضاً صمم علم وشعار لها، وأعلن عن فتح الاستثمارات الأجنبية وطلبات الحصول على الجنسية، ولكن لا أحد أستثمر أو طلب جنسية (مملكته)!

كل هذه المحاولات وغيرها انتهت في وقتها وتناولتها وسائل الاعلام العالمية باعتبارها من الأخبار الطريفة ليس إلا، والمحاولة الاخيرة للسيدة (ناصيف) هي من هذا النوع أيضاً، وبالتالي فهي ليست جزءً من (صفقة القرن)، بل أكاد أجزم أن الرئيس (ترامب) وصهره المكلف بهذه الصفقة (جاريد كوشنر) لم يسمعا بـ (بئر طويل) ولا أين تقع!

نعم قد يستغرب البعض من ذلك لأنهم يتصورون أن الرئيس الأميركي يعرف كل شيء عن كل دولة بالعالم ويحدد مصيرها ومستقبلها بدقة، بالحقيقة هذا ليس صحيحاً، وعلى سبيل المثال أن الرئيس (جورج بوش) لم يعرف أسم رئيس باكستان (برويز مشرف) عندما سئُل عنه!

أيها السيدات والسادة: أرجوكم خذوا نفساً عميقاً ولا تهولوا الأمور وابتعدوا قليلاً عن نظرية المؤامرة وأنظروا للأشياء كما هي لا كما تتخيلونها!

تنصدم الذهنية الطائفية العراقية، من جديد، عندما تطّلع على التجربة السياسية لجمهورية أورغواي، ذلك البلد الفقير والصغير (المساحة: 176000 كم2 ، النفوس: حوالي 3.5 مليون نسمة) الواقع في أميركا الجنوبية الذي عاني من سنين طوال من الأنظمة العسكرية الدكتاتورية، فقد انتخب الشعب عام (2010) الرئيس (خوزيه موهيكا) الذي يُلقب بـ (أفقر رئيس جمهورية في العالم) لأنه تبرع بـ (%90) من راتبه البالغ ( 12500$) للفقراء والجمعيات الخيرية، ولم يسكن في القصر الجمهوري بل خصصه للمشردين الذين لا يملكون سكن، وبقى في بيته الصغير الواقع على طريق ترابي يقود سيارته الصغيرة والعتيقة (فولكسفاغن موديل 1987 يُقدر سعرها بحوالي 1200$) بنفسه بلا حماية وموكب كبير، ورغم انه سُجن لمدة (14) سنة لمقاومته الأنظمة الدكتاتورية إلا أنه لم يطالب بامتيازات (السجين السياسي) بل تنازل عن الامتيازات الطبيعية لأي رئيس جمهورية بالعالم، وكان يقول: «أن الفقراء هم الذين انتخبوني وليس من الأخلاقي ان أعيش بمستوى يختلف عنهم، ... الكثير من الناس يحبون المال ولكن لا يجب ان يوجد مثل هؤلاء في السياسة».

كل ما سبق يمكن اعتباره شيء عادي، رغم انه غير عادي اكيداً، بل وصادم خاصة للكثير من النخبة السياسية العراقية، ولكن الشيء غير العادي والغريب انه تم انتخاب (موهيكا)، في بلد اغلبيته مسيحية، وهو (ملحد)، أكرر أن الرئيس كان (ملحداً)!، هنا ستسأل الذهنية الطائفية العراقية: لماذا تم انتخاب رئيس من أهل النار؟

أعتقد أن ما يهم شعب أورغواي، كما أي شعب أخر، ليس مصير الرئيس في الحياة الآخرة والبحث عن اجابة لسؤال غير منطقي: (هل ستكون نهايته في الجنة أو في النار؟)، بل المهم فعلاً هو ما يحققه الرئيس من رفاهية للمواطنين في هذه الحياة، الحياة الدنيا، وليذهب بالآخرة إلى جهنم وبئس المصير!

وهذا ما حصل فعلاً وخلال (5) سنوات فقط، فقد أصبح البلد، حسب منظمة الشفافية الدولية، الأقل فساداً في القارة (بالمرتبة -23- عالمياً بينما العراق بالمرتبة -166-)، ومن أكثر بلدانها نمواً وتطوراً اقتصادياً واجتماعياً، والأكثر حرية سياسياً، ورغم عدم وجود النفط أو الغاز إلا ان نصيب الفرد من اجمالي الدخل القومي لعام (2018) بلغ ($ 16,700) مقارنة بالعراق ($ 7,400) حسب البنك الدولي، ونسبة الامية (%1.9) بالمرتبة (42) عالمياً، بينما الامية في العراق (%21.5) بالمرتبة (99)، ومؤشر نوعية الحياة الكريمة بالمرتبة (48) عالمياً بينما العراق بالمرتبة (114) ..... كل هذا بفضل الرئيس (الملحد)! 

لكن كل هذا لا يهم الذهنية الطائفية العراقية، المهم هو: هل موخيكا بالجنة أو بالنار؟

إنسحاب النواب من احزابهم هو موضوع جدلي تنقسم الآراء حوله، فهناك مَن يرفضه ويعتبره مخادعة وخيانة للمبادئ وعدم وفاء للحزب الذي كان السبب الأساسي بفوز النائب بمقعده البرلماني.

بينما آخرون يعتبرنه تصرفاً صحيحاً ومن حقوق النائب، خاصة في حالة الخلاف حول طريقة إدارة الحزب أو انحراف عن مبادئه أو عدم الرضا عن سياساته، ويستدلون على ذلك بحالات كثيرة حصلت في الدول الديمقراطية ولأسباب متعددة وتم التعامل معها بشكل طبيعي جداً، وآخرها انسحاب النائب (فيليب لي) من حزب المحافظين الحاكم وانضمامه لحزب الديمقراطيين الأحرار المعارض لرفضه سياسة رئيس الوزراء (بوريس جونسون) الخاصة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي رغم أنه عضو بالحزب منذ (27) سنة، وفي أمريكا ترك النائب (جاستن أماش) حزبه الجمهوري احتجاجاً على سياسات الرئيس (دونالد ترامب)، بل المفارقة أن النائب الأسترالي (فرازير انينج) إستقال من حزبه بعد دقائق فقط من إدائه اليمين الدستورية في البرلمان لخلافه مع رئيسة الحزب.

بل الأخطر عندما يؤدي إنسحاب النواب إلى فقدان حزبهم أغلبيته البرلمانية وبالتالي سقوط حكومتهم، كما حصل في تركيا عندما انسحب (6) نواب من حزب اليسار الديمقراطي الحاكم مما أجبر رئيس الوزراء (بولند أجاويد) على الإستقالة عام (2002وكذلك في اليونان عام (2011) حيث إستقال رئيس الوزراء (جورج باباندريو) عندما لم تصوت نائبتان من حزبه على منحه الثقة لرفضهما فكرة إجراء استفتاء على الخطة الاوروبية لمساعدة اليونان.

لكن (نظرية الإختيار العام) لها وجهة نظر أخرى:

بالأصل أن نظرية الإختيار العام (Public Choice Theory) هي نظرية اقتصادية لكن يتم استخدام آلياتها في تحليل سلوكيات السياسيين.

إذ من خلالها يتم تحليل دوافع الناس المتواجدين في الأسواق سواء كانوا تجاراً أو عمالاً أو مستهلكينَ، فالعلماء الدارسون لسلوك هؤلاء الناس يفترضون أن الدافع الأساسي لهم هو تحقيق مصالحهم الشخصية البحتة حتى لو كانوا يدّعون أن أفعالهم في الأسواق هي من أجل مصلحة الآخرين وخدمتهم.

وبتطبيقها على العمل السياسي نجد أن تصرفات السياسيين هي لمنفعتهم الشخصية، بل حتى المصوتين ينتخبون أشخاصاً بعينهم ليقدموا لهم الخدمات، رغم أن الجميع (سياسيين ومصوتين) يعلنون أن عملهم للصالح العام، لكنهم بالحقيقة يواصلون الاهتمام بمصالحهم ويحاولون زيادة منفعتهم الذاتية لا غير، وهذا ليس ذماً لأحد بقدر ما هو توصيف وتحليل لواقع حال، أنها براغماتية صرفة، وهذا هو واقع العمل السياسي بعيداً عن المثاليات والشعارات.

فقد أثبتت التجارب أن السياسيين يتصرفون بنفس طريقة الفاعلين الاقتصاديين (منتجين وعاملين ومستهلكين) في الأسواق، أنهم يعملون على تعظيم فوائدهم الذاتية المحضة بغض النظر عن الشعارات البراقة التي يرفعونها حول خدمة الناس ورعاية مصالحهم.

إذن، وفق هذا النظرية، أن النائب عندما يشعر أن مصلحته الشخصية لا تتطابق مع مصلحة حزبه فأنه ينسحب منه، رغم أنه يحاول تبرير وتجميل هذه الإستقالة وتعليلها بالمصلحة العامة.

بالحقيقة أنه يحاول تجربة طريق آخر للفوز في الانتخابات القادمة!